تدخل الحركة الإسلامية السودانية في أمتحان وجود حقيقي في السودان، من خلال التحديات التي تواجهها إن كان في داخل البلاد أو في النطاق الإقليمي و الدولي، و هذه التحديات هي التي جعلت الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي الدكتور علي الحاج أن يسأل عن الثمن الذي سوف تدفعه الحركة الإسلامية لرفع العقوبات الاقتصادية الأمريكية عن السودان، و السؤال ناتج عن تخوف أن يحظر نشاط الحركة الإسلامية، إلا إن وزير الخارجية الدكتور إبراهيم غندور قد نفي أن يكون لرفع العقوبات ثمن تتحمله الحركة الإسلامية. ثم جاء تأجيل المؤتمر التاسع للحركة الإسلامية المرتبطة بالحزب الحاكم، للعام القادم يثير ذات الشكوك، رغم إن قيادة الحركة الإسلامية عللت التأجيل بإن اللجان لم تكمل تقاريرها، و هذا تعليل غير منطقي، باعتبار إن الحركة تعرف مواعيد انعقاد مؤتمرها و تكون قد شكلت لجانها لكي تكمل تقاريرها قبل انعقاد المؤتمر بفترة و تسلم للقيادة و يتم مناقشتها ثم تعرض علي المؤتمر، باعتبار إن القيادات تتحمل المسؤولية الأخلاقية عن كل التقارير، لأنه يعكس عملها نشاطها في الفترة السابقة، لذلك يصبح التعليل فيه شيء من حتى.

القضية الأخرى التي تفرض التساؤلات المشروعة، إن الحكومة دخلت في تحالف أقليمي، و دول تلك التحالف تعتبر جماعة الأخوان المسلمين جماعة إرهابية، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول هل التحالف يفرض شروطه علي أعضائه، أم لهم الخيارات في تحديد سياستهم؟ و الجواب التلقائي بعيدا عن أدوات التبرير، إن التحالف الأقليمي تأسس علي محاربة الأخوان باعتبارهم حركة سياسية تسعي للوصول إلي الحكم في كل البلاد التي فيها التنظيم، الأمر الذي يؤكد هناك شروطا لابد أن تلبيها الدولة التي تنضم للتحالف.
هذه المقدمة تعكس التحديات التي تواجهها الحركة الإسلامية، و لكن هذه ليست موضوع المقال، موضوع المقال كيف تفكر عضوية الحركة الإسلامية أمام التحديات التي تواجهها، و أيضا كيفية إعادة البناء للحركة؟ و التفكير يجب أن يبدأ منذ منصة التأسيس مرورا بكل التحديات التي واجهتها الحركة الإسلامية في مسيرتها التاريخية، و خاصة فترة الإنقاذ التي بدأت بانقلاب عسكري مدني بتخطيط منها، ثم المفاصلة التي أدت إلي انقسامها نصفين، الأول خرج من السلطة بقيادة الدكتور الترابي، و الأخر ظل في السلطة، ثم بدأت مرحلة تحجيم و إبعاد قيادات الحركة الإسلامية من صناعة القرار، حيث أصبحت الحركة علي هامشية السلطة.
العديد من قيادات الحركة الإسلامية التي شعرت أن السلطة بدأت تتسرب من بين أصابعهم، و بدأت تظهر دعوات الإصلاح داخل السلطة، في ظل تغيير حدث في القناعات عند عدد كبير من القيادان الإسلامية في السلطة، حيث أصبح الانتماء للسلطة أقوى من الانتماء للتنظيم، مما أدي تعديل في سلم القيم عند البعض، الأمر الذي أظهر الفساد بصورة كبيرة، و هذا الفساد من أكبر التحديات للحركة، باعتبار إن الإنقاذ تمثل تجربتها السياسية في السلطة، و هو تنظيم يتدثر بالطهرانية، و كان علي عضويته أن تقف بحزم أكثر أمام مسألة الفساد، لأنه يهزم أطروحتها، لكن لم يحدث ذلك. و لكن أغلبية قيادات الحركة الإسلامية، إذا كانت في السلطة أو خارج سياج السلطة، تزعجها تماما مسألة أن تفقد الحركة السلطة، حتى إذا كانت هي علي هامش السلطة. دون أن تطرح عملية كيفية إعادة بناء الحركة الإسلامية علي أسس جديد، تتبنى مسألة الحرية و الديمقراطية كعوامل جوهرية لخلق الوفاق الوطني في البلاد.
كان من المتوقع من نخب الحركة الإسلامية الذين ينادون بوحدة الحركة و الإصلاح، يوضحوا كيف يتم ذلك أمام التحديات التي بدأت تتضخم، لكنهم جعلوها شعارات تتوسل العاطفة دون أن تخاطب العقل. كان علي هؤلاء أن يطرحوا التساؤلات المطلوبة للعملية الإصلاحية. فالأسئلة مهمتها الأساسية أن تعيد النظر في المنهج السياسي السائد عند نخب الحركة، و في ذات الوقت إن الأسئلة أيضا تؤدي لتغيير في طريقة التفكير السائدة، و التي أدت للفشل و تفتيت في عضوية الحركة، و الأسئلة بالضرورة تجذب الكثير من العناصر التي تشتغل بالفكر لكي تحاول الإجابة عليها من خلال طرح مفاهيم جديدة، خاصة فيما يتعلق بقضيتي الحرية و الديمقراطية، من خلال منهج نقدي بعيدا عن التبرير، باعتبار إن التبرير يؤكد علي إن النخب تريد السير بذات المناهج القديم الذي قاد للفشل، و المنهج النقدي يبحث عن الأسباب و العوامل الحقيقية التي تسببت في الفشل و انقسامات الحركة الإسلامية.
هناك العديد القيادات الوسطية من عضوية الحركة الإسلامية، ينادون بالمراجعات الفكرية، بهدف إعادة قراءة الواقع بمنهج جديد، و لكن المراجعات الفكرية، تحتاج لإعادة المنهج البحثي الذي كان سائدا في الحركة، الذي كان يقوم علي أن يفكر شخص أو شخصان و علي البقية التنفيذ، هذا المنهج أثبت فشله لأنه يعطل العقل، و في ذات الوقت يعطل أدوات الجدل و الحوار داخل التنظيم، و أيضا يجعل قدسية الأراء، خاصة في القيادة، و يجب أن يفتح باب الاجتهاد بشروط العلم، و ليس بشروط التنظيم، و يتم التجاوز للثقافة التقليدية السائدة في القوي السياسية، فالمراجعة الفكرية إذا تجاوزت المنهج النقدي لا تعطي نتائج طيبة تساعد علي البناء و التنمية التنظيمية و الفكرية. و كما يقول المفكر البناني علي حرب " إن المفكر هو عين علي الحدث من جهة، و سعي إلي إعادة التفكير في أفكاره المسبقة علي ضوء ما يحدث من جهة أخرى" و يقول أيضا " فمن لا ينتج معرفة بالمجتمع لا يستطيع المساهمة في تغييره، و من لا يبدع فكرا هو أعجز من أن يؤثر في مجرى الأحداث و تطور الأفكار" فالعناصر التي تشتغل بالفكر هي القادرة علي أن تقدم أسئلة التغيير.
القضية الأخرى التي يجب أن تعيها عضوية الحركة الإسلامية، إن إعادة التفكير و طرح الأسئلة و محاولة الإجابة عليها علي منهج مغاير، بالضرورة سوف يعيد بناء الحركة الإسلامية علي أسس جديدة مغايرة للشكل التنظيمي السابق. لكن النخب الإسلامية لا تفكر بالمستقبل علي ضوء التحديات التي تفرض المراجعة الفكرية و التنظيمية، و إن إشكاليتها إنها تفكر في كيفية الحفاظ علي السلطة حتى إذا كانت هي مهمشة فيها، الأمر الذي يجعل إن العقل الإسلامي يريد المحافظة علي واقعه حتى أذا كان يشتكي الكثير من الخلل، بدلا من التفكيري المنهجي وفق مراجعات فكرية. و التي ليست تنشط العقل الإسلامي وحده، إنما تفتح باب الحوار علي كل التيارات السياسية في البلاد، و هي قضية تحتاج لعملية تفكير عميق و حوار فكري مع التيارات الفكرية الأخرى. نسأل الله حسن البصيرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.