قال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف خلال مؤتمر صحفي مع وزير الخارجية الأمريكي في إبريل الماضي، إن إدارة الرئيس باراك أوباما طالبت البشير بالموافقة علي تقسيم السودان إلي دولتين، في مقابل أن لا يقدم إلي المحكمة الجنائية الدولية علي خلفية جرائم حرب و جرائم ضد الإنسانية التى أرتكبت في دارفور. و أضاف لافروف قائلا عندما أصدرت المحكمة الجنائية صحيفة الاتهام في خمس تهم بإرتكاب جرائم ضد الإنسانية و تهمتين بجرائم حرب و ثلاث تهم إبادة جماعية . وافق الرئيس البشير علي انفصال الجنوب. و في زيارة الرئيس البشير لروسيا و عرضه للرئيس الروسي إنشاء قواعد عسكرية في السودان علي البحر الأحمر، ثم يطالب روسيا حمايته من شرور الولايات المتحدة الأمريكية، تؤكد إن الرئيس يبحث عن ضمانات للذات و ليس البحث عن حل لمشاكل الوطن، الأمر الذي يجعل الأزمات تتعمق أكثر لآن الرجل الذي يدير الدولة يسعي لحماية ذاته و ليس البحث لحل مشاكل الوطن، باعتبار إن الصراع الدائر حول السلطة هو صراع نفوذ ذاتي. و كما قال في إفادة صحفية أيضا أسامة توفيق القيادي بحزب "الإصلاح الآن" إن إتهامات "المحكمة الجنائية" للرئيس البشير جعلتها الدول الغربية سببا لكي يظل النظام باق، و إن البشير لن يتخل عن الحكم مطلقا. 

إن البشير في محاولاته من أجل البحث عن حل لقضية المحكمة الجنائية، و التي أكد وزير الخارجية الروسي كانت سببا في انقسام السودان لدولتين، هي أيضا جعلت البشير يبحث خارج عن دولة تقدم له ضمانات ذاتية بعدم المحاكمة. و في داخل السودان أن يجعل ميزان القوة لصالح القوي العسكرية الراغبة في حمايته، إي التي ارتبطت مصالحها بوجوده شخصيا. قبل إتهامات المحكمة الجنائية، عندما حملت المعارضة السلاح بدأت عمليات التعبئة و تكوين الدفاع الشعبي، و الدفاع الشعبي كون من العناصر الإسلامية لأنها كانت لا تضمن الجيش في ذالك الوقت حيث حدثت عدة محاولات انقلابية. و بعد المفاصلة كان لابد للبشير أن يبحث عن بديل للدفاع الشعبي، فكان الاتجاه إلي تقوية جهاز الأمن و المخابرات و تسليحه بأسلحة ثقيلة، و هذا الاتجاه يمنع تحرك أي مؤسسة ضد السلطة الحاكمة.
و عندما ظهرت مراكز القوة داخل الحزب الحاكم و صراع الاجنحة، و صل الصراع و الاستقطاب إلي المؤسسات النظامية خاصة جهاز الأمن و المخابرات و القوات المسلحة، و بعد اتهام الفريق صلاح غوش بمحاولة إنقلاب، و أيضا العميد ود إبراهيم من القوات المسلحة، تأكد للرئيس إن المؤسستين غير مضمونتين، و لذلك كان الاتجاه للبحث عن بديل ثالث، فكانت قوات الدعم السريع. كل هذه المؤسسات لم تصنع الطمأنينة عند الرئيس البشير، فذهب يبحث عنها خارج الحدود، في تحالف مع السعودية و الأمارات، و كان يعلم إن هاتين الدولتين لهما مواقف مناهضة للحركات الإسلامية، خاصة جماعة الأخوان المسلمين، الذين يتحالف معهم البشير بل قد صرح عدة مرات إنه ينتمي لهذه الجماعة. و بالفعل في فترة تاريخية أراد أن يتخلص منهم ليس بسبب قناعات فكرية، إنما حماية للذات و السلطة، لكنه لم يجد السند الشعبي البديل، و لم يجد السند المالي من قبل حلفائه الجدد ليساعده علي تغيير تحالفاته في الداخل، و تدفع القوي غير الإسلامية أن تدعم النظام، ذهب للاتحاديين جماعة الشريف زين العابدين الهندي و وجدهم مجموعة ليس لها قاعدة جماهيرية يمكن الإتكال عليها في صراع ربما ينحرف إلي العنف المسلح، و ذهب للميرغني لكي يملأ فراغات الحركة الإسلامية، و أيضا لم تقنعه بأنها تجد التأييد الكاف من الجماهير الاتحادية، و قد أقدمت علي المشاركة عناصر تهمها مصالحها الذاتية، و رفضت القاعدة الجماهيرية مشاركة الحزب في الإنقاذ، و بالتالي القيادات التي شاركت لا تجعل البشير مطمئنا، بل هي نفسها غير مطمئنة حيث تشارك بسيفها و قلوبها مع المعارضة، و هي تعلم إن الحالة التي تعيشها البلاد لا تبعد عنها شبح الثورة، و ربما تقع في أي لحظة مادام عواملها مكتملة. و خيبت القيادات الاتحادية المشاركة آمال الرئيس، لذلك أصبحت هي نفسها علي هامش الفعل السياسي، كما أشتكى حات السر للبرلمان عن ممارسة التهميش تجاه وزارته.
فشل النظام في حل الضائقة الاقتصادية إن كانت تقليدية أو إستراتيجية كما يحاول النظام طمأنة الناس، و ليس هناك أملا مرجوا، لا في التحالف مع السعودية و الامارات، و لا أمل في روسيا أن تحل الأزمة الاقتصادية التي يواجهها السودان، فالوطن يواجه أكبر سوء في الخدمات الاقتصادية و الصحية، و غلاء متصاعد فوق طاقة الشعب، حيث أصبح 75% من الشعب تحت مستوي خط الفقر، و عطالة تفوق 45% من الشباب، كل هذه العوامل السالبة تعتبر عوامل دافعة نحو الثورة. فالرئيس البشير ليس ملتفتا لذلك، بل ما يهمه هو كيفية حل مشكلته مع المحكمة الجنائية، و استمراره كرئيس في السلطة رغم هذا الفشل و العجز الذي استمر قرابة الثلاثة عقود.
إن تعدد القوي العسكرية التي دعمها الرئيس لكي تحقق له الطمأنينة، هي أيضا محفزة للثورة، لأنها جميعها طامحة و طامعة في السلطة، و ليس هناك ما يجعلها متوافقة، و كما تقول قيادات الدعم السريع إن ولاءها فقط للبشير، و إذا رحل البشير أين يتجه هذا الولاء، و هؤلاء ليس بعسكريين محترفين جاءوا من مؤسسة عريقة ملتزمة بالقوانين الداخلية و الدولية، و لا عناصر سياسية دفعت بهم الظروف لحمل السلاح، فمعادلات توازن القوة التي حاول البشير إن يجعلها طوقا للنجاة له عندما يحن الصدام سوف تزيد الأزمات علي البلاد، فالجماهير وحده هي التى تستطيع أن تغير ميزان القوة في المجتمع عندما تقتنع، ليس هناك حلا لمشاكل البلاد غير الانتفاضة و الثورة، و هي المرحلة التي لا يفكر فيها الرئيس البشير مطلقا. نسأل الله حسن البصيرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.