إن الأزمة الاقتصادية و السياسية التي تعيشها البلاد، و أدت لاستجابة جزئية من قبل الشارع لدعوات للقوي السياسية للخروج في مسيرات تستنكر عملية الغلاء المتصاعد، تؤكد إن التحدي أصبح كبيرا علي النظام في ظل القمع و المنع الذي يمارسه علي المعارضة، و لكن في نفس الوقت يبين أن النظام أصبح محاصرا و عاجزا عن إيجاد حل لهذه الأزمات، الأمر الذي ينبئ بحدوث انفجار غير متوقع في أي لحظة، هذا الأمر يجعل الشخص يبحث عن معرفة ما يحدث في الغرف المغلقة، لكي يساعده علي تحليل الوضع السياسي، خاصة داخل القوات المسلحة، و داخل الحزب الحاكم الذي يستعر فيه صراع الأجنحة.

المتابع لحديث الرئيس البشير في ظل تصاعد الإزمة الاقتصادية، و عجز السلطة عن إيجاد حل للمشكل، إن الرئيس البشير بدأ يغازل الجيش، خاصة في الأكثار من حديث إنه ساعي لبناء جيش قوي و مده بأفضل الأسلحة القتالية، و إنه أتفق مع الحكومة الروسية أن تقوم بتسليح الجيش بالأسلحة الحديثة التي تجعله من أقوى الجيوش في المنطقة. هذه حالة نفسية للرئيس، يشعر فيها إن عجز نظامه في حل المشكل الاقتصادي، و تزايد معاناة الناس، و عدم قدرتهم علي مواجهة هذا الغلاء سوف ينعكس بالضرورة داخل الجيش نفسه، باعتبار إن 90% من عناصر القوات المسلحة هم من أصحاب الدخل المحدود، و أيضا هم جزءا من هذا الشعب و الطبقة الوسطى التي تدهورت و كادت تكون غير موجودة، و الجنود من الطبقات الدنيا التي لا تستطيع أن تجد حاجاتها الحياتية في ظل الغلاء المتصاعد، و في ذات الوقت قد عجز البشير إقناع حلفائه القدامة و الجدد إن يقدموا لنظامه دعما ماليا يساعده و لو مؤقتا علي إحتواء الأزمة.
أنظر في حديث البشير أمام المليشيات التي تسمي ( قوات الدفاع الشعبي) قبل أيام قليلة. يقول إنه في حاجة لتكوين كتائب متعددة المهام، للتصدي للمحتجين، من كتائب جهادية، و أخرى تشارك في البناء، و كتائب الكترونية لمواجهة الحرب النفسية التي تشن علي السلطة. و قال إنه غير منشغل بانتخابات 2020م، و إنه سيبايع من يختاره الشعب السوداني، و في ذات الوقت أشاد بالأخوان المسلمين. ثم عرج للقوات المسلحة و قال إنه معني ببناء جيش قوي.
هذا الخطاب المرتبك الذي يعكس الحالة النفسية القلقة التي يعيشها الرئيس البشير، جعلتني أسال أحد قيادات الجيش لواء معاش اشتغل فترة في الاستخبارات العسكرية عن هذه الحالة و أسبابها، يقول " إن المعاناة الاقتصادية التي يعيشها أغلبية الشعب السوداني، و الغلاء المتصاعد تؤثر علي 95% من عناصر القوات المسلحة، خاصة الجنود و أيضا صغار الضباط، الأمر الذي يخلق حالة من التزمر وسطهم تشعر بها القيادات العليا، و هي تذهب كتقارير أمنية للرئيس، مهما حاول أن يرشي عناصر القوات المسلحة، إن الرشوة سوف تذهب للضباط الكبار و لا تجد لها أثرا في الرتب الدنيا، و التزمر في ظل تصاعد الأزمة سوف يجعل عملية الاستقطاب داخل القوات المسلحة في غاية السهولة" و يضيف قائلا " إذا تمعن الشخص في حديث الرئيس يجده دائما عندما يتحدث عن بناء الجيش، لا ينسي أن يشير إلي انتمائه أو موقفه المؤيد للأخوان المسلمين، هذا الربط، يؤكد إن الرئيس بالفعل متخوف من حركة داخل الجيش، لأنه يحاول إن يقول للعناصر الأخوانية في الجيش يجب أن نحافظ علي النظام و لا تشاركوا في أي عملية تؤدي لإسقاط النظام. هذا العب بالمتناقضات داخل ساحة القوات المسلحة، تؤكد إن الرئيس مشغول بهاجس الانقلاب" فالسؤال هل الرئيس الذي تحدث في أحدي لقاءته مع القوات المسلحة و التي قال فيها إن المدنيين الذين وثق فيهم هم الذين تسببوا في هذه الأزمات، و في مكان أخر فيه عناصر مدنية يتحدث عن ثقته في الأخوان المسلمين يشعر بالتململ داخل القوات المسلحة، و معارضة داخل المؤتمر الوطني؟ تؤكد حالة الرئيس و خطابه السياسي أنه فقد القدرة علي إدارة الصراع بالصورة التي تجعله يرتب أفكاره ويتحدث عن كيفية حل الأزمة، كما تؤكد إن صراع الاجنحة داخل المؤتمر الوطني حسم لجناح واحد حيث خرج علي عثمان محمد طه.
و في الإجابة علي سؤال طرحته أيضا علي عدد من القيادات العسكرية في المعاش حول لماذا أرسل الرئيس البشير أغلبية قوات الدعم السريع إلي الشرق بالقرب من الحدود الاريترية؟ جاءت الإجابات متعددة في الرآى، و لكنها جميعا تتفق في إن هناك إرباك في النظام الحاكم. أتفق الجميع إن إرسال قوات الدعم السريع ليس قرارا رئاسيا، إنما هو قرار صادر من قبل القوات المسلحة. و عن مقاطعتي هل بالفعل هناك حشد اريتري مصري علي حدود اريتريا مع السودان؟ لم يؤكدوا إن هناك حشد لقوات اريترية مصرية، و قال البعض ربما تكون المسألة متعلقة بقوات الدعم السريع و ليس بحشود عسكرية من أي جهة كانت. و قال أحدهم إن القوات المرسلة للشرق من الدعم السريع تمثل 70% من هذه القوات و البقية الباقية موزعة بين الشمال و الغرب. و يقول هذا يؤكد إن القرار متعلق بحالة التململ داخل القوات المسلحة، تتطلب أن تكون كل القوات التي تحمل السلاح دون القوات المسلحة تحت سيطرتها الكاملة، و هذا معروف كعمل إستراتيجي إلي أي قيادي عسكري، في ظل أوضاع متصاعدة و أزمة سياسية عاجزة السلطة عن حلها.
في الجانب السياسي من المشهد، طرحت أيضا سؤلا علي قيادي سياسي كان قياديا في المؤتمر الوطني، و الآن عضو في البرلمان، لماذا قال البشير أمام (قوات الدفاع الشعبي) إنه غير منشغل بقضية انتخابات 2020م، و إنه سوف يدعم إي شخص يختاره الشعب السوداني، و لم يقول اختاره المؤتمر الوطني؟ قال في رده، إن الذي حصل في مجلس الشورى من اسقاط مقترح ترشيح الرئيس لانتخابات الرئاسة ليس موقفا عرضيا، من قبل، لم يكن هناك شخصا يجرو أن يخوض في هذه القضية و يعارضها، أنما كان الجميع يتجنب الخوض فيها و بالتالي تقبل بالتصويت السكوتي، و إذا كان هناك صوتا معارضا يظل وحده لا يجد التأييد، لكن في هذا الاجتماع تصاعدت أصوات الرفض رغم البعض حاول أن يبرر إنها غير موجودة في أجندة الاجتماع، أو إن وقتها لم يحين بعد. و هذه جزء من الصراع المحموم داخل المؤتمر الوطني. و مشكلة الرئيس إن ترشيحه لولاية أخرى تحتاج إلي تعديل في لائحة الحزب التنظيمية و تحتاج إلي 75% من عضوية المؤتمر العام للحزب، و في ظل الصراع الدائر في الحزب لا يستطيع البشير الحصول عليها لآن هناك قيادات تتطلع أن تحل مكانه. الجانب الآخر إن الرئيس البشير متأكد إنه لا يستطيع الحصول علي 75% من عضوية البرلمان لتعديل الدستور، رغم إن المؤتمر الوطني يملك الأغلبية المطلقة، لكن العناصر المتطلعة للسلطة داخل المؤتمر الوطني، تعتقد هذه فرصتها لكي تطيح بالرئيس البشير، الذي يعلم بأن ترشيحه سوف يجد صعوبة بالغة، خاصة إن هناك عضوية في البرلمان أضيفت بحكم قرارات الحوار الوطني أغلبيتها ترفض ترشيح البشير. هذا الأمر الذي جعل البشير يتحدث بأنه يمكن أن يكون غير مرشح و يؤيد من ينتخبه الشعب، أن يحاول تقديم الإيجابي من الخطاب لضمان حماية نفسه.
قلت سائلا إن علي عثمان محمد طه يقوم بحملة تعيد ترشيح البشير، و يقول إن اللوائح و القوانين لا يجب أن تكون حائلا لعدم ترشيح البشير، الذي يعد ضمانة لتنفيذ مخرجات الحوار الوطني؟ قال محدثي للآسف أن علي عثمان محمد طه يدافع عن نفسه، و ليس عن البشير، باعتبار إن علي عثمان خرج من الصراع داخل المؤتمر الوطني، و انفضت من حوله العناصر التي كانت تؤيده، و لم يبق له غير أن يؤيد ترشيح البشير لكي يطمئن علي وضعه الخاص، و ليس تنفيذ مخرجات الحوار الوطني، و هي مشكلة علي عثمان إنه يريد أن يصارع من وراء جدار، و لا يستطيع أن يقود الصراع لكي يؤكد رؤيته، دائما يحاول أن يتخف وراء قيادات ثم يمارس عليها المؤامرة. قال إن الصراع داخل السلطة لا تحسمها العناصر المدنية السياسية أنما تحسمها العناصر داخل المؤسسات العسكرية. إذا كان الصراع محصورا داخل السلطة الحاكمة، و البشير يعلم إنه لا يملك في هذه المؤسسات و خاصة جهاز الأمن و المخابرات غير قيادات في قمة الجهاز، الأمر الذي يشعره بالقلق.
إذا كان البشير لا يملك الأغلبية التي تمكنه من إعادة ترشيحه في ظل الصراع داخل مؤسسات السلطة الحاكمة، و إذا كان هناك تململ داخل القوات المسلحة، يشعر الرئيس به، لماذا هذه القوات لا تستعجل بالحل؟ يقول اللواء معاش إن أي حركة للقوات المسلحة تريد بها تغيير السلطة لا تنجح إذا لم تجد استجابة من الشارع، و إلا سوف تتحول إلي صراع عسكري يتحول إلي حرب في البلاد، لكن تأييد الشارع للعملية العسكرية سوف توقف أي حركة مضادة، و إذا حدثت، سوف تكون محدودة يمكن السيطرة عليها سريعا. و الذي يحفز الجيش للحركة خروج الجماهير للشارع بصورة كبيرة تطمئن القيادات التي تريد التغيير من داخل الجيش، و دائما يكون هؤلاء من قاعدة الضباط من رتبة العقيد و ما دون ذلك، هؤلاء يشكلون ضغطا علي قيادات الاسلحة لكي يتحركوا أو يتم التمرد عليهم، أو أن تكون هناك حركة سياسية من داخل السلطة للتغيير، تؤيدها حركة جماهيرية من الخارج، أيضا تدفع بحركة للقوات المسلحة. كل هذه العوامل الآن أصبحت تتطور بسرعة، و هي تشكل إزعاجا للقيادات الحاكمة. إننا ننتظر. نسأل الله التعجيل.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
>