ظل جهاز الأمن و المخابرات في السودان هو محور القضية الساسية، باعتباره المؤسسة التي أصبحت تحمي النظام دون المؤسسات الأخرى، و حمايته للنظام ليس بسبب الدفاع عن رؤية أيديولوجية، أو مشروعا سياسيا تعمل العناصر المرتبطة بهذا المشروع و جندت للعمل من عضوية الحركة الإسلامية تعمل لحمايته من الإنهيار، و حتى أن المؤسسة الأمنية غير مرتبطة برؤية قومية، لأنها كانت جزءا من مشروع أيديولوجي قد أسقطته التجربة، و فقد مقومات استمراريته، بسبب العديد من العوامل التي تتعلق بالمصالح الشخصية، و الصراع داخل هذه المجموعة، و هي قضايا ليس لها علاقة بالقضايا الوطنية، حتى الحركة الإسلامية التي كان يراهن الجهاز علي مشروعها و يعمل لحمايته قد فشل. و كان الجهاز يحاول أن يستمد منها شرعية ممارسته، لكن صراعات الحركة الإسلامية و مشاركة عناصرها في قضايا فساد قد فرقت بين المجموعة و جعلتها تخرج من اللعبة السياسية، و هي محطمة و مبعثرة و تفرقت بها السبل، و لكن ظل الجهاز و الذين أرتبطت مصالحهم بالنظام يعملون الآن علي مشروع واحد هو عدم سقوط نظام الإنقاذ، و خاصة عدم رحيل الرئيس البشير عن السلطة، لآن مصالح هؤلاء أرتبطت ببقاء الرئيس البشير شخصيا في قمة الدولة، لذلك لم يكن مستغربا قول أحمد بلال من الحزب الاتحادي الديمقراطي إذا لم يرشح المؤتمر الوطني البشير للرئاسة، سوف نرشحه نحن في الاتحادي الديمقراطي، هذا القول يوضح مدى ارتباط بعض قيادات النظام بالرئيس دفاعا عن مصالحهم الخاصة.

إذاً هناك أسئلة تطرح نفسها؛ لماذا تعمل مؤسسة جهاز الأمن و المخابرات علي الحفاظ علي نظام الإنقاذ و خاصة علي الرئيس البشير؟ و هل الصراع السياسي داخل الحزب الحاكم ينعكس بصورة مباشرة علي الجهاز و عمله؟
عندما يكون السؤال عن الواقع السياسي و قضية الحرية و الديمقراطية في البلاد، يكون جهاز الأمن و المخابرات المتهم الأول بأنه المؤسسة التي تقف ضد عملية التحول الديمقراطي و تحارب عملية توسيع دائرة الحريات في البلاد، و تتأتى هذه القناعة من خلال رفض الجهاز المستمر للقوي السياسية في ممارسة فعالياتها و أنشطتها السياسية خارج دورها ، و الرفض إعطائها تصديقات بقيام الندوات، في تعليل إن هذه الأحزاب تريد أسقاط النظام، كأن عملية إسقاط النظام مسألة محرمة، و هي تعتبر جزء من عملية الصراع السياسي في النظام الديمقراطي، و لكن القضية متعلقة بالجهاز نفسه، و العناصر التي تريد أن تدافع عن مصالحها و وظائفها، رغم فشل المشروع السياسي الذي يدافع عنه.
ما هي علاقة اللواء أمن طه عثمان مدير مكتب رئيس الجمهورية السابق بالمخابرات السعودية؟ و هل هي وراء تعينه وصوله لمكتب الرئيس لكي تتم عملية أختراق النظام من قمة الهرم، أم هناك جهة جندته داخل السودان بعد تعينه مديرا لمكتب الرئيس لكي يكون علي علاقة وطيدة بالسلطة السياسية في البلاد؟ و لماذا فشل الجهاز أكتشافه؟ هذه القضية قد طرحت أسئلة عديدة لكن النظام و حتى الجهاز يتهرب من الإجابة عليها. و العديد من السياسيين أصبحوا خرس أمامها الكل تطرح عليه الأسئلة و يرفض التعليق عليها. إن عملية الاختراق ليست متعلقة فقط باللواء طه و صديقه اللواء عبد الغفار الشريف، إن العملية لابد أن تكون شبكة داخل الجهاز و علي قمته و لها بالضرورة امتدادات أخرى داخله، و هي أيضا متعلقة بقضايا الفساد كما إن اللواء عبد الغفار الشريف متهم بقضية فساد، و لها امتداداتها. فعملية العلاقة مع المخابرات السعودية لابد أن تكون هي شبكة كبيرة حتى الإن الجهاز لم يكشف أبعادها، و أيضا قضية الفساد لابد أن تكون شبكة لها أمتداداتها داخل الجهاز، و دلالة علي ذلك؛ أن الجهاز لديه القطاع الاقتصادي و لكنه لم يقدم شخص واحد في قضية فساد بل كان يحارب كل الذين يتحدثون عن الفساد.
إذا ثبت إن هناك قيادات في الجهاز مرتبطة بقضية الفساد و قضية العلاقة بالمخابرات السعودية في تورط مع اللواء طه عثمان، يكون الدافع قوي لدى الجهاز لكي يشن حملة قوية ضد حرية الصحافة، و يمنعها من تناول قضايا الفساد و غيرها، و يخلق لنفسه خطوطا حمراء وهمية، لكي يصادر باستمرار الصحف، و يمارس عملية التضيق علي الحريات، و أيضا هو وراء الدعوة لتعديل الدستور و للائحة حزب المؤتمر الوطني لكي يضمن استمرار الرئيس في موقعه الذي يضمن لهم الحماية و عدم المساءلة القانونية، خاصة بعد ما فقد الرئيس تأييده في الشارع، و أصبحت عملية استمراره في السلطة متعلقة فقط ببعض القيادات في جهاز الأمن و المخابرات و قوات الدعم السريع، و مجموعة داخل المؤتمر الوطني تريد الدفاع عن مصالحها الخاصة.
هناك رأيا آخر وسط الإسلاميين خارج دائرة الحزب الحاكم و بعض ما يسمى قوي التغيير داخل البرلمان، إن إعادة الرئيس للفريق صلاح قوش لقمة جهاز الأمن و المخابرات تؤكد إنه غير واثق في القيادات التي علي قمة الجهاز، و هؤلاء كانوا مرتبطين بتيار داخل المؤتمر الوطني هو رافض لإعادة ترشيح الرئيس لولاية أخرى، تتطلب تعديل اللائحة الحزبية و الدستور، و هؤلاء استطاعوا أن يستولوا علي مبالغ كبيرة من الدولة لكي يخوضوا بها معركتهم ضد ترشيح الرئيس، و لهم آيادي داخل جهاز الأمن و المخابرات يعمل معهم لحماية مصالحهم، و هؤلاء يمارسون التضييق علي الحريات و عملية مصادرة الصحف، و يعتقدون إنها يمكن أن تفضح مخططاتهم، لذلك يرفضون أي تحول ديمقراطي، و هناك رأى يؤكد إن قضية التضييق علي الصحف و مصادرتها متعلقة بالرئيس شخصيا، و إن الجهاز يحاول إرضاء الرئيس الذي لا يقبل النقد و الخوض في قضية الفساد و بعض القضايا التي يسميها جهاز الأمن خطوط حمراء، و إن كانت الحرب ضد الحريات و الموقف ضد الديمقراطية نابع من رؤية فكرية مؤمنة بالدولة الشمولية و نظام الحزب الواحد.
تبقي القضية المتعلقة برئيس الجهاز الفريق صلاح قوش بعد عودته، هل جاء فقط لكي يضرب التيار المناوي لترشيح الرئيس داخل المؤتمر الوطني، و يقضي علي القيادات الأمنية التي لها علاقة بعلاقة طه مع السعودية و الذين لهم صلة بإتهامات الفساد في البلاد، أم أن هناك قضية أخرى مرتبطة بمشروع قوش عندما كان يرأس مستشارية الأمن، لكن هذا المشروع شكك فيه السيد الصادق عندما علل أن عملية إبعاده من مصر كانت اتفاق بين جهازي المخابرات في البلدين، و أيضا الممارسة التي يمارسها الجهاز الآن ضد الصحف و مصادرتها، و مواصلة منع الأحزاب من ممارسة نشاطها خارج دورها و منع الندوات العامة، و منع الصحف من تناول قضية ترشيح الرئيس لولاية أخرى تتعارض مع نصوص الدستور، و كان من المفترض أن يكون الجهاز بعيدا عن العمل السياسي، باعتبار قضية ترشيح الرئيس قضية سياسية فيها تيار مؤيد يريد أن يدافع عن المصالح الخاصة لأفراده، و مجموعة كبيرة ترفض إعادة ترشيح البشير أحترام للدستور و أحترام للوائح، كما إن الرئيس البشير فشل في جميع مشروعاته، و كيف يعاد ترشيح رئيس قد فشل في تحقيق التنمية في البلاد، لكن لجهاز الأمن و المخابرات رؤية أخرى.
هناك رأى أخر يقول إن قوش لديه مشروع و قد وافق عليه البشير قبل إعادة تعينه، لكن الرجل وجد نفسه في صراع بين تيارين، كان لابد أن ينحاز لواحد و لا يستطيع أن يخوض صراعا بين تيارين في وقت واحد، هذا حديث غير مقنع و الممارسة تكذب ذلك، من خلال عمليات التضييق التي عادت مرة أخرى بصورة أكبر مما كانت عليه، و ربما يكون الصراع داخل الجهاز لم يتم حسمه و لم تعرف الشبكة المرتبطة باللواء طه عثمان و عبد الغفار الشريف، رغم أن الصراع من أجل الحرية هو صراع سيظل لأنه بي عقليتين و بين عناصر في مواقع قيادية في النظام تريد أن تدافع عن مصالحها الخاصة، و أغلبية تطالب بعملية التغيير الجوهري للنظام و الرجوع للتعددية السياسية. و نسأل الله حسن البصيرة.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////////