رفعت مجموعة من الاتحادين في " الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل" للسيد محمد عثمان الميرغني رئيس الحزب مذكرة تطالبه فيها الانسحاب من الشراكة مع الحزب الحاكم، و قد عددوا الأسباب التي دعتهم لهذا الطلب، و قال محمد سيد أحمد المتحدث بأسم المجموعة إن مكتب مدير الميرغني قد استلم المذكرة. و لكن السؤال الذي يطرح من واقع الثقافة الطائفية المعهودة، هل سوف يكون هناك تأكيدا إن الميرغني قد استلم المذكرة؟ أم المذكرة سوف تذهب في اتجاه آضابير تمنع تداولها و ما هو كتوب فيها.

من خلال الثقافة الطائفية السائدة، و التي يعرفها العديد من الذين تعاملوا مع مكتب الميرغني، إن الرسالة في كلا الحالتين " الاستلام أو عدم الاستلام" سوف يأتي الجواب إنها قد ضلت طريقها، و إن مكتب الميرغني تسبب في عدم تسليمها، هي ثقافة التعامل التي باتت محفوظة في المجتمع الاتحادي، و رغم ذلك إن النخب الاتحادية ظلت تتغافلها، و تحاول أن تقنع نفسها إنها قد تقدمت خطوة إلي الأمام لكي تجد التبرير لفشل محاولاتها، و أنها ما تزال تحاول، فالمذكرات ثقافة لا تتعامل بها الطائفية، و رئاسة الطائفة تعلم إن النخب الاتحادية لا تواصل مشوارها لنهايته، إنها لاحظات هياج سرعان ما تنطفئ جذوتها.
معلوم إن المذكرات تعد واحدة من من وسائل الممارسة الديمقراطية، و أنها تجد القبول داخل المؤسسة الديمقراطية من كلا الجانبين " القيادة و القاعدة" باعتبارها ثقافة راسخة، و احترام القيادة للمذكرة من باب احترام اللوائح و القوانين المنظمة للعمل، و المجموعة التي ترفع المذكرة تحاول أن تطرح القضية داخل المؤسسة و فرضها علي الأجندة لكي يتم التداول فيها، و بحكم الثقافة الديمقراطية السائدة في المؤسسة الديمقراطية، لا تعلن القيادة الحرب علي هذه المجموعة، بل توفر لها مساحة الحرية التي تمكنها من الصدع برؤيتها حتى تجد الأغلبية، مع انصياع هذه الأقلية لرآى الأغلبية حتى تغير المعادلة من خلال المواعين الديمقراطية. و الملاحظ في التعامل وفق للثقافة الطائفية أن القرار دائما لا يتخذ من خلال المؤسسية أنما القرار يتخذه رئيس الحزب و رؤيته هي التي يجب أن يقبلها الكل، و الذي يرفض هذه الثقافة عليه أن يغادر إلي حزب أخر، أو تأسيس حزب يلاءم منطلقاته الفكرية. لكن في القضية الاتحادية أن الصراع بين الطائفة و الكتلة الاتحادية سيظل مستمرا علي قيادة الحزب، و هي خلاف بين ثقافتين ظل مستمرا منذ وحدة الأحزاب الاتحادية و الأشقاء عام 1953م و تعرض لانشقاقات و انقسامات عديدة، و أيضا ادماج عام 1967م بين الوطني الاتحادي و الشعب الديمقراطي، الدمج الذي جاء مرة أخرى بالطائفة لحزب الوسط الاجتماعي و غير الكثير من الثقافة السائدة.
لم يحدثنا التاريخ السياسي المعاصر إن الميرغني كان ديمقراطيا، أو كان يتعامل من خلال المؤسسية، بل كان يتقيد بالثقافة الطائفية " الشيخ و الحوار" و هي ثقافة أيضا كانت سائدة بصورة أقل في الوطني الاتحادي و هي الثقافة التي تفرزها " منظومة الكارزمة" التي تجعل الشخص في قمة الهرم متحكم في مسار المؤسسة السياسية و تصبح رؤيته هي السائدة، و السيد لا يقبل منهج المذكرات، لأنه منهج يتعرض مع تصوراته الخاصة، و يعد انفلات من هذه المجموعة، و هذا التصرف إذا سمح له أن يستمر و يبدي اعتراضات علي السياسة العامة للحزب، سوف تؤثر مستقبلا علي قبضته علي الحزب، الأمر الذي سوف يؤدي لتجاهل المذكرة كأنها لم ترسل أو محاسبة هؤلاء من خلال التعامل الفردي كل علي حدى.
إن إشكالية النخبة السودانية الحزبية و الاتحادية بصورة خاصة، إنها تتعامل في السياسة من خلال العواطف و الانتماءات الأولية، دون قراءة الأحداث قراءة علمية للواقع و للثقافة السائدة في المجتمع، فأصحاب المذكرة يريدون التعامل مع الميرغني بأسلوب ديمقراطي بأن هناك رفض داخل الحزب للمشاركة في الحكومة، و هم يمثلون تيارا عريضا داخل الحزب، فالميرغني لا ينظر للأمر بهذا المنهج الديمقراطي أن يستمع لرؤيتهم و تطرح داخل المؤسسة لكي يتم التداول فيها، لكي تأخذ الممارسة الديمقراطية بعدها، بل سوف يتعامل معها من خلال ثقافته الطائفية، ليس هناك رآى مخالف للشيخ، و مصطلح "الديمقراطية" مهمته في العمل السياسي السوداني هو للزينة، و الديكور لأسماء الأحزاب، أو مجرد استعمال أيضا لتزين الخطابات التي تدلي بها القيادة في المناسبات، لكن غير مسموح بعد ذلك أن يكون جزء من الممارسة السياسية، النخب الاتحادية أو غيرها في الأحزاب السودانية تحاول إثارة القضية للترويح عن النفس، و ليس كمطلب حقيقي ليكون واقعا فاعلا في الحياة، لماذا لآن الفئة التي تطالب بالديمقراطية داخل الأحزاب السودانية، هي نفسها سوف يتم توظيفها مستقبلا من قبل القيادة في ممارسات غير ديمقراطية لمصلحة الزعيم، فهي نخب متحولة القناعات و ليس لها مبدئية في أطروحاتها.
دائما ألنخب السودانية عندما تطالب بشيء له علاقة بقضية القرارات و التوجهات السياسية، لا ترجع للتاريخ لكي تتعرف علي مساره التاريخي، الأمر الذي يوقعها في ذات الأخطاء التي وقعت فيها النخب السابقة. الميرغني لم يعلن في كل خطاباته السياسية و لا في ممارسته السياسية إنه ديمقرطيا، فالرجل تعامل مع كل الأنظمة الشمولية في التي مرت علي البلاد " عبود و نميري و الآن الإنقاذ" و لا يجد هناك حرجا في ذلك لأنه يريد أن يدافع عن مصالحه الشخصية و مصالح الطائفة، و حتى خروجه الأول بعد انقلاب الإنقاذ كانت قد أملته ظروف خارجة عن إرادته، و كان يمثل نشاذا لقناعته، و الآن استطاع أن يعدل ذلك، لماذا تطالبه هذه الفيئة بالخروج علي ثقافته و تعرض مصالحه للخطر.
ما هي الفائدة التي سوف يجنيها الميرغني من خروجه من الحكومة، و لمصلحة من يكون الخروج، كان الميرغني الكبير مشاركا في حكومة عبود و جاءت ثورة أكتوبر، و ظل الميرغني محافظا علي موقعه الاجتماعي و السياسي، بل كرمه الحزب الوطني الاتحادي و تم دمج الحزبين " الوطني الاتحادي و الشعب الديمقراطي" و أصبح في موقف قوة. ثم شارك في مايو بقوة، و كما أورد الدكتور منصور خالد في كتابه " النخبة السودانية و إدمان الفشل" إن الميرغني أرسل للرئيس جعفر نميري 21 رسالة تأييد في فترات زمنية مختلفة، في الوقت الذي كان الحزب الاتحادي الديمقراطي يحارب في صفوف " الجبهة الوطنية" و جاءت انتفاضة 6 إبريل 1985م، و اعتبر من سدنة النظام السابق، و بعد ستة شهور ضرب عطر منشمي بين القيادات الاتحادي، و تواصلت الصراعات بينهم، و جاءت بعض القيادات الاتحادية بالميرغني لكي يصبح زعيم الحزب، و تتم بعد ذلك قبضة الطائفية علي الحزب، و يصبح واحدا من المشاركين الدائمين في السلطة. و الآن هو في الإنقاذ، إذا تم التغيير سوف يجد مكانه في النظام القادم، ربما يكون موقعه أفضل من وجوده غير الفاعل في هذه الحكومة. لماذا يخرج الميرغني من الحكومة؟ الرجاء أفيدون أفادكم الله....! نسأل الله حسن البصيرة.
نشر في جريدة إيلاف الخرطوم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////