عندما قامت الجبهة الإسلامية بانقلابها في 30 يونيو 1989م ضد النظام الديمقراطي، كان التوقع أن القوي السياسية الديمقراطية سوف تتصدي للانقلاب من خلال عمل جماهيري، و لكن ذلك لم يحدث، مما يؤكد إن العلاقة ضعيفة بين النخب السياسية في الأحزاب و الحركة الجماهيرية، و يشوبها شيئا من التوتر، الأمر الذي جعل ردة فعل الجماهير ضد الانقلاب لا تذكر، هذا الموقف الجماهيري كان من المفترض أن يكون موضع دراسة للأحزاب السياسية المناهضة للانقلاب، و لكن كعهدها إنها لا تستفيد من أخطائها، و لا تدرس أخفاقاتها من خلال دراسات نقدية، و ربما يكون كتاب السيد الصادق المهدي " الديمقراطية عائدة و راجحة" هي الدراسة الوحيدة التي خرجت و لكنها لم تكن دراسة نقدية تبين الأسباب التي أدت للإنقلاب و نجاحه، كان التبرير هو المنهج الذي اعتمد عليه السيد الصادق في كتابة هذا الكتاب، خاصة إن السودان خرج من حالة ثورية قبل ثلاثة سنوات من الانقلاب، و هي فترة زمنية لا تطفئ الجذوة الثورية التي يجب أن لا تسمح بسقوط النظام الديمقراطي، و لكن إخفاقات النخب السياسية هي التي اطفأت هذه الجذوة، و جعلت الجماهير تأخذ موقف المتفرج.

تكون التجمع الوطني المعارض من القوي السياسية الرئيس في المجتمع، و المناهضة للانقلاب، إضافة للحركة الشعبية و القيادة الشرعية للقوات المسلحة، كانت هناك ثقة كبيرة عند القيادات السياسية في المعارضة إن النظام الانقلابي لن يكمل عامه، و إن الحركة الجماهيرية سوف تطيح به، ثم تبنت المعارضة الكفاح المسلح بعد تأزم العلاقات بين الخرطوم و اسمرا، و فتحت اريتريا أراضيها للمعارضة المسلحة، و حصل اتفاق بين القوي السياسية و الحركة الشعبية، أن تظل الحركة تقاتل في الجنوب و تصبح الجبهة الشرقية لقوات القوي السياسية الآخرى، و لكن أخفقت القوي السياسية أن تقنع جماهيرها أن تلبي النداء من أجل منازلة سلطة الانقلاب عسكريا، هذا الإخفاق جعل الحركة الشعبية تحرك لواء كامل من الجنوب لجبهة الشرق، حيث بلغ عدد مقاتلي الحركة أكثر من ثلاثة ألاف مقاتل، بينما كانت قوات القوي السياسية مجتمعة لا تصل إلي سدس هذا العدد، الأمر الذي أدي لإظهار ضعف هذه القوي أمام الحركة الشعبية، و فشلها في استقطاب مقاتلين من عضويتها، هذا الأمر جعل الحركة الشعبية تتحكم في مسار التجمع الوطني الديمقراطي، و ظلت الخلافات تدب في التجمع الوطني الديمقراطي في لجنة تنسيقه العليا. ثم عقد اجتماع ما يسمى بالقوى الرئيسية في اسمرا عام 1994م" الحركة الشعبية – حزب الأمة – و الحزب الاتحادي الديمقراطي – و قوات التحالف السودانية، و هي قوي كانت حديثة التكوين" هذا الاجتماع أهمل "الحزب الشيوعي و القيادة الشرعية للقوات المسلحة" و لم تحل المشكل إلا بعد انعقاد مؤتمر القضايا المصيرية عام 1995م، و بعد خروج السيد الصادق المهدي، دب الخلاف مرة ثانية داخل التجمع الوطني الديمقراطي، خاصة بعد إلتقاء السيد الصادق المهدي مع الدكتور الترابي في جنيف، و دون علم القوى السياسية الأخرى، الأمر الذي خلق حالة من المشاكسة المستمرة بين حزب الأمة و الحركة الشعبية و الحزب الشيوعي، و كان الاتحادي يقف لجانب الحركة الشعبية، و كان السيد الميرغني أضعف الحلاقات في هذا التحالف، حيث كان علي رضي أن يكون فقط رئيسا للتجمع الوطني الديمقراطي، و أن يستظل بظلال بنادق الحركة الشعبية، علي أن لا يكون له رآي أو موقف، الأمر الذي أعطي للدكتور جون قرنق فرصة لتمرير مشروعه للقضايا المصيرية، و أيضا يتحكم في مفاصل التجمع، دون أن يواجه أي اعتراضات إلا من الصادق المهدي، و كان ذلك يسبب أرقا لقرنق الذي تعود علي الموافقة من قبل الجميع، و بدأ التخطيط لإبعاد حزب الأمة من التجمع الوطني الديمقراطي، و قد كان، و أنفردت الحركة بقرارات التجمع الوطني الديمقراطي، و تتحول الأحزاب لكمبارس في العملية السياسية أظهرتها " اتفاقية نيفاشا" و فرضت الحركة شروطها، دون أن تواجه بنقد من قبل القوي السياسية المتحالفة معها.
جاءت المعارضة الخرطوم بعد اتفاقية "نيفاشا 2005م، و هي تعاني حالة من الإنكسار، حيث كان نصيب القوي السياسي في المشاركة في السلطة بنسبة 14% الأمر الذي يؤكد إن الحركة الشعبية قد باعتها بثمن بخس، و لكن الملاحظ أيضا ضعف الحركة السياسية المعارضة و قبولها الاتفاقية بهذه النسبة الضعيفة. و لم تعلق القوي السياسية علي خسارتها في المعركة السياسية، و تخضعها لدراسة نقدية لمعرفة الأسباب و العوامل التي جعلت القوي السياسية تخسر معركتها، رغم تحالفها مع الحركة التي قادتها لهذا المصير، و إن كان التحالف تشوبه العديد من الخلافات و المكائد السياسية فيما بينهم، و ظلت الحركة تمارس تجاوز القوي السياسية في أي قضية، و يرجع ذلك لمعرفتها إنها لا تملك الجسارة لكي تنقد مواقف الحركة، التي أيضا باعتها عندما اتفقت مع المؤتمر الوطني أن يوافق علي قيام الاستفتاء لانفصال الجنوب علي أن تصوت الحركة علي تغيير في قانون الأمن و المخابرات " القوانين المقيدة للحريات" و أيضا سكتت المعارضة عن النقد و خرست ألسنتها تماما، و رضيت بفتافيت المائدة و تمثيل البعض في الحكومة و البرلمان. و حتى الآن لم توضح القوي السياسية لماذا خزلتها الحركة في المعركة السياسية، هذا الضعف الذي انتاب القوي السياسية ظل ملازما لها، و كان عليها أن تفكر في هذا الضعف هل هذا يعود لضعف القيادات التي تتحكم في مسارات هذه القوي؟ أم الضعف ناتج بسبب انعدام العناصر المبدعة التي تستطيع أن تقدم مبادرات جاذبة للقوي الفاعلة في المجتمع، أم لأنها فقدت عمرها الافتراضي؟ و لكن النخب السياسية لا تريد أن تفتح باب نقد التجربة التي تدينها جميعا.
كونت القوي السياسية " تجمع قوى الاجماع الوطني" في تحدي سياسي ضد المؤتمر الوطني، و علاقة حب من طرف واحد مع الحركة الشعبية. لم تستطيع القوي السياسي أن تعيد الثقة لنفسها بأنها قادرة علي أن تقود معارضة ضد النظام الحاكم، و في ذات الوقت ضد سياسة الحركة الشعبية التي بدأت تتخلى عن شعاراتها السياسية الداعية للوحدة، و أصبح اتجاه سيرها في اتجاه واحد "الانفصال" و انفصل الجنوب، و رغم ذلك قد حصنت الحركة الشعبية نفسها من أي نقد من قوي سياسية. لكن الخلاف دب مرة أخرى داخل قوي الاجماع الوطني، و هو خلاف تاريخي. و ذهب الحزب الاتحادي الديمقراطي مشاركا في السلطة، لآن السيد الميرغني لا يقدر علي المناكفة و يقود تحدي سياسي لا يملك الإعداد له، و غادر حزب الأمة مقاعد قوي الاجماع الوطني، و تكون نداء السودان كقوي معارضة بين مجموعات تعتقد إن هناك توافق في الرؤى بينها، و لكن الخلاف ظل مستمرا بين نداء السودان و قوي الاجماع الوطني التي تتهم نداء السودان إنه يسير في اتجاه عملية الهبوط الناعم. في الوقت الذي تعتقد قوى نداء السودان إن قوي الاجماع متخندقة وراء شعارات لا تعطيها مرونة في الحركة، و كيفية التعامل مع الحراك السياسي الذي يحدث جراء متغيرات كثيرة في الداخل و الخارج.
كان المتوقع: إن قوي المعارض بجميع مسمياتها، في ظل الأزمات المتلاحقة في البلاد، و التي تعكس الأزمة العميقة للنظام أن يجعلها تتوحد، و لكن ذلك لم يحدث بسبب الاخلاف في أجندة كل فصيل عن الآخرين، إضافة إلي إن الأرث السياسي غير مشجع أن تحدث هذه القوي أختراقا في أزمتها، و تتجاوز خلافاتها، لكن ظلت تحافظ علي مسافات بينها لا تجعلها تتقارب. و هذا يعكس ضعف هذه التنظيمات، باعتبار إن المؤسسات الحزبية جميعها تخضع لسيطرة نخبة قليلة تسيطر علي قيادة الأحزاب، أو كارزمات لا تجعلها تغير القيادات التي فشلت أن تحدث أي تطور إيجابي في عملها السياسي، و يسهم في عملية التغيير السياسي في البلاد، أو يخلق تحالفا سياسيا معارضا ضاغطا يحدث التغيير المطلوب، فظل صوت المعارضة ضعيف نتيجة للخلافات بين القوي المكونة لها، و أيضا نتيجة إن بعض القيادات فقدت القدرة علي العطاء، و أصبحت تشكل عائقا يمنع إحداث تغيير في هذه الأحزاب. هذا العجز وسع دائرة الخلاف بين قوي المعارضة.
في لقاء أجرته عبير المجمر مع السيد الصادق المهدي و نشر في صحيفة " سودانيل الالكترونية" قال فيه "القوى السياسية الأساسية في المعارضة هي نداء السودان أما الآخرون هؤلاء حقيقة مواقفهم فيها مزايدة، لكن لا أدري نسأل الله أن شاءالله أن يهديهم، نحن لا نريد أن ندخل معهم في مراشقة، لكن يهمنا أن يعلم الشعب السوداني أن القوى السياسية الأساسية في السودان هي نداء السودان ،أم الجماعة الآخرون هؤلاء أن شاءالله في رأيي أن كان ربنا هدأهم سوف يقفوا مع نداء السودان و أن رفضوا ما فيش مشكلة يكون هناك تنوع و تعدد للقوى المعارضة و هذا طبعاً لا يضر بالمعارضة" معلوم إن قوي الاجماع الوطني تتهم نداء السودان بالسعي في المشاركة في عملية "الهبوط الناعم" و إن الهبوط الناعم هو مخطط لدول الغرب و الولايات المتحدة الأمريكية لاستمرار النظام القائم مع مشاركة غير فاعلة للقوي السياسية، لذلك هم يطالبون بإساقط النظام من خلال عمل جماهيري منظم، و لكن الواقع يقول ليس هناك وجود فاعل وسط المجاهير يؤكد ما تصرح به قيادات قوى الاجماع.
سألت عبير المجمر السيد الصادق: قائلة إن قوي الاجماع تقول علي لسان الأستاذ فاروق أبو عيسى لا يريدون مراشقة معكم، لكنهم قالوا لديهم تحفظات على القوى التي تنادي بالهبوط الناعم و تسعى لتسوية مع النظام عن طريق المجتمع الدولي، و هددوا بأنهم لن يسكتوا و لن يغضوا البصر عن أي عمل يضر بمصلحة الشعب السوداني؟ قال السيد الصادق في رده "خليهم يتكلموا كما يريدون، الشعب السوداني نحن الأدري بمصلحته في الماضي و الحاضر والمستقبل أن شاءالله، أما هم فليفعلوا ما يشاؤون، لكن في النهاية بثمارها تعرفونها، يعني الذين سيأتون بنتيجة للشعب السوداني هم الذين سيجدون تأييده أن شاءالله، و نحن جئنا بثمار للشعب السوداني في أكتوبر، و جئنا بثمار للشعب السوداني في رجب أبريل، و كل هذه الثمار كانت عن طريق حل القوى الناعمة، و ليس بالقوى الخشنة ،و فعلناها مرتين و سوف نفعلها للمرة الثالثة أن شاءالله" إن التراشق بكلمات الاتهام عمل يضر المعارضة في الجانبين، و يجعل انعدم الثقة بينهما، الأمر الذي يتيح فرصة كبيرة للنظام القائم أن يناور و لا يدخل في حوار جاد مع قوي المعارضة، رغم الأزمات التي تحاصره من كل جانب، و لكن المعارضة بسبب مناكفتها لا تستطيع أن تستفيد من هذه الظروف، بل تشتعل النيران بينها. ونسأل الله حسن البصيرة.
نشر في جريدة إيلاف الخرطوم


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.