اقام الأستاذ فتحي الضو عدد من المحاضرات في بعض ولايات أستراليا، و تغيرت عناوين المحاضرات بين ولاية و آخرى، وفقا لرؤية النخب في كل ولاية، لكن كانت المداخلة واحدة، و في برسبن ولاية " Queensland" و كان عنوان المحاضرة " مآلات التغيير و أفاق المستقبل" و عنوان المحاضرة جاذبا، و كان الاعتقاد إنه سوف يثير جدلا فكريا وفقا لاختلاف الرؤي بين التيارات السياسية المختلفة، باعتبار أن القوي السياسية منقسمة في رؤاها في قضية كيف يكون التغيير، و كيف التعامل مع نظام الإنقاذ. و ظل البحث متواصلا عن مشروع سياسي يجمع القوي السياسية في تحالف واحد، و هذا يتطلب من النخب و المثقفين القيام بنشاط مكث فكريا لتقديم تصوراتهم، و آيضا البحث في كيفية تحديث أو تغيير الآليات التي ثبت فشلها ثلاثة عقود. و من هنا كان من الأهمية معرفة رؤى الكتاب و المثقفين السودانيين حول مآلات التغيير، و فتح الحوار و الجدل بين المثقفين كفيل بتقريب و جهات النظر و إحداث مقاربة بين القوي السياسية السودانية، و أيضا الحوار في الشأن الوطني يجب أن يكون مفتوحا بين المثقفين السودانيين بعيدا عن ملاسنات التخوين و التشكيك، باعتبار الكل لديه العقل الذي يساعده علي الفهم و الإدراك و التفاعل مع الآخرين.

سألت الأستاذ نزار عبد الوهاب عند دعوتي لحضور المحاضرة، لماذا أخترتم هذا العنوان لمحاضرة الضو؟ قال نزار: "باعتبار إن الضو أحد الكتاب المعروفين في الساحة السياسية السودانية، و الرجل من خلال متابعته للأحداث في البلاد يستطيع أن يقدم تحليلا موضوعيا حول مآلات التغيير و أفاق المستقبل" و كان الحضور جيدا حيث امتلأت القاعة من الجنسين، و كان الجميع في حالة من الأصغاء التام، مما يؤكد أن النخبة السودانية تبحث عن تصورات جديدة تساعد علي خروج المعارضة من حالة الضعف و الوهن التي تعيشها المعارضة، و كما قال الضو أن أستمرار النظام في السلطة ليس بسبب قوته، و لكن بسبب ضعف المعارضة. و قدم نزار الضو بأنه صحافي و كاتب ذائع الصيت و مواصل في عملية التوثيق و البحث.
أستهل فتحي الضو محاضرته بأن الصراع مع النظام في البلاد بأنه صراعا أمنيا أكثر من إنه صراعا سياسيا، و إن الآزمات التي تعيشها البلاد ليست آزمة سياسية، إنما هي آزمة أخلاقة تعكسها ممارسات السلطة الحاكمة. و ضرب أمثلة كثيرة متعرضا للتوثيق في كتبه، و الضو بالفعل رجل مثابر علي عملية التوثيق و البحث. و هذا الاستهلال لمحاضرة عن " مآلات التغيير و أفاق المستقبل" و التي كان يجب أن يغلب عليها الجانب الفكري و التحليلي للوضع في البلاد، و تقديم رؤية موضوعية حول الفكرة الجامعة و النظر في آليات التغيير من كل جوانبها، و كيفية أن تكون الفكرة جاذبة لقطاع كبير من الجماهير. فالمدخل الأمني جعل المحاضر يوجه البحث عن النتيجة بدلا عن الظاهرة التي أدت للسطوة الأمنية. و أيضا ضعف السلطة و المعارضة معا نتيجة للظاهرة، فالنظام الشمولي هو الظاهرة التي يجب بحثها و كيفية التعامل معها، لأنه نظام تنعدم فيه الحريات و الممارسة الديمقراطية، و تقييد نشاط الأحزاب و منظمات المجتمع المدني، و حتى الأثر السلبي علي التعليم، و يكون هدفه فقط كيفية الاستمرار في السلطة، و يصبح هاجسه الأمن، و بالتالي تفرض الأجندة الأمنية علي ما عداها، و توظف كل مؤسسات الدولة لخدمة الأجندة الأمنية، و تضحي عملية أختراق القوي السياسية مسألة ضرورية، بهدف الحصول علي المعلومات في كيف تفكر هذه القوي السياسية، و ما هي أهدافها و موقفها من النظام، و معرفة أنشطتها السرية، و علاقاتها مع بعضها البعض، باعتبار إن النظام الشمولي مغلق مسموح فقط للنظام و سدنته استخدام المفاتيح التي تؤدي لعملية الاختراق، عكس النظام الديمقراطي الذي يتيح الحديث و التعبير عن وجهات النظر، و بالتالي ليس هناك حوجة لعملية الاختراقات الأمنية، لآن الديمقراطية لا تجعل هناك أجندة خفية مطلوب البحث عنها.
حصر الضو محاضرته في القضايا الأمنية و أخذت 90% بل أكثر من وقت المحاضرة، و كل ما يريد أن يخرج منها تعيده المعلومة مرة أخرى للمحور الأمني في عرض واسع لمحتويات كتبه الثلاث التى تناولت الموضوع الأمني " بيت العنكبوت – الخندق – الطاعون" و هي القضايا التي كرس الضو نفسه البحث عنها، فمن الصعب يستطيع أن يجعلها جانبا، و في بداية المحاضرة قال إن الصراع مع نظام الإنقاذ صراعا أمنيا، و بالتالي تشكل الأجندة الأمنية القاعدة التي ينطلق منها الضو في محاضراته، فأختيار عناوين المحاضرة مهم جدا و تكون دائما بالاتفاق مع المتحدث، حتى لا تكون هناك مفارقة كبيرة بين العنوان و الحديث، و الضو في كل كتاباته إن كان في الكتب أو المقالات لم يتطرق لقضايا لها علاقة بهذه الموضوعات، إنما هو كرس جل وقته علي عملية التوثيق و الممارسات الأمنية و معرفة أذرعها المختلفة، و كان من الأفضل أن يكون للمحاضرة علاقة بإهتمامات المحاضر و لا تفرض عليه عناوين آخرى، و إن كان فتحي قد استطاع أن يقدم القضايا الأمنية بالصورة التي تجاوبت معها القاعة بصورة جيدة.
قبل نهاية المحاضرة عرج الضو علي عنوان المحاضرة " مآلات التغيير و أفاق المستقبل" و قدم العديد من الأسئلة، و قال هذه الأسئلة يجب أن تجاوب عليها القوي السياسية، و الإجابة عليها تعتبر مدخلا للحل. و قال إنه لا يريد الدخول في قضية أخفاقات النظام و ممارساته، و هي كثيرة و معروفة للكل. و في أسئلته قال لابد أن تصل القوي السياسية لرؤية حول العلاقة بين الدين و الدولة. و عن الديمقراطية قال هناك أنواع عديدة من النظم الديمقراطية أي ديمقراطية مناسبة لوضع السودان؟ و هل الأحزاب بحالتها الحالية بالفعل سوق تستطيع أن تصنع ديمقراطية؟ و قال الغريب في الأمر إن القوي السياسية في عام 1995 قد توصلت إلي أتفاق أجمعت عليه القوي السياسية في مؤتمر القضايا المصيرية في اسمرا، و الغريب أن تعود هذه القضايا مرة أخرى لكي تكون في أجندة القوي السياسية. السؤال مطروح للضو نفسه، و أيضا للعديد من النخب و المثقفين السودانيين، لماذا عادت ذات الأجندة التي تم فيها اتفاق مرة أخرى لتكون من الأجندة الخلافية؟ الملاحظ إن الإجابة علي السؤال دائما تتجنبه النخب السياسية المأدلجة، لأنه سوف يدخلها في مواجهة مع قوي أخرى مسؤولة مسئولية مباشرة عن ضياع هذه الأجندة. إشكالية النخب و المثقفين السودانيين الذين يعتقدون إنهم تحرروا من القيود التي تفرض عليهم إن كانت حزبية أو غيرها و يطالبون الآخرين باتباع المنهج النقدي يهربون من القضايا التي يتعاطفون معها و تعرضهم لجدل مع آخرين لا يرغبون فيه. و الضو كان متابعا لقضايا التجمع الوطني الديمقراطي عليه أن يفتح هذا الباب من خلال مقال يقدم فيه كل أسئلته لكي تعرف الأجيال الجديدة كل الحقائق لكي يستقيم طريق المستقبل. و التحية للأستاذ فتحي الضو و اجتهاداته في عملية التوثيق و البحث و وجوده في استراليا خلق فاعلية جيدة.
كانت محاضرة فتحي الضو في " بيت السودان" و هو دار تم أفتتاحه يوم السبت و كانت أول محاضرة فيه يوم الأحد لفتحي الضو، و هي فكرة طيبة من بعض الشباب المثابرين الذين يريدون أن تكون هناك دار تجمع السودانيين و تتيح منبر للحوار الفكري و السياسي، لهم التحية و التقدير. و نسأل الله حسن البصيرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////////