عندما يلجأ رئيس الدولة لقيادات في حزبه أو سلطته لكي تطمئنه علي الاستمرار في سلطته دون الركون لحقائق علي الأرض، حتى إذا كانت هذه الطمأنة مزيفة و غير واقعية، يكون بالفعل قد وصل مرحلة من الا مبالاة بقضايا الوطن و المواطنيين، و هذا السلوك سوف يقود البلاد للعنف. الرئيس عمر البشير يعلم تماما الفارق الكبير بين الجماهير التي تجوب مدن البلاد، و تطالب بإسقاط نظامه، و هي جماهير خرجت دون أن يرغمها أحد علي الخروج، أو تنقل علي بصات و مركبات مؤجرة، أنما خرجت من حر مالها و البعض قطع عشرات الكيلومترات مشيا علي الأقدام لكي يشارك في تظاهرة تحسسه أنه يؤدي ضريبة وطنية، و هو عاري الصدر لاستقبال رصاص السلطة و مؤسساتها القمعية،و لم يكن مسلحا إلا بفكرة واحدة، إن يرحل هذا النظام الذي عجز في ثلاثة عقود أن يحقق له حياة كريمة. والتجمعات التي يقيمها أهل المصالح في الحزب الحاكم، و يصرف عليها من مال الدولة و الولايات مليارات الجنيهات من وسائل نقل و راحة و غيرها، و تحرسها الأجهزة الأمنية و هي مطمئنة. هؤلاء تجمعات "لحظة" و تنتهي قضيتهم بإنتهاء لحظة التجمع، هؤلاء لا يحرسون النظام و لا يستطيعون الدفاع عنه.

أن إشكالية الديكتاتور إنه دائما يجعل المقربين له أولئك الذين لا يعرفون غير طأطأت الرأس بالموافقة و القبول في الصواب و الخطأ، و هؤلاء صنفان. الصنف الأول الذين استفادوا من النظام ماديا و أثروا، و يريدون أن يزدادوا إثراء، هؤلاء يعلمون إن مالهم الذي إغتنوه لم يأت بوسائل مشروعة، لذلك يريدون الحفاظ علي النظام الذي هيأ لهم الحصول علي الثروة بشتى الطرق "مشروعة و غير مشروعة" و هؤلاء تتعدد أصنافهم و صلاتهم بقيادات في السلطة. و الصنف الآخر الذين حصلوا علي مواقع دستورية في السلطة التشريعية و التنفيذية و يعلمون أن قدراتهم و مؤهلاتهم الذاتية متواضعة، و جاءوا إليها عن طريق الولاء، أو طرق أنتهازية، و أي تغيير ليس في صالحهم، هؤلاء لا ينصحون الرئيس، و لا يستطيعون قولة الحق في وجهه، أنما دائما يبحثون عن رضى الرئيس، و التقرب إليه بالأقوال التي يريد أن يسمعها هو، و ليس ما يجري حقيقة في البلاد. و ما يجري الأن في البلاد من تظاهرات يحاول هؤلاء إقناع الرئيس أن المتظاهرين جلهم من الخونة و المارقين. رغم أن الحقيقة؛ أن القناعة السائدة في الشارع بين كل الناس، و كل القوي السياسية، أن الرئيس يمثل إشكالية حقيقية لعملية التغيير، و لابد أن يرحل، و معلوم إذا رحل الرئيس تغدو نهاية حزب السلطة، و سوف يضرب بين عضويته عطر منشمي. و حتى ما تسمى هيئة العلماء قد دسو رؤسهم في الرمال.
إن أصحاب المصالح الخاصة دائما بينهم و بين الحق عداء مستحكم، هؤلاء بأفعالهم هذه يحاولون تجميل القبح و يزيفون الواقع، و هي افعال توصل صاحبها إلي المهالك و لو بعد حين، و عندما قال القرآن "هن أطهر لكم فأتقوا الله و لا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد" صدق الله العظيم: و ألله يعلم ليس في هؤلاء بالفعل رجل رشيد غير نبيه، لذلك يجئ التسأل عن الرشد عندما يسير القوم وفقا لأهوائهم. و قيادات الإنقاذ لا تنظر للمصلحة الوطنية و المجتمع، أنما هم هؤلاء الأول و الآخير كيفية حماية مصالحهم الخاصة، و الاحتفاظ بمواقعهم الدستورية، لذلك لا يبالون بشئ، و لا يحكمون عقولهم.
أن أي حوار سياسي لا يمكن أن يتجاوز مطالب الجماهير في الشارع، في الفكرة المتفق عليها قبل فتح أي حديث في قضايا الحرية و التحول الديمقراطي و محاربة الفساد، و يجب أن يرحل الرئيس عن المشهد السياسي. و رحول الرئيس ربما يسهل فتح الحوار السياسي بين القوي السياسية حول قضايا " التحول الديمقراطي و صناعة الدستور في البلاد و محاربة الفساد و محاكمة آهله و غيرها" و هذه القضية تحتاج بالفعل لرشد عند القوم لكي يبلغوا الرئيس بالحقائق علي الأرض، إذا كان بالفعل في المؤتمر الوطني رجل رشيد.
و خروج الناس للشارع في تحدي للسلطة، يؤكد أن هناك أجماع في الشارع لتحقيق فكرة " تسقط بس" و لا يمكن التنازل عنها. و السلطات الأمنية التي قالت إنها لم تستخدم العنف مع المتظاهرين، و كذلك قوات الشرطة، إلا أن الصور المأخوذة توثق كل أفعل رجل الأمن الذين يضربون بهراواتهم حتى الأطفال، و هؤلاء من رجال الأمن و ليس الشرطة، و كما جاء في بيان ممهور من رئيس الجهاز متداول بين الناس في وسائل التواصل الاجتماعي، إذا كان حقيقة أو مفبرك، يؤكد فيه أن الناس وصلت لدرجة من الوعي توثق كل الأحداث، و الآن توثق كل تصرفات رجال أجهزة الأمن، و حتى الحاميلين أسلحة " مسدسات خلف بناطلينهم، و أولئك الملثمين في عربات أجهزة الأمن، و مراغبة تصرفاتهم، رغم إن هؤلاء الجنود اشد ضررا في مكابدة الحياة.
إذاً القضية أخذت بعدها التوعوي، و لا تقبل الجماهير وعود زائفة و حديث بعيد عن الحقائق، فالقيادات التي سقطت في القول " علي عثمان – الفاتح عزالدين" تؤكد أن معنوياتهم إنهارت تماما، و لم يبقي أمامهم غير التهديد و الوعيد، و هذه المرحلة يجب أن يتحكم فيها أهل الرشد و الحكمة، قبل الإنزلاق إلي العنف الذي يريد النظام و مؤسساته جر الناس إليه جرا. و نسأل الله حسن البصيرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.