منذ اندلعت التظاهرات في عطبرة، أحدثت إرباك وسط قيادات المؤتمر الوطني، كان الاعتقاد إن التظاهرات فعل فردي أملته ظروف أقتصادية، و سوف يتم التعامل معه من خلال تصريحات من قيادات المؤتمر الوطني تطمئن الناس إن المشكل سوف يحل في ظرف أيام، و أيضا كان الاعتقاد أن المعارضة بلغت من الضعف ما لا يمكنها أن تستغل خروج الناس في احتجاجات في المدن المختلفة، و كما قال رئيس الوزراء أنها احتجاجات نتيجة للأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد، و لكن تدخلت القوي السياسية و رفعت سقف المطالب و تحولت إلي شعارات سياسية. هذا الفهم المحدود لقضية الاحتجاجات و أن المعارضة لا تستطيع أن تستغل هذه الاحتجاجات جعل الحزب يتعامل معها بلا مبالاة، و عندما استمرت الاحتجاجات و توسعت في عدد من المدن، جاءت تصريحات التهديد و الوعيد من قبل قيادات، لم تدرك طبيعة التغييرات الحادثة في المجتمع. و هي المرة الأولي التي تتواصل فيها التظاهرات، و تربك كل الحسابات السياسية، و أيضا تخلق موازين جديدة للقوي، كان المؤتمر الوطني يفطن إليها و يتعامل معها بجدية، و يخرج من دائرة رعاية المصالح الشخصية، إلي أفق وطني يرتب فيه الأجندة علي أسس جديدة، بعيدا عن المناورات التي درج عليها، و عمقت الأزمة، و خلقت أزمات آخرى خصما عليه.

شعر المؤتمر الوطني بقوة الأزمة، و أن التعامل معها بالآدوات التي كان يستخدمها في الماضي سوف تجعله يخسر بسرعة الجولة، و يعود ذلك لضعف كوادره السياسية في إدارة الأزمة، لذلك لجأ لكي يتعامل معها من خلال ما يسمى " اللجنة التنسيقية العليا للحوار" و أن يتم حشد يؤكد من خلاله إن أحزاب الحوار ماتزال لديها قوي جماهيرية في الشارع. هذا السيناريو يؤكد أن القيادة لم تستوعب التحولات الجارية في الشارع السياسي، و أن ميزان القوى الجماهيرية أصبح خارج دائرتها، و بالتالي القضية لا ينفع معها أسلوب المناورات و كسب الوقت، لآن استمرارها ليس في مصلحة الحزب الحاكم، خاصة أن التعامل مع القضية أصبح متروك للأجهزة الأمنية، و الأجهزة الأمنية لا تملك غير وسيلتين" قمع و اعتقالات" و غير مخول لها أن تتعامل مع القضية سياسيا، و بالتالي القمع و الاعتقلات ليست علاجا، أنما تؤزم القضية أكثر، و تخلق حالة من الغبن في المجتمع.
أنسحبت القوي السياسية التابعة للحكومة من الشارع، لأنها لا تملك تصورا لحل الأزمة، و ليس في جعبتها أي مبادرة للحل، و حتى مخرجات الحوار الوطني التي كانت تشكل أرضية سياسية، تجاوزتها الأحداث بسبب مناورات الحزب الحاكم و رغبته في تنفيذها بما يرضي مصالح خاصة في الحزب، و عدم أعتراف القيادات في السلطة أن القضية سياسية، و يجب التعامل معها بأفق سياسي، يؤكد ضعف الكادر السياسي و عدم إدراكه للقضية، و عجزه أن يقدم مبارات وطنية حقيقية، لكي يخرج البلاد من حالة الاحتقان، لقد أثبتت الأحداث الجارية، أن الحزب الحاكم يعاني من قلة الكوادر السياسية التي تستطيع أن تتعامل مع القضية بأفق فكري، تستطيع من خلاله أن تطرح أسئلة جديدة تتجاوز بها الشعارات المطروحة في الشارع، و أن تنقل القضية لمربع جديد بعيدا عن الرغبات الشخصية و الخاصة إلي الأفق الوطني العام. لكن انحرفت القيادة عن التعامل مع القضية بحكمة. و أن أسلوب التهديد الذي لجأت إليه قيادة الوطني، يوضح إنها بلغت قدر عالي من الانهيار، و لم يبق أمامها غير أسلوب التهديد و الوعيد، و هو أسلوب مفارق للحكمة و البصيرة.
في الجانب الآخر للمشهد من داخل تحالف الحكومة، نجد أن "الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل" الذي يعتمد عليه المؤتمر الوطني لتهدئة الجماهير الاتحادية و عدم خروجها في التظاهر، عاجز أن يفعل شيئا، بسبب الانقسام الذي تتعرض له قبائل الاتحاديين، و القيادات الموجودة في التحالف ليس لها ما تستطيع أن تقدمه غير خطاب سياسي في لقاءات جماهيرية كما قدمه الوزير حاتم السر، و وجد استهجان من قبل القاعدة الاتحادية، و أيضا جماهير طائفة الخاتمية، و بالتالي لا يستطيع أن يقدم مبادرة أو تصور للخروج من الأزمة.
تراهن قيادة المؤتمر الشعبي علي وراثة المؤتمر الوطني، لذلك لم تمانع أن تخرج قاعدتها مع المتظاهرين، كما قال أمين القطاع السياسي، كل عضو في المؤتمر الشعبي أن يكيف وضعه مع المحيط الذي يتواجد فيه، و لكن الحزب لن ينسحب من السلطتين التنفيذية و التشريعية لتقديرات خاصة بالحزب. و قيادة المؤتمر الشعبي علي دراية بالأزمة التي يتعرض لها المؤتمر الوطني، و عجز نخبة الوطني في إدارة المعركة السياسية، الأمر الذي يعطي المؤتمر الشعبي فرصة كبيرة مستقبلا، أن يقدم مبادرته في الحظة الحرجة لكي يكون مسيطرا علي الأحداث، لكن هذا التقدير أيضا غير مبني علي التحولات التي تحدث في المجتمع، و لم تكون في أعتباره.
أن استمرار التظاهرات في الشارع سوف تكون خصما علي موقف المؤتمر الوطني، الذي تميل أغلبية قيادته علي حسم الموقف من خلال " أجهزة الأمن" و هي أيضا تفتح منافذ لتدخل قوى أخرى بالضرورة لا تتعارض توجهاتها مع شعارات الجماهير، التي ترجح ميزان القوى. ونسأل الله حسن البصيرة.
نشر في جريدة الجريدة الخرطوم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////