هناك مقولة لعالم الاجتماع البريطاني من أصل بولندي زيغمونت باومان يقول فيها " أن علم الاجتماع هو عملية هدم، عليه تدمير ذلك الحجاب السميك جدا من الأحكام المسبقة و الصور النمطية التي تحدد مسبقا نظرتنا إلي العالم حتى قبل أن تبدأ بالتفكير فيه" و نخبة السلطة الحاكم في السودان لا تؤمن أن التغيير هو السمة المستمرة في الحياة، و يتم التغيير بأشكال مختلفة، و أي عملية تغيير يجب أن تسبقها فكرة لكي تحدد أبعاد التغيير، و الفكرة نفسها تحدد طريق التفكير و السلوك، و ما هو المطلوب أن يحدثه التغيير في المجتمع بصفة عامة و الإنسان بصفة خاصة، و أيضا الآدوات التي سوف يتم بها هذا التغيير. و أي مجموعة لها فكرة في التغيير داخل المجتمع لابد أن يكون لها مشروع مفصل. و ما لا يغيب عن الذين يدعون للتغيير، أن في المجتمع هناك قوي محافظة سوف تقف عائقا أمام التغير و أن لا يتم بسلاسة، و هؤلاء هم أصحاب المصالح الخاصة، و الذين يعتقدون إن التغيير سوف يعرض مصالحهم للضياع.

و يبقي السؤال موجها لنخبة الإنقاذ، وفقا للأحداث الجارية في السودان: هل تستطيع نخبة السلطة أن تفكر خارج الصندوق، و أن تحدث تعديلات في أجندتها و إضافة مصطلح التغيير، أم أنها سوف تصر علي بقاء جدول أعمالها دون إضافة التغيير، و تناطح الفكرة دون سند جماهيري يدعم موقفها؟ أن الإجابة علي السؤال لا يتم إلا إذا كانت هناك فكرة ترتكز عليها هذه النخبة، و لكن التجربة أكدت إنها لا تهتم بالفكرة، و تريد أن تحافظ علي مصالحها فقط مستعينة بالمؤسسات القمعية. و بالتالي تكون جردة نفسها من عملية التفكير المنطقي، لأنها تنظر للقضية من خلال عين واحدة، هي مصالح المجموعة الحاكمة.
و دلالة علي غياب الفكرة، قال فيصل حسن أبراهيم نائب رئيس الحزب الحاكم بعد اجتماع للهيئة القيادية للحزب. أنهم أطمأنوا علي الوضع و سيطرتهم عليه، و أنهم بصدد فتح حوار مع الشباب و الطلاب. لكن أبراهيم لم يوضح أي شباب يقصد، الذين تعودوا الحوار معه و قيادات الحزب الوطني في غرف مغلقة، و يتلقون توجيهات للتنفيذ و ليس التفكير في قضايا يمكن أن يسهموا فيها. و تقدم لهم السلطة الدعم المالي لنشاطاتهم و أيضا توفير ركوب الفارهات...! أم الشباب الذين خرجوا للشارع رافعين شعاراتهم " إسقاط النظام" و يتعرضون يوميا لقمع الأجهزة الأمنية، غير مبالين سوى تحقيق مقصدهم، و هؤلاء تغيرت طرق تفكيرهم و تأكد لهم إنهم قادرين علي صناعة التغيير، رغم تكلفته الباهظة.
أن النخبة الحاكمة لا تريد أن تشغل نفسها بالتفكير لكي تستوعب الذي يجري في الشارع الأن، و لا تريد أن تقيم الأحداث تقيما منطقيا، لأنها منذ البداية قد أغلقت ذهنها، و عصبت عينيها، و أصمت آذنيها، و سخرت نفسها لكي تنفذ فقط تعليمات، و إلا كانت قد أدركت إن 95% من الشباب الذين يقودون التظاهرات في الشارع الآن تربوا في ظل الإنقاذ، ما كانوا يعرفون عن الحرية و الديمقراطية إلا من خلال القراءات في الكتب و تاريخ الشعوب الآخرى، و حتى عندما جاءت ثورات و انتفاضات الربيع العربي، لم يشاركوا فيها لأنهم لا يعرفون شيئا ثقافة الحرية و الديمقراطية، و عن النضال الجماهير، و كيف تقود الفكرة الواحدة الناس للنصر، و أيضا ما كانوا يعرفون ما هي قيمة التظاهر، هؤلاء بعد خروجهم للشارع شهرا كاملا ، أكتسبوا خبرات و قناعات جديدة و تصورات و أحلام، و أصبحت هناك ثقافة للنضال سطروها بأنفسهم في كتاب التاريخ السوداني، و أصبحت التظاهرات طريق يؤدي للخلاص من الشمولية، و تحقيق دولة العدالة و القانون، و بدأوا يدفعوا ضريبة هذا الانعتاق، هذه الثقافة التي أنتجوها بنضالهم و ترابطهم، هل يعتقد قادة الإنقاذ إنهم سوف يتخلون عنها، أو يتراجعون عنها، بوعود و تعهدات تقول التجارب إن الإنقاذ دائما كانت تضرب بها عرض الحائط، فرجوع الشباب عن الفكرة الجديدة من رابع المستحيلات لأنهم بنوا عليه مستقبلهم و مستقبل وطنهم.
يسير فيصل حسن أبراهيم علي ذات المنهج الذي كان يسير عليه الذين سبقوه في هذا المنصب، أن ينظروا للمسرح السياسي في البلاد من خلال مصالح ذاتية ضيقة، تتعارض مع الفكرة الكلية للوطن و الدولة، و الأسس التي يجب أن تقوم عليها. كانت الإنقاذ كل ما مرت بأزمة سياسية و اقتصادية، طرحت مسألة الحوار مع القوى السياسية الأخرى، ثم تنكص بتعهداتها، لكي تبدأ مرحلة جديدة من المناورات لا تساعدها علي حل مشكلاتها. فكيف يستطيع فيصل حسن إبراهيم و المجموعة التي معه، و الذين عطلوا عقولهم أن يتحاوروا مع شباب تغيرت الآن قناعاتهم من الرضوخ للشمولية و ثقافتها و تعاملاتها، إلي ثقافة جديدة تنطلق بهم لرحاب الحرية و الديمقراطية التي تتيح لهم المشاركة الفعلية في اتخاذ القرارات المصيرية لدولتهم. هل يعتقد فيصل حسن أبراهيم أن هؤلاء سوف يقبلون الرجوع مرة أخرى لحظيرة الشمولية التي يقرر فيه شخص واحد. نسأل الله حسن البصيرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////