يبدأ أي نظام حكم إنهياره عندما تفقد قيادته القدرة علي إدارة الأزمة، و يبدأ التناقض في أقوالهم، و كل قيادي يعتقد أنه يمثل وجهة النظر الصحيحة التي يجب أتباعها، الأمر الذي ينعكس بصورة تلقائية علي أجهزة الإعلام التي تسيطر عليها السلطة، و تبدأ بلإضطراب النفسي، حيث تحتار القيادات الإعلامية في أختيار أي الطرق تتبع، أن تنقل وجهتى النظر في الصراع، أم تنقل رؤية السلطة لوحدها، و تخسر المشاهدين و المستمعين، و تغيب الحكمة و تلجأ الأغلبية لوسائل التهديد و الوعيد و غيرها من الأساليب الضالة، و قد ظهر ذلك جليا في حديث علي عثمان محمد طه في قناة " سودانية 24" و أيضا في حديث الفاتح عز الدين، و آخيرا في حديث مامون حسن أبراهيم وزير الدولة للإعلام و الاتصال، و في مغالطات وزير الإعلام بشارة جمعة في حديثه لقناة " الحدث" و أيضا للصادق الرزيقي في ذات القناة، و هي تكشف عمق أزمة القيادة في الحزب الحاكم و في السلطة.

رغم إن الأزمة السياسية تتعمق كل يوم أكثر، و تتطلب الحكمة و الروية، و تتطلب تقديم مبادرات تخفف الضغط من جانب، و في جانب آخر تفتح نوافذ للحوار الجاد لإخراج الوطن من حالة الغبن التي يعشها الشعب، إلا إن القيادات في السلطة تبتعد عن هذا المسار، لأنها نفسها هي تعد سببا من أسباب أزمة الحكم، و تختار طرق تعتقد إنها تؤدي للحل و لكنها تعميق الأزمة، الأمر الذي يبين إن أغلبية تصريحات قيادات الإنقاذ تعكس الحالة النفسية التي تعيشها هذه القيادات. و هي تصريحات بعيدا عن الهم الوطني و تتمحور حول الذاتية، و كيفية إيجاد حلول تحمي مصالحها الذاتية، فغياب مثل هذه الحلول يجعلها تميل للتهديد.

إن إشكالية النظام القائم إن كان قبل أو بعد الحوار الوطني، أنه يجيء بعناصر من آهل الولاء تشغل الحقائب الدستورية، و هؤلاء دائما يميلون للدفاع عن الذات، لآن هؤلاء لم يتم أختيارهم من خلال تنافس للكفاءة، فيكون أداءهم ضعيفا، إن كان في مجال الاقتصاد، أو في الإدارة، أو في الإعلام و غيرها من مؤسسات الدولة، و هؤلاء في ظل الأزمات لا يستطيعون أن يقدموا مبادرات سياسية تنقل الصراع السياسي لمربعات جديدة، تتغير فيها طبيعة التفكير، و تعزز طريق الحوار بدلا عن مسارات العنف و الاحتجاجات، لذلك يهربون من القضية المطروحة، و يحاولون بشتى الطرق الدفاع عن الأمتياز التي حصلوا عليها دون وجه حق، و يقفون أمام أي تغيير جوهري للسلطة، حتى لا يخسروا مواقعهم. فاليس بالغريب أن يعلق رئيس الوزراء و وزير إعلامه، إن الاحتجاجات كانت بسبب الأزمة الاقتصادية ثم تحولت بعناصر مندسة إلي شعارات سياسية. هذه التصريحات تمثل ظاهرة جديدة في علم السياسة جديرة بالقراءة و الدراسة.....!
في حديث لوزير الإعلام بشارة جمعة نقلته قناة "الحدث" قال أن الاحتجاجات بدأت مطلبية، ثم تحولت من قبل قوي سياسية إلي شعارات سياسية. هذا يطرح سؤال كيف تم أختيار شخص لحوار وطني و هو يجهل طبيعة الصراع السياسي في البلاد؟ إذا كان وزير الإعلام يعتقد إنه جاء للحوار فقط لكي يحسن الاقتصاد، يجب أن يعلم أن هناك قوي سياسية تعتقد أن الأزمة في البلاد هي أزمة سياسية، و الأزمة الاقتصادية تعتبر أحد تمظهرات هذه الأزمة، و قد أثبتت التجربة، أن أغلبية قيادات الأحزاب التي تم صناعتها في عهد الإنقاذ، و التي جاءت للحوار قد أهملت مخرجات الحوار الوطني، و اعتقدت أن شغلها لوظائف دستورية هي النتيجة النهائية للحوار الوطني. لذلك ليس غريبا علي بشارة جمعة أن يكون محور غضبه هو شعار "تسقط بس" لأنه سوف يحرمه من هذه الوظيفة مستقبلا، فالرجل أهمل مخرجات حواره الوطني، و بدأ شغله كيف يحمي الوظيف من الضياع، لآن أي تغيير سياسي ليس في مصلحة العديد من الأحزاب التي تمت صناعتها في عهد الإنقاذ.

و في واحدة من محن الأزمة؛ يقول الخبر المنشور في جريدة " سودانتربيون" خلال لقاء وزير الدولة للإعلام مامون حسن أبراهيم مع قيادات القنوات الفضائية و الإذاعات الوطنية الخاصة قال " أن أي تناول إعلامي سلبي يضر بأمن و مصالح البلاد، و يقود إلي الفوضي مرفوض" ثم لجأ للتهديد حيث قال "أن جهات الاختصاص انخرطت في أتخاذ الإجراءات القانونية عبر ( الانتربول) و الأجهزة المحلية لملاحقة مروجي المعلومات و الأخبار الكاذبة سيما في وسائل الاتصال الاجتماعي" الظاهر إن وزير الدولة للإعلام يعتقد إنه مسؤول إعلامي في اتحاد طلبة و ليس وزيرا في دولة، يتعامل مع سياسيين قضوا عمره في العمل السياسي، و أن سياسة التخويف في مثل هذه الأزمات تعمقها أكثر، و الميل للتهديد و الوعيد يؤكد أنها أصبحت الوسيلة الوحيدة لدى قيادات السلطة. و كان من الأفضل لوزير الدولة أن يدخل في حوار مع وزيره المركزي لمناقشة القيود التي تحد من حرية العمل الإعلامي، و المصادرات المستمرة للصحف من قبل جهاز الأمن، و الرقابة القبلية التي عادت بصورة حولت الصحف لنشرات حكومية، و أيضا الحوار علي عجز الإعلام التابع للدولة أو الدولة مشاركة فيه، حيث أصبح بوقا للسلطة، و ليس رسائل إعلامية تتيح فتح الحوار داخل المجتمع، و 90% من الشعب السوداني لا يأخذ معلوماته من إعلام الحكومة، بل يدير المؤشر " لقنوات خارجية" هذا يكون أفضل من جلسات التهديد، لأنها لا تكسر طوق الاحتجاجات الذي استمر لأكثر من أربعين يوما، لكن يشك المرء أن كان الوزيرا الإعلام تصورا للعمل الإعلامي و دوره الاجتماعي، أو حتى تصور لفتح الإعلام للرآى الآخر.

في ذات الموضوع؛ كان حديث الصادق الرزيقي لقناة " الحدث" عن رأيه حول الأحداث الجارية و استمرار التظاهرات، نسميه حديث "طمأنة الذات" حيث قال أن التظاهرات بدأت تضعف و أنفض الناس من حولها، و أن تنظيم "تجمع المهنيين" هو تنظيم وهمي لا يعرف إلي أي جهة ينتمي، و قال عن الجانب الآخر؛ بدأت السلطة تتماسك و تقوي صفوفها، و أن قوات الأمن بدأت تسيطر علي الموقف، و بدأ النظام يأخذ المبادرة. إشكالية "طمأنة الذات" حالة تنتاب الإنسان عندما تضطرب الأحول التي من حوله، و تتغير موازين القوي في المجتمع، حيث تصبح عناصر الولاء في حالة من القلق، و نجد العذر للرزيقي أنه بدأ لا يعرف أين يقف الآن؛ هل يمثل نقيب الصحافيين السودانيين أم المؤتمر الوطني الذي جاء به لشغل هذه الوظيفة؟ فكان يريد من حديثه تسجيل موقف و ليس تحليلا سياسيا. و عن التنظيم الذي تحدث عنه الرزيقي بعدم الموضوعية، أن "تجمع المهنيين" يعتبر تجمعا قد توحدت حوله كل القوي السياسية، و أثبت قدرته الفائقة علي إدارة الأزمة، و أصبح الشارع منصاع لتعليماته، و تزداد مشاركة الجماهير يوما بعد يوم، رغم قمع السلطة و استخدام أدوات العنف ضده، و يجب التمسك به حتى الوصول لهدف التحول الديمقراطي في البلاد. نسأل الله حسن البصيرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.