فضل الرئيس البشير من خلال خطابه في القصر الجمهوري، و الذي حضرته حاشيته الهروب إلي الأمام، و أكد علي استمراره في السلطة، و أيضا عدم استبعاد ترشيحه مرة أخرى في انتخابات 2020م، عندما قال إنه يطلب من البرلمان تأجيل النظر في تعديل قانون الانتخابات، الأمر الذي يؤكد رغبته القوية في مواصلة بقائه في السلطة، و هذا القول يؤكد أن البشير أتخذ من سياسة المناورة أداة لكي يحدث أختراقا في الشارع، رغم أن الشارع يرفع شعارات واضحة. أن يذهب البشير قبل أن يكمل دورته الانتخابية، و كان المنتظر من خطاب البشير أن يعلن بشكل واضح تنحيه عن السلطة و حل الحكومة، لكنه ذهب في اتجاه معاكس لشعارات الجماهير، و حاول أن يحمى نظامه من خلال إعلانه قانون "حالة الطوارئ" و الهدف من ذلك؛ تخويف الجماهير من الخروج للتظاهر ضد النظام، و محاولة أن يكون هو وحده المتحكم في الشأن السياسي. لكن الاعتقاد الأكبر أن لقاء الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي الدكتور علي الحاج مع الرئيس البشير في لقاء استمر أكثر من أربع ساعات كان سببا في تغير صورة خطاب الرئيس البشير، و أن هناك أتفاق قد تم بينهما.

الأسئلة التي يجب أن تطرح هي: ما هو الجديد في خطاب الرئيس و ما يهدف إليه؟ و هل لقاء الدكتور علي الحاج مع الرئيس كان له تأثيرا علي الخطاب؟ هل ما جاء في الخطاب مقنع للجماهير؟
1- ما جاء في خطاب الرئيس البشير إنه شخص مراوق، و غير مأمون علي أي أتفاق، و أنه يكذب لكي يتمكن، و ليس لكي يتجمل. ظهر ذلك واضحا في التباين بين خطاب الرئيس و أقوال رئيس المخابرات في البرلمان، حيث ذهب الخطاب في اتجاه مغاير عن التسريبات، و لا يستطيع أن يدلي رئيس المخابرات بأقوال دون أن يكون قد أتفق مع الرئيس حولها. مما يؤكد رآى الشارع في الرئيس إنه شخص غير صادق في أقواله و غير مأمون في تعهداته. و لكن ربما يكون حديث رئيس جهاز الأمن و المخابرات الغرض منه التهدئة، و محاولة لخلق حالة من التناقض الهدف منها، أن يحفظ ماء وجه البشير، باعتباره هو الذي سوف يقود عملية التغيير، كيف يكون ذلك؟
ليس مستبعدا أن يكون هناك اتفاق قد تم بين الرئيس البشير و الدكتور علي الحاج، أن يؤجل البشير القرارات المتعلقة بعدم ترشحه للرئاسة و تخليه عن رئاسة حزب المؤتمر الوطني، لحين لقاءه مع القوى السياسية في البلاد، و التي قال إنه سوف يكون علي مسافة واحدة منها، و في اللقاء يتفق البشير مع القوي السياسية، أن لا يترشح لدورة جديدة، و بالضرورة سوف لن يكون رئيسا لحزب المؤتمر الوطني. و يعلم الدكتور علي الحاج أن المؤتمر الوطني ستتفرق بين قياداته السبل و يرث المؤتمر الشعبي ما تبقي من الحزب الحاكم.
2- أن أعلان البشير قراراته في لقاء مع القوى السياسية سوف يحوله من منبوذ إلي قائد لعملية التغيير، و يستطيع من داخل اللقاء أن يتلقى ضمانات لعدم تقديمه لمحاكمة أو مساءلة. و هي أفضل له من إعلان ذلك لوحده دون ضمانات، و يكون حزب المؤتمر الشعبي هو الاقرب للرئيس، و بالتالي يستطيع أن يدير الأزمة بتصوره هو دون تصور المؤتمر الوطني، الحزب الذي أتضح لا يملك أي قاعدة جماهيرية تستطيع أن تدافع عنه، أنما هي مجموعات ظلت تتغذى من ثدي الدولة، الرابط بينها هو الرئيس، ذهاب الرئيس يعني اسدال الستار عن آخر مشهد للحزب الحاكم، و بعدها تعود قيادة الحركة الإسلامية للمؤتمر الشعبي لكي تبدأ مرحلة جديدة.
3- و في أشارة الرئيس أن تكون القوات المسلحة هي الضامن، هي إشارة أن القوات المسلحة هي تضمن الاتفاق و عدم تقديم الرئيس و أسرته إلي أي محاكمة، و ليس أن يكون هناك انقلاب، خاصة أن تواجد الجماهير في الشارع قد غير توازن القوي في المجتمع، خاصة أن قيادات القوات القمعية " جيش – أمن و مخابرات – شرطة" لابد أن يتم تغيرها جمعيا لأنها عقليات أتضح إنها قيادات دون أي رؤى سياسية يمكن أن تنحاز للجماهير و قضاياها.
4- إذا نظرنا إلي تصور حزب المؤتمر الشعبي لحل الأزمة السياسية، و الذي يريد من خلاله أن يرث المؤتمر الوطني، يجد أن هناك تطابقا بين ما ذهب إليه الرئيس و رؤية المؤتمر الشعبي للحل، و التي تتبلور في الأتي، أن يكون الرئيس رئيسا لفترة أنتقالية، يتم في هذه الفترة، معالجة للأزمة الاقتصادية، و إلغاء القوانين المقيدة للحريات، تشكيل حكومة انتقالية، و صناعة الدستور، ثم قيام انتخابات، و أن تكون مخرجات الحوار الوطني هي البرنامج الذي يشكل قاعدة للحوار مع القوى الرافضة، إلي جانب العمل علي منع أي محاولة لاستهداف الحركة الإسلامية و تبقي واحدة من أعمدة الحل السياسي، و هذا جاء ضمنيا في حديث الرئيس. و أن المؤتمر الشعبي استغل خوف الرئيس من المحاكمة، أن يقدم له تصور يضمن عدم محاكمته.
5- أن يترك للمؤتمر الشعبي تسويق الاتفاق، و إقناع القوي السياسية بأن التغيير سوف يتم من خلال اتفاق يتم بينها و الرئيس، و توقع عليه كل القوى السياسية، لكن ذلك مرهون بموافقة القوى السياسية و في ذات الوقت، وقف التظاهرات في الشارع، و أن الشباب الذين دفعوا ضريبة نضالهم عددا من الشهداء و الجرحى، في العديد من مناطق السودان المختلفة، يريدون أن تكون النتائج واضحة و متطابقة مع الشعارات التي يرفعونها، و لا تأتي من خلال طرق ملتوية تريد قوي سياسية أن تكون هي الرابحة لوحدها لإعادة إنتاج نظامها مرة أخرى. و بدلا أن يعلن الرئيس ذلك لوحده يكون نتاج اتفاق يغير بعض الشئ عن صورة الرئيس.
6- أن حالة الطوارئ تؤكد تماما أن النظام فقد السيطرة علي الشارع السياسي، و حالة الطوارئ هي الطلقة الآخيرة في جيب النظام، و إذا خرقت الجماهير قانون الطوارئ و غير مبالية، يكون النظام بالفعل قد أنتهى تماما.
أن خطاب الرئيس كان الهدف منه أن يخلق جدلا جديدا في الشارع، يؤدي إلي التهديئة و يخفف الضغط السياسي علي النظام، و أن لا يحدث التغيير بطريق ليس في مصلحة القوى الإسلامية، و لكن الخطاب خلق حالة جديدة من اليأس من الرئيس و الذين يحاولن الكسب من ورائه. نسأل الله حسن البصيرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////