تابعت عددا من حلقات برنامج "حال البلد" في قناة " سودانية 24" و الذي يقدمه الطاهر حسن التوم موضوع المقال هذا، و يتناول المقال حالة من عدم الإتزان، بعد اندلاع التظاهرات في البلاد. و هي حالة قدم فيها الطاهر العقائدية علي المهنية، رغم أن الأحداث كانت فرصة طيبة جدا للطاهر أن يحتفظ بالمهنية، و من خلالها يستطيع أن يدعم و يسلط الضوء علي كل المبادرات التي تطرح بموضوعية، و يقدم فيها كل التصورات التي تمثل المدارس الفكرية المختلفة، و يتجاوز السياسي للفكري، لكي يقدم تصورات جديدة البلد في حاجة إليها. و أيضا كنت متابعا للطاهر حسن التوم في "قناة النيل الأزرق" و برنامج " حتى تكتمل الصورة" و الرجل دائما كان يحاول أن تكون المهنية هي الغالبة علي عمله، من خلال أختيار الموضوعات، و أيضا أختيار ضيوف الحلقات، رغم تركيزه الغالب علي دعوة هل الفكرة التي يؤمن بها، و إن كان الحوار يأخذ الجانب الموضوعي، و لكن أختيار الضيوف يطرح تساؤلات، هل العقائدية تقف حجر عثرة أمام المهنية. أم إن الطاهر عاجز أن يخترق الجانب الآخر ليقدم الرؤى المختلفة.

يأخذ المقال الحوار مسارا لقرأة ذهنية الطاهر، من خلال متابعات لبرنامج " حال البلد" بعد ثورة الشارع، و أصر علي تسميتها ثورة، و إنها ثورة الشارع، لأنها بدأت من الشارع دون تخطيط لها، و استمرت بذات الدفق الذي بدأت به، و قد أعجبني شعار "سلمية سلمية" لأنني أومن أن التحول الديمقراطي لا يتحقق إلا بالآدوات التي تخدم الديمقراطية، و تزيد في وعي الناس، و العنف لا يولد إلا عنفا مضادا، و الإقصاء ليس له موقعا في ثقافة الديمقراطيين، و الحوار الجاد الذي يستطيع أن يحدث تحولات في الواقع السياسي، إذا كانت هناك بالفعل إرادة للقيادات السياسية و خاصة في السلطة للتغيير، و ليس دعوات للحوار من قبل عناصر أدمنت المناورات و كسب الوقت، و الأيديولوجية تمثل الوعي الزائف الذي يشكك في الحقائق علي الأرض، و الغريب في الأمر، أن الإعلامي يمتلك الفرص أقوي من السياسي، و لكن البعض لا يفضل إلا أن يكون تابعا، و تضع فرص لتحقيق خطوات أفضل إلي الأمام .
بعد تأسيس قناة " سودانية 24" و هي فكرة الطاهر، و تمويل من وجدي ميرغني، لكن تظل الفكرة التي قامت عليها المؤسسة، هي أن تقدم خدمة أقتصادية، و البلد في حاجة إليها، و لا نستطيع أن نفكك العلاقة بين الاقتصاد و السياسة، فهي علاقة عضوية و جدلية في ذات الوقت. و أستطاعت القناة في ظرف و جيز أن تجذب اعددا كبيرة من المشاهدين من خلال برامجها المتنوعة، و القصيرة، و لكنها مليئة بالموضوعات الدسمة، و بالفعل كانت المهنية تعد واحدة من أسباب نجاحها. لكن دائما الاختبار و التحديات التي تحدث فجائيا، تبرز المسالب، أو أن تضع الشخص بين خيارين. جاء لفت النظر من الطاهر حسن التوم، عندما تم إبعاد المذيع حسام البكري مقدم برنامج حال "الرياضة" من القناة، فقط لأنه ترحم علي قتلي التظاهرات و اعتبرهم شهداء، و هذه قناعته الشخصية، و كان التعليل أنه خالف سياسة القناة، رغم أن الطاهر حسن التوم في برنامجه حال البلد قد خالف انحيازية القناة، و أعلي العقائدية علي المهنية، و من الفترض أن سياسة القناة تقوم علي المهنية و ليس الأيديولوجية، و جاءت نحيازية الطاهر من خلال الضيوف الذين تم استضافتهم في برنامج حال البلد، و جميعهم كانوا أصحاب "الفكرة الواحدة" أي الذين ينتمون لفكرة واحدة، أليس هذا يضيق دائرة المهنية. و إعلان للميل السياسي، أم الطاهر كان يرضي جهات آخرى علي حساب المهنية.
في الحلقة التي كان ضيفها الدكتور غازي صلاح الدين، ركز الطاهر علي مسألة الإقصاء، و كرر السؤال عدة مرات دون، و كل ما يجيب عليه غازي يرجعه الطاهرة مرة أخرى لقضية الإقصاء، و أيضا في حلقات آخرى، علي الرغم أن رد الدكتور غازي كان ردا مقنعا، منذ أن طرح السؤال أول مرة. عندما قال إن إشكالية السياسة في السودان هي الأيديولوجية، التي تغيب عندها العديد من مظاهر الموضوعية، و تمسك الطاهر بشعار كان يردده بعض من المتظاهرين " أي كوز ندوسه دوس" و اعتقد ذلك قمة الإقصاء، و نسي الطاهر أن الإنقاذ جعلت من الإقصاء ممارسة فعلية، تمظهرت في تشريد الآلاف من العاملين من وظائفهم لكي تأتي بآهل الولاء. و تم أيضا الإقصاء السياسي و اعتقال العديد من المنتمين للقوى السياسية الآخرى، و بيوت الاشباح واحدة من رموز العمل الإقصائي، و حتى المفاصلة داخل الحركة الإسلامية في عام 1999م كانت بسبب أن المجموعة التي ذهبت مع السلطة تريد أن تستمر في الإقصاء. و حتى التعددية الصورية التي صنعتها الإنقاذ من أحزاب مصنوعة صناعة من قبل السلطة، و انشقاقات أجرتها في قاعدة الأحزاب الأخرى، كانت استجابة مشوهة لنضال الناس و الضغط الممارس علي الإنقاذ، نسي الطاهر كل ذلك و صنع مناحة من " أي كوز ندسو دوس"و قال إليه غازي لا تحاسب الآخرين بتفلتات البعض.
الموضوعية في التحليل، أن تتم دراسة للذي يجري بعيدا عن العاطفة، و الميل السياسي، و تلوين النظارة التي درج الطاهر علي تلوينها لتجعله يرى كما يحب أن يرى، و ليس كما هي في الواقع، و الذي يجري الآن، ثورة حقيقية في الشارع السوداني يقودها الشباب، و ثورة لأنها لم تكن ميالة إلي فكرة سياسية واحدة، و لا افتعلها حزبا سياسيا بعينه، هي نتيجة تراكمات سياسية و ثقافية و اقتصادية سالبة، خلقت وعيا جديدا في الشارع، لكن رغم ذلك يحاول الطاهر في الحديث عنها أن يلونها بألوان اليسار، و سياسة أيديولوجية لا تخدم عملية التغيير، و محاولة للتشكيك، رغم أن العديد من الإسلاميين مشاركين فيها بفاعلية، لأنهم علي قناعة كاملة أن النظام فقد القدرة علي العطاء، رغم إنه لم يقدم أي عطاء منذ جاء بانقلابه. و الطاهر له الحرية أن يقف في الجانب الذي يريد، لكن أن لا يتحدث بأن موقفه يمثل المهنية، لآن المهنية تفرض شروطها في العمل. و آخر حلقة عن اتهام صلاح قوش من قبل "قناة الجزيرة" المدعوين جميعهم يمثلون تيارا سياسيا واحدا، لكي يدافعوا عن رئيس الجهاز المنتمي لذات التيار السياسي، غض النظر عن حقيقة خبر قناة الجزيرة.
الثورة في فورانها تجمع الكل، و كل فئة تريد أن تبرز نفسها دون الآخرين، و هي واحدة من إشكاليات السياسة في السودان، حيث أصبح الحزب و خاصة عند الأيديولوجين فوق الوطن، فالأيدلوجية واحدة من الأسباب التي تعيق تنمية الديمقراطية في السودان. و الإقصاء نتيجة من نتائجها. لذلك أنت تتصيد الشعارات و تجعلك تتأرق من المستقبل المظلم للسودان، رغم أنك لا تعتقد ما تمارسه الإنقاذ في فصل الناس من وظائفهم و أحتكار السلطة ليس إقصاء، أين إذا الموضوعية المهنية.
واحدة أيضا من القضايا التي نظرت لها من خلال النظارة الملونة، جئت في حلقة غازي صلاح الدين بعمود الصحفي عادل الباز الذي يكتبه في جريدة " اليوم التالي" و حاولت أن تبين التناقض بين تحالفين، الشارع المتظاهر الذي يرفع شعار " سلمية سلمية" و حركات مسلحة تحمل السلاح ضد القوات المسلحة، كما جاء في حديث سيادتكم، رغم أن الفارق كبير في الـتآويل إذا كان تآويلك أو تآويل عادل الباز. أولا الحركات سابقة للتظاهرات من حيث التأسيس، و خاضت معاركها ضد السلطة، و كان من المفترض أن يكون هناك حوارا بين الحركات و السلطة في كل من أديس أبابا و الدوحة. و هذا سريان للحالة السياسية المستمرة منذ أن جاءت الإنقاذ. الجديد أندلعت تظاهرات رفعت شعار "سلمية سلمية" و قبلت الحركات الشعار، و أيدت التظاهرات بشعاراتها السلمية، و لم تدخل الحركات بسلاحها وسط المتظاهرين، و ما قاله قوش ليس صحيحا عن عبد الواحد، لأنه كان يبحث للتشكيك في التظاهرات، و ما قاله قوش مات في مهده، لكن أن تؤيد حركات مسلحة تظاهرات رافعة شعار " سلمية سلمية" أليس هذا كسب للوطن، أن تتحول آدوات التغيير إلي آدوات سلمية. أليس المسلمون يقولون "أن الإسلام يجب ما قبله" و لماذا أخذتك الحيرة هنا، فقط لأنك تريد أن تخدم بالمقال قضية أيديولوجية، و أين المهنية التي تجعلك أن تقبل تصور واحد، و لا تقلب الموضوع من عدة زوايا، و تقرأه قراءات مختلفة، أو تأتي بالشخص الذي تعتقد أن لديه قرأة آخرى، لكي تقدم بالفعل حوارا لرؤيتين بدلا أن تحصر الدعوات علي ملة فصيل سياسي واحد.
القضية الآخرى، التي تبين أن العقائدية قد تغلبت علي المهنية، استضفت في حال البلد علي عثمان محمد طه الذي توعد المتظاهرين، بقواته غير المعروف و يطلق عليها الشارع إنها ملثمة، و كنت قد تدحض الاتهام الذي وجه إليك، إذا جئت في الحقة القادمة بشخص يمثل رآى مخالف، لكنك جئت بمعتمد بحري الذي اتهم المتظاهرين، و قال يتخللهم أجانب هم الذين يثيرون الشغب، و في حلقة بعدها جئت بالصادق الرزيقي و الهندي عز الدين، ثم غازي صلاح الدين اليس هؤلاء جميعهم يمثلون "الفكرة الواحدة" ثم جئت بعبد الرحمن الخضر و معه صحفي مهني عبد الرحمن الأمين، أين هي المهنية التي تجعل سيادتكم أن تأتي " بأهل الفكرة الواحدة" رغم أن المخالف الوحيد للصف كان الدكتور غازي صلاح الدين. دون أن تأتي بسياسي واحد له رؤية مخالف، فهل هذا هو الفهم للمهنية، أم هناك تعريف للمهنية يتعارض مع تقديم الرؤى المختلفة للمشاهد، السؤال لماذا ابعدته المذيع حسام البكري مادم أنت تغلب العقائدية علي المهنية. للعدل وجه واحد يتماشى مع أسم الجلالة "العادل" و أنتم تريدون أن تجعلوا للعدل وجهين من خلال الأيديولوجية. نسأل الله لنا و لكم حسن البصيرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////////