جاء تشكيل الحكومة بهذا الضعف استجابة لمقاطعة النظام، و تعد المقاطعة واحدة من تأثيرات الثورة، و التي استطاعت أن توصل رسالتها، و شعور الناس أن النظام في حالة موت سريري، لذلك رفض العديد من التوكنقراط الذين تم الاتصال بهم المشاركة في الحكومة، إلي جانب الصراع داخل المؤتمر الوطني الحزب الحاكم نفسه، و لم يجد البشير غير الذين أعلنوا الولاء له شخصيا و استمراريته في السلطة، و هؤلاء الذين كانوا قد اقترحوا عليه صناعة حشد مضاد للثورة في الساحة الخضراء، و كانوا متحدثين فيها دون قيادات الحركة الإسلامية و المؤتمر الوطني المعروفين.

بعد إندلاع التظاهرات و بدأت الثورة تفرد أشرعتها للتحرك بقوة نحو الهدف، كانت لهذه الحركة انعكاساتها داخل الحزب الحاكم نفسه، و أيضا داخل ما يسمى بالحركة الإسلامية، غير المعروفة الإنتماء لأي مجموعات من هذه المجموعات، و هي مستويات مختلفة، كل مجموعة تحاول أن تجري وراء المصلحة التي تريد تحقيقها، و قد تمحورت في الأتي:-
1- المجموعة الأولي ذات البعد الإسلاموي، و هؤلاء يريدون الإستفادة من الثورة في إضعاف الحزب الحاكم، بهدف وراثته، و هذه المجموعة يمثلها حزب المؤتمر الشعبي، و هي رؤية الدكتور علي الحاج خالصة، في أن يمسك العصى من منتصفها، أن يؤيد خروج الناس و يتحدث عن الحريات، و في ذات الوقت يظل داخل مؤسسات النظام، لكي يشكل في النهاية طوق نجاة للنظام لكي يتم و راثته تماما، و يراهن الدكتور علي الحاج علي القيادات التي أغتنت في النظام لكي يصبحوا دعاة للحزب في أي تسوية سياسية، و داعمين للحزب، و أيضا أن يرث مؤسسات الدولة العميقة، رؤية علي الحاج تجد المعارضة الشديدة من قاعدة الحزب، و يجب عليه الإنسحاب من السلطة إذا بالفعل يؤيد الثورة، أو أن يدين الثورة و يقف بشكل واضح مع البشير، فالدكتور علي الحاج يريد أن يكون في كل المواعين حالة من النفاق السياسي، الهدف منها هو وراثة الإنقاذ و إعادة إنتاجها مرة أخرى.
2- مجموعة علي عثمان محمد طه، و هؤلاء فقدوا قاعدة تدين لهم بالولاء، لذلك راهنوا علي المليشيات، التي تم تأسيسها في فترة التجيش أوائل عهد الإنقاذ، و هي فئة تراهن علي العنف، و استطاعت أن تحرك منتسبيها في أجهزة الإعلام لكي يقفوا ضد هذه الثورة و محاولة التشكيك فيها، و ليس غريبا أن يخرج علي عثمان بإعلان يتوعد فيه المتظاهرين، و استنفار المليشيات من " قناة سودانية 24" في اللقاء الذي كان قد أجراه معه مدير القناة الطاهر حسن التوم، و لكن الحراك القوى للثورة و استمراريتها هزم مشروع هذه المجموعة، رغم إنها ما تزال تستخدم إعلام التشكيك في الثورة، و الآن أتخذوا من البرلمان قاعدة لتحركهم السياسي.
3- المجموعة الثالثة، هؤلاء الذين كانوا يرفضون إعادة ترشيح البشير لولاية جديدة، هؤلاء لزموا الصمت تماما، و أيضا رافضين تأييد الثورة بل هم ضدها، و أيضا أمسكوا في تقديم النصح و التأييد للبشير، بل يمارسون العمل علي إضعافه تماما، و يراهنوا أن تحدث تسوية آخيرا علي أن لا تغير في جوهر النظام الشمولي، بل أن يتم إلحاق مجموعات آخرى بأحزاب التوالي، و يكونوا علي هامش السلطة، و هؤلاء يعتقدون إنهم يملكون المال الذي يؤهلهم لصناعة حزب فاعل بعد إبعاد البشير، أو حتى في أصعب الظروف إذا انتصرت الثورة، و رأس قيادة هؤلاء الدكتور نافع علي نافع.
في ظل استمرار الثورة و تضييق الخناق علي البشير قام عدد من قيادات أحزاب التوالي بإقتراح أن يكون هناك حشدا مضادا للثورة في الساحة الشعبية بالخرطوم يخاطبه الرئيس، أغلبيتهم يمثلون أحزابهم في لجنة " 7+7 " المناط بها الإشراف علي تنفيذ مخرجات الحوار، و هؤلاء نسوا مخرجات الحوار و أصبح همهم، كيفية المحافظة علي مواقعهم في السلطة، و قد أجتمع هؤلاء "أحمد بلال و بحر أبو قردة و التجاني السياسي و أحمد سعد عمر و حاتم السر و الصادق الهادي و بشارة أرو و أبو القاسم إمام و نهار عثمان نهار و تابيتا بطرس و أمنة محمد صالح ضرار" و خرج الاجتماع بصناعة هذا الحشد، و الاتصال بالولايات لحشد الناس و كان التركيز علي ولاية كسلا. اعتبر البشير أن هؤلاء يمثلون حزبه الجديد، باعتبارهم الذين قدموا مقترح التصدي للثورة، و محاولة حماية النظام في أحلك الظروف، بينما القيادات الآخرى التزمت الصمت، و حتى القيادات في المؤتمر الوطني أو الحركة الإسلامية الذين يظهرون إنهم يريدون إنقاذ النظام يسعون لوراثته، فقرر البشير إهمالهم.

كان من قبل، عندما تحل حكومة، و يبدأ الترتيب لتشكيل حكومة جديدة، كانت القيادات في المؤتمر الوطني، و خاصة القيادات التي تنتمي إلي الحركة الإسلامية تقدم العديد من الترشيحات، حتى يتم ترشيح قيادات من الأحزاب الآخرى، في هذا التشكيل أمتنع هؤلاء عن ترشيح قيادات و الزموا أنفسهم الصمت، و حتى الذين كلفهم الرئيس بتقديم مرشحين من التوكنقراط غير المنتمين سياسيا تقاعسوا، و الذين تم الاتصال بهم لم يجدوا من يوافق علي تولي الوزارة، ثم سعى رئيس الوزراء في أقناع بعض الكفاءات فكان الاعتذار هو سيد الموقف، فقرر الرئيس أن يكافئ الذين وقفوا معه كما يقول في عسرته، لم يجد غير هؤلاء أن يقدمهم، و بأنهم الذين نالوا الحظوة بالمكفأة و ليس لأنهم أصحاب كفاءة.
عندما قدم البشير قانون الطوارئ للبرلمان، و عرض للنقاش أنقسمت عضوية المؤتمر الوطني، و وجد القانون معارضة كبيرة، و اتفقوا علي إدخال تعديلات علي القانون، لكن الرئاسة قالت لهم لا تقبل أي تعديلات أما أن يجاز أو يرفض. فقالت بعض القيادات أن الذي فعله الرئيس الآن انقلاب لكنه لم يكمل الصورة، و إذا رفض القانون سوف يقدم علي حل البرلمان، و يصبح لوحده هو الذي يقرر، و يكون بالفعل قد تخلص من المؤتمر الوطني و الحركة الإسلامية، و قالوا أن البرلمان أصبح هو المؤسسة الوحيدة التي تجعلنا بالاتصال مع الرئيس و معرفة ما يفكر فيه، كما هي الوحيدة التي تعطينا حرية الحركة و العمل، و بالتالي يكون البشير قد نفذ الانقلاب بصورة كاملة، و يصبح سقوط النظام قد خرجت الحركة الإسلامية تماما من الساحة السياسية، و سوف يتم عزلها من الجانبين سلطة الرئيس و المعارضة، و لا تشارك في صناعة مستقبل ما بعد رحيل البشير، لذلك يجب عدم إعطاء البشير هذه الفرصة لكي يكمل صورة الانقلاب، و يكون هناك مساحة للحركة و التعاطي مع القوى السياسية، حتى إذا حدث التغيير نكون جزءا منه، لذلك تم الاتفاق في مكتب رئيس المجلس أبراهيم أحمد عمر، و في أجتماع ضم كل من علي عثمان محمد طه و نافع علي نافع و أمين حسن عمر و محمد حسن الأمين و رئيس المجلس و آخرين، أن يتم إجازة القانون علي أن تقصر المدة إلي سته شهور فقط. كل ذلك يرجع للثورة التي غيرت موازين القوي في الساحة السياسية، و بدأت تغير ملامح اللعبة السياسية. و نسأل الله حسن البصيرة.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////////