أختتمت قوي نداء السودان أجتماعها في باريس و أصدرت بيانها، الذي أوردت فيه تصورها للمرحلة القادمة، يتحدث نداء السودان عن محطات عديدة، تحتاج لتسليط الضوء عليها، و في ذات الوقت معرفة البعد السياسي الذي تحمله، و هل هناك جديدا بالفعل، أم هو اجتماع روتيني يحمل أجندة روتينية درج النداء علي ترديدها دون أن تجد طريقها للتنفيذ علي الأرض، و ما هو دور الحراك الشبابي في تغيير التصورات و ترتيبها من حيث أولوياتها، ليس هناك شك أن تراكمات النضال للمعارضة منذ الانقلاب عام 1989م حتى اليوم شكلت أرضية للانتفاضة، و حتى إخفاقات المعارضة هي مادة خصبة للدراسة و تجاوزها مستقبلا، حيث كانت قوى المعارضة تتفق علي أجندة بعينها، و في ذات الوقت كل قوي سياسية تحتضن أجندة مغايرة، و هذه المقولة قد أثبتتها تجربة التجمع الوطني الديمقراطي، و أيضا في بداية تكوين قوي المعارضة بعد اتفاقية " نيفاشا"، لكن الثورة خلقت واقعا و تصورا جديدا، هذا الواقع الجديد كان لابد أن يؤثر في أجندة القوى السياسية، و التخلي عن الأجندة التي تجاوزتها الأحداث، إلي جانب ترتيب الأجندة التي ركزت علي ذهاب رئيس النظام قبل الدخول في عملية أي تفاوض، و ما يزال هذا الشرط قائما، و تتردد شعاراته. فكان يجب علي القوى السياسية أن تكيف أجندتها مع أجندة الشارع.

يقول نداء السودان في بيانه " إنه انسحب نهائيا من "خارطة الطريق" التي كان قد وقعها مع الحكومة في أغسطس عام 2016م، و أعتبرها وثيقة من الماضي" هذه حقيقة أن الأحداث قد تجاوزت الخارطة، باعتبار أن الخارطة تم توقيعها عندما كان الإنظام يسيطر علي ميزان القوى، و لا تشكل له المعارضة تحديا قويا، لذلك كان نداء السودان يتعلق بأهداء الاتحاد الأفريقي و بعض قرارات الأمم المتحدة، لكن خروج الشباب في انتفاضتهم قد غيرت ميزان القوى، و حددوا موقفهم من النظام، و وجوب ذهابه، فكان علي النداء أن يستوعب هذا الواقع الجديد و ينسحب من الخارطة، التي لا تعني شيئا الآن، و قد تجاوزتها الأحداث.
و في فقرة آخرى يقول بيان النداء "إقاف كل أشكال التفاوض مع الحكومة. و توسيع الحراك الثوري و تنويع أدواته و تعميقه و تنظيمه بصورة قاعدية واسعة عبر لجان المدن و القرى و الآحياء لمقاومة مخططات النظام" هذا القول هو محاولة لرفع السقف، و أن يدفع النظام لتقديم تنازلات تلو الآخرى، باعتبار أن الحراك الثوري كل يوم يزيد اتساعا، و خاصة أن النظام ليس لديه ما يقدمه غير مواجهة الحراك بالقمع، و هي آلية تزيد من الغبن وسط الجماهير تجاه النظام، فالنظام قد وصل لقناعة أن الجماهير لن تتراجع إلا إذا أبعد الرئيس من موقعه. لكن إذا كان القول علي إطلاقه برفض أي صور للحوار و التفاوض، يبقى أمام النداء طريق واحد لا غيره هو أن يعد الشعب "لعصيان مدني" تتعطل فيه كل دواليب الدولة، و الحركة في البلد. و أي تغيير أو البحث عن طريق أخر غير " العصيان" لابد أن يؤدي لحوار، حتى إذا تدخل القوات المسلحة و استلمت مقاليد الأمر، فحركتها سوف تعبد الطريق لحوار، باعتبار أن القوات المسلحة الآن تمثل الدولة العميقة، فالنداء حصر طريق التغيير في آلية واحدة هي " العصيان المدني" لا غير و هو طريق يحتاج لعمل دؤوب مع الجماهير.
و في ذات الاتجاه أصدرت قوى الاجماع الوطني بيانا أيدت فيه قرارات نداء السودان، و قالت في بيانها " أن موقف نداء السودان الذي عبر عنه البيان الختامي، و التمسك بخيار الانتفاضة الشعبية، و التخلي عن خارطة الطريق، و التأكيد أن لا حوار و لا تفاوض مع هذا النظام، يجد منا كل التقدير و الاحترام، و أضاف البيان أن قوى المعارضة باتت اليوم أكثر وحدة و تماسكا حول إرادة الجماهير لهزيمة النظام، و أسقاط أجندة الإسلام السياسي". فقوي المعارضة مجتمعة الآن هي في حل من أي التزامات حوارية أو تفاوضية، و يبقى التركيز علي حراك الشارع، و التحضير " للعصيان المدني" بات هناك خيارا واحدا أمام المعارضة. و طرح أي خيار أخر مستقبلا سوف يخرجها من التزامها. و بهذا تكون القوى السياسية هي التي تحدد للمتظاهرين خيار الانتفاضة، فالخيار أصبح تحقيقه علي الشارع .
و تعزيزا لفرض خيار واحد حاول نداء السودان أن يعزل النظام من أي قاعدة اجتماعية كانت أو ما تزال تناصره، حيث يقول البيان "أن الاجتماع ناقش الموقف من الإسلاميين الراغبين في التغيير و الديمقراطية و المحاسبة، و المنشقين عن النظام، و أكد المجتمعون بأن الثورة السودانية لا تحمل أجندة إقصائية، بل هي ضد الإقصاء و الشمولية في المقام الأول، و أن بناء الوطن في المستقبل يتطلب تضافر جميع جهود أبناءه و بناته، و أن الثورة لن تعمل علي إقصاء أي شخص، أو جماعة، و لكنها لا تمنح حصانة من المحاسبة لكل من أجرم و أفسد في حق الشعب، و في هذا السياق فإن الشارع يسع الجميع وفق التواثق علي إعلان الحرية و التغيير، و علي من يلتفون حول النظام الآن، أن ينفضوا يدهم عنه و ينحازوا لمطالب الشعب و الراغب في التغيير" هذه الفقرة رسالة طمأنة لقواعد الحركة الإسلامية، و تدعوهم أن ينخرطوا بقوة في الانتفاضة، و البعد عن النظام، و هي رسالة فيها قيمة سياسية عالية، و في ذات الوقت محاولة لعزل قيادات النظام من المجتمع، و عضوية الحركة الإسلامية هي في حاجة لهذه الطمأنة، فبدل الوقوف علي السياج، و اتخاذ موقف أضعف الإيمن، أن تقدم اسهاماتها للتعجيل بذهاب النظام، و أن تشارك بفاعلية، و تخلي المؤتمر الشعبي من قبض العصى من منتصفها، تأييد المشاركة في التظاهرات، و في نفس الوقت جلد المتظاهرين بسياط السلطة علي ظهورهم، أن مشاركة المؤتمر الشعبي في السلطة تجعله يتحمل مسؤولية القمع الذي يحدث لذات الجماهير التي يؤيد خروجها، فالقيادات التاريخية الإسلامية ما تزال قلوبها معلقة بالنظام.
أن تأثيرات الثورة كثيرة علي الساحة السياسية، و أول ما فعلته إنها أرجعت الإنقاذيين إلي حجمهم الطبيعي في الشارع، و الانصراف من حالة تضخيم الذات التي صنعتها بعض القيادات بقصر نظرها، فكانت قيادات الإنقاذ تتبارى في الخطاب أن عضويتها قد فاقت الخمس ملايين، و أثبتت الأحداث إنها لا تملك غير الأجهزة القمعية، رغم إن الإنقاذيين و من شايعهم كانوا يريدونه حكما ملكيا و راثيا، مثل الذي صنعه معاوية بن أبي سفيان، لكن الرجوع للذات الحقيقية سوف تجعلهم يفكرون بشكل واقعي، و يعملون علي فض الشاركة التي صنعوها بين الحزب و الدولة، إن كانت هناك فسحة من الوقت، لكن الثورة ضاغطة و متعجلة برحيل النظام. نسأل الله لهم الهداية و نسأله حسن البصيرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.