عقد الدكتور علي الحاج الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي مؤتمرا صحفيا بين فيه موقف حزبه من القضايا المطروحة في الساحة السياسية، و هي قضايا تختلف و تتباين فيها الأراء، و أيضا تتباين فيها المصالح، و محاولة قرأة المخيلة السياسية في حالة السيولة السياسية بسبب انتقال العقل السياسي من التفكير الذي تحكمه قواعد و مفاهيم الشمولية إلي قواعد المفاهيم الديمقراطية، تعد أمرا صعبا، و تحتاج إلي تأني و بصيرة، و دون الميل إلي التآويل السلبي السريع، فحوار الآراء مدخل لتبادل الأفكار، و في ذات الوقت محاولة للقرأة بين السطور، لذلك أحاول في هذا المقال إعادة قرأة بعض القضايا التي تطرق لها الدكتور الحاج.

في المؤتمر الصحفي، رفض الحاج حل المؤتمر الوطني ومُصادرة ممتلكاته، وقال "اي زول لديه طرحٌ يجب أن يطرحه حتى الوطني، وقال: ليست هنالك حماية لأي فساد عدا ذلك معاملة الناس بطريقة إنسانية" تمثل هذه الفقرة في حديث الحاج العمود الفقري الذي تقوم عليه فكرة المؤتمر الصحفي، أن الحاج يعلم تماما أن المؤتمر الوطني لم يكن حزبا سياسيا تأسس في ظروف طبيعية أجتماعيا، أنما حزب تأسس في كنف الدولة و كل كوادره المفرقة سياسيا كانت تأخذ رواتبها من الدولة، و قياداته السياسية كانت مستوعبة في حقائب دستورية إن كانت ف المؤسسة التشريعية أو التنفيذية، و كل مقار الحزب تم شراءها بأموال الدولة و تم تأسيسها بأموال الدولة، و كل الذين ينتمون لقيادات هذا الحزب الآن متهمين بالفساد و أيضا أنتهاكات حقوق الإنسان و القتل و الاغتصاب و التعذيب. لذلك تصبح مصادرة مقار و ممتلكات هذا الحزب ضرورة و أجبة لأنها أموال دولة، ثم محاسبة قياداته في محاكمات عادلة من خلال قضاء عادل، و بعد المحاكمة، يحق للذين تبرأهم المحكمة أن يؤسسوا حزبهم باليافطة التي يريدونها و يشتروا مقار لهم من مالهم الخاص. هذه عن المصادرة و ممارسة العمل السياسي، لكن إشكالية الحاج و القيادات التاريخية في المؤتمر الشعبي دون القيادة الوسطية، ماتزال في مخيلتهم أن يرثوا المؤتمر الوطني، و الوراثة ليست وراثة القيادات فيه لأنهم يعلمون إنها قيادات فاشلة سياسيا و مرفوضة جماهيريا و ليس لديها ما تقدمه، و الدليل ثلاثون عاما في السلطة من الفشل السياسي و الاقتصادي، و كانت النتجة هذا السقوط، لكن عين قيادات المؤتمر الشعبي التاريخية علي الأمكانيات التي يمتلكها الوطني، و هي إمكانيات مهولة مليارات الجنيهات، و أيضا هناك أموالا تم تخزينها كان الحزب يريد أن يخوض بها انتخابات 2020م، و حديث الحاج يتناقض مع شعار الثورة.
قال الأمين العام للمؤتمر الشعبي د. علي الحاج في المؤتمر الصحفي "أن الشعبي ضد الإقصاء لأيِّ شخص من الساحة، ووصف الخلاف حول المدة الانتقالية بين الحزب والمجلس بأكبر خلاف، وطالب في مؤتمر صحفي عقده حزبه، بمدة عامٍ كحدٍّ أقصى للفترة الانتقالية، وقال: كلما كانت المدة أقصر أفضل، وكلما كانت أطول يؤدي إلى تدهور العلاقات الخارجية، وكشف بأن هنالك جهات تسعى لأن تصبح الفترة الانتقالية (4) سنوات، مُعتبراً ذلك نقطة خلاف مع المجلس" معلوم أن بناء الديمقراطية لا يقوم علي الإقصاء أو العزل إلا في حدود القانون، لكن المؤتمر الوطني حالة خاصة، أولا لابد من استرداد أموال الدولة التي لدى هذا الحزب. ثانيا محاكمة قياداته، و هؤلاء هم الذين قتلوا المتظاهرين و انتهكوا حرمات البيوت و ضربوا الأطفال من خلال مليشيات تابعة لهذا الحزب. أما قضية أن تكون الفترة الانتقالية سنة التي يريدها المؤتمر الشعبي هي أيضا مبنية علي مفهوم وراثة المؤتمر الوطني، لأن الإسلاميين الذين كانوا في السلطة وحدهم المنظمين و كانوا علي ارتباط مع القواعد من خلال استغلالهم لأموال الدولة و السماح لهم وحدهم بقيام النشاطات السياسية الممولة من مال الدولة، و كانت القوى السياسية الآخرى معزولة عن قواعدها بسبب القوانيين المقيدة للحريات، و منع الأحزاب أن تقيم نشاطاتها في الهواء الطلق، و أعتقال قياداتهم باستمرار. فماتزال القيادات التاريخية للمؤتمر الشعبي عينها علي السلطة قبل أن يتم تأسيس النظام الديمقراطي وحمايته حتى ينمو و يكبر، و يبقي عصى للمنازلة ضده من قبل الانقلابيين، و هذا يحتاج لفترة زمنية لكي تؤهل الأحزاب نفسها. كما أن الساحة السياسية تحتاج لفترة زمنية لكي تغسل فيها نفسها من الثقافة الشمولية، فلا يمكن أن تقيم نظاما ديمقراطيا بالآليات الشمولية، ففترة أربعة سنوات محاولة لإنتاج الثقافة الديمقراطية و تغيير حتى المفردات و تهيئة الناس لقبول رآي بعضهم البعض، من خلال الحراك السياسي الذي يتم في هذه الفترة، و أيضا محاولة الخروج بالاقتصاد من حالة الإنهيار لكي يستعيد فيها عافيته، و لا يتم استغلال حاجة الناس في العمل السياسي، فالقيادة التاريخية للمؤتمر الشعبي لابد أن تعيد حساباتها أن هناك واقع جديد تتسع فيه دائرة القبول بتحول ديمقراطي يحتاج أن تقدم الأحزاب العناصر المؤمنة بالعملية الديمقراطية، فالعقليات التي فكرت في أن تحدث انقلابا علي الديمقراطية لا يمكن الاعتماد عليها في تأسيس النظام الديمقراطي. لذلك لابد أن تفسح المجال لعضويتها التي خرجت مع الجماهير و هي ترفع شعار " تسقط بس" و السقوط ليس كما يسميه الحاج في مؤتمره الصحفي بالطاغية، أنما السقوط لكل النظام الشمولي و رموزه و إشاراته الثقافية و الذين كانوا سببا فيه، فإفساح المجال للأجيال الجديدة داخل المؤتمر الشعبي مسألة ضرورية لكي تستقيم الفكرة مع الفعل. الغريب في الأمر إن ذات القيادات التاريخية ضاق صدرها بالندوات التي كان يقيمها بعض شباب المؤتمر الشعبي و تتناول قضية " مراجعات" و تم إبعادهم من دار الحزب، هل هؤلاء قادرين أن يشيدوا مع الآخرين صروح و منابر الديمقراطية؟
أيضا في المؤتمر الصحفي "نفى الدكتور علي الحاج أيِّ اتجاه للتحالف مع الأحزاب، ودعا الى توافق سياسي حتى لا تحتكم الأحزاب إلى العساكر، وأكد أن الشعبي كان ضد الموكب، لأن الشعب ذهب الى الجيش وأنه أصبح خارج أجندته، ودعا المجلس العسكري أن يكون أيقونة للسودان للم الشمل وحفظ البلاد من التشتت، وكشف بأن هنالك جهات سعت لتعديل البيان الذي صَدَرَ من المجلس، وبرّر مُشاركتهم في الحكومة بأنّهم مكرهون، لجهة أنّه جُزءٌ من الحوار الوطني" السؤال لماذا تمسك المؤتمر الشعبي بالبقاء في الحكومة و المجلس التشريعي للإنقاذ، عندما خرجت بعض القوى السياسية لكي تقف مع المتظاهرين؟ كان الموقف خطأ مهما حاول الحاج تبريره، و كان عدم استيعاب للحراك و عدم الرهان علي القوى الشعبية، و قد بني علي رغبة المؤتمر الشعبي لكي يرث المؤتمر الوطني الذي شلت حركته تماما، في الوقت الذي كانت تدعو قاعدة الشعبي للإنسحاب من الحكومة و المجلس التشريعي. أم محاولة تعليل ذلك لأنه كان يراهن علي الحوار الوطني و مخرجاتها هذا غير مقنع، لآن المؤتمر الوطني و المخلوع رفضوا تنفيذ توصيات الحوار، لكن استبطان مسألة ورثة المؤتمر الوطني في ذهنية القيادات التاريخية جعلتهم لا ينظرون أبعد من موقع قدمهم، في النظر للسلطة و الوصل لها بأسرع وقت ممكن، و لا تهمهم مسألة كيفية بناء الديمقراطية و نشر ثقافتها في المجتمع.
قال الدكتور علي الحاج "أول من خرج على حكم الحركة الإسلامية هو «المؤتمر الشعبي»، خرج معارضاً مكافحاً داعياً وساعياً لإسقاط النظام، في مسيرة امتدت لبضع عشرة سنة، تجاوز وتعاون خلالها مع المعارضين، إلى أن لاحت فرصة الحوار مع الحكومة، فتمت الاستجابة على النحو الذي شهدتموه، وكان التعويل على تنفيذ مخرجات الحوار كما تعاهد عليها الجميع" لكن أيضا عندما سقط النظام كان المؤتمر الشعبي أحد الاعمدة التي يتكيء عليها النظام السابق، هناك أحزابا راهنت علي الحوار الوطني و استطاعت أن تقرأ الأحداث بعقل مفتوح و تخرج من حظيرة النظام، و تراهن بقوة علي الشارع، و أيضا القيادات الوسطية في المؤتمر الشعبي و قاعدته، لكن القيادات التاريخية ظلت بالحزب حتى سقوط النظام، و هذا الموقف محسوب عليها سلبيا. صحيح قال علي الحاج عدة مرات نؤيد التظاهرات السلمية، و لكن أيضا قال أننا سوف نبقي داخل النظام ....! فكيف يقيم الدكتور علي الحاج هذا البقاء في النظام الآن؟
أن الديمقراطية لا تبنى في المجتمعات إلا بقيمها، و مسؤولية النخب التي تشتغل بالفكر أن تكيف ذلك مع موروث و عادات و تقاليد و قيم المجتمع السوداني، و المسألة لا عادت شعارات براقة الهدف منها هو تغبيش الحقائق و نشر وعي زائف في المجتمع، و لكن كيف الوصول لتوافق وطني مسألة ضرورية، و التوافق لابد أن يشيد علي قاعدة من الثقة المتبادلة بين جميع القوى السياسية، و علي الدكتور الحاج و القيادات التاريخية أن تفسح المجال للقيادات الوسطية التي استطاعت أن تقرأ الوقائع بصورة جيدة بعيدا عن العاطفة، حتى تستطيع أنتتماشى مع التيار العام القابل بعملية التحول الديمقراطي و تجذير ثقافته في المجتمع. و نسأل الله حسن البصيرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.