أن خطورة دول الجوار التي تمد أنوفها في الشأن السوداني أشد خطرا علي الثورة المضادة في الداخل، باعتبار أن الخارج قادر علي دفع مليارات الدولارات و شراء الزمم في مجتمع فيه العديد من الإختلالات أوجدها النظام السابق، و تجربة الربيع العربي ماثلة أمامنا، إن كانت في مصر أو ليبيا و اليمن، فعدم الاستقرار في السودان و الحرب الآهلية أفضل لهذه الدول من أن يكون هناك نظاما مدنيا ديمقراطيا في البلاد يشكل تهديدا لإنظمتها بمرور الزمن، فهذه الدول تسعى أن يكون الجيش هو القابض علي زمام الأمر، و كما ذكرت في المقال السابق أن الجيش لن يتنازل عن السيادة، و لا يهمه إذا واصلت قوى الحرية و التغيير أعتصامها أو رفعته، لأنه يراهن علي ثلاثة أشياء الأولي أن الدولة العميقة سوف تسير دولاب الدولة، الثاني أن كل من السعودية و الأمارات سوف تواصل دعمها بهدف تنزيل الأسعار في السوق و حل الضائقة المعيشية للناس و توفير النقد في البنوك، و يعتقدون إنها عوامل سوف تسحب في المستقبل القريب العديد من المعتصمين و خلق النزاع داخل قوى الحرية و التغيير. المسألة الثالثة أن يجعل من القوى السياسية التي شاركت الإنقاذ سندا اجتماعيا له يستطيع بها المناورة.

السؤال إذا كان بالفعل هذا هو السيناريو معد، هل قوى الحرية و التغيير و دعاة الديمقراطية سوف يكتفون بالعصيان فقط أمام القيادة العامة، أم سيكون هناك حراك سياسي يتم من خلاله محاصرة المجلس العسكري؟
يقول الخبر؛ أن الناطق الرسمي باسم المجلس العسكري الفريق الركن شمس الدين كباشي، أعلن لقناة ( العربية) يوم (الخميس)، "أن المجلس سيحتفظ بالسلطة السيادية فقط وأن المدنيين سيتولون رئاسة الوزراء وكل الوزارات الحكومية وان الفترة الانتقالية هي عامان تقل ولا تزيد ." لكنه لم يحدد كيفية تشكيل مجلس الوزراء، و ماهية الجهة المناط بها تشكيل مجلس الوزراء، إلا إنه أكد عن تقليص الفترة الانتقالية. و أضاف الفريق شمس الدين كباشي لقناة (العربية) إننا نعمل على تهيئة المناخ من أجل التحول إلى الديمقراطية، ووجهنا الدعوة لكل المكونات للتفاكر والتحاور وتقديم الرؤي ووجدنا نقاط التقاء مع الكثيرين،وسنعمل بما يتوافق مع متطلبات المرحلة لتوفير الأمن وتهيئة المناخ للتحول الديمقراطي" كيف يتم تهيئة المناخ للتحول الديمقراطي؟ لن يكون هناك مانعا للمجلس العسكري أو القوى الآخرى أن تشكل قوى الحرية و التغيير مجلس الوزراء، باعتبار أن المجلس العسكري يمتلك الفيتو، كما أن القوى الآخر سوف لن تمانع لأنها أعلنت أن تكون الحكومة من التكنقراط و معركتها سوف تكون أن تقلص الفترة الانتقالية و الإسراع في إجراء الانتخابات، فالمعركة السياسية لها أبعادها و تعدد زواياها، الأمر الذي يتطلب الحكمة من الجميع و خاصة من قوى الحرية و التغيير.
في الجانب الآخر من المشهد السياسي، قال الصادق المهدي لوكالة (رويترز) يوم الخميس إن السودان قد يواجه انقلابا مضادا إذا لم يتوصل المجلس العسكري والمعارضة لاتفاق بشأن تسليم السلطة للمدنيين. و إن الأجنحة المتشددة في حزب المؤتمر الوطني الذي كان ينتمي له الرئيس المخلوع عمر حسن البشير قد تحاول مع حلفائها في الجيش استغلال حالة عدم اليقين للاستيلاء على السلطة" هذا التحذير من المهدي يؤكد علي النظر للقضية من جوانب عديدة حتى تستطيع القوى التي تدير الصراع أن تفطن لتكتيكات الآخرين. و في فترة سابقة ، قال الدكتور علي الحاج الأمين العام للمؤتمر الشعبي نختلف مع المجلس العسكري في مدة الفترة الانتقالية و نطالب بأن تكون مدتها القصوى عاما واحدا، خصوصا أن دولا أوروبية تقول إن ما جرى في السودان انقلاب ، و أضاف قائلا يجب تشكيل هيئة رقابية نظرا لامتلاك المجلس العسكري كل الصلاحيات لذلك استمرار الاعتصام يعد ضمانة أخرى مهمة" إذا علي الحاج يتخوف من المجلس العسكري باعتبار خلفه السعودية و دولة الأمارات، و الدولتان ساعيتان لتصفية الإسلام السياسي. و ليس هناك شك أن المجلس العسكري يراهن علي الزمن في تحقيق أهدافه غير المعلنة.
إذا كان هناك اتفاق بين قوي الحرية و التغيير و المجلس العسكري و مطالبة جماهيرية، أن تقدم رموز وعناصر الإنقاذ للعدالة و تصفية الدولة العميقة، هذه الخطوة لا يمكن أن تكتمل إلا بتشكيل مجلس الوزراء، و تحتاج لدفع جماهير ضاغط لكنها يجب أن تلزم جانب العدالة، باعتبار أن الهدف الإستراتيجي هو تعبيد طريق التحول الديمقراطي. و الدولة العميقة ليست هي قيادات و عناصر مشاركة في السلطة فقط، الدولة العميقة هي فكر و ثقافة و ثقافة شمولية لا يمكن تصفيتها بين ليلة و ضحاها هي تحتاج لفترة طويلة لكي يحدث التراكم الثقافي للقيم الديمقراطية في المجتمع و تنزاح بموجبه الثقافة الشمولية.
إذاً ما هو الحراك السياسي المطلوب لمحاصرة المجلس العسكري جماهيرا و سياسيا؟
الإجابة علي السؤال: إذا كانت قوى الحرية و التغيير تدير الصراع مع المجلس العسكري الذي لديه هامش يستطيع فيه المناورة. لماذا لا يتم تقليص هذا الهامش من خلال أن تقوم الأحزاب داخل منظومة الحرية و التغيير بتشكيل فريق مشترك يفتح حوارا مع القوي السياسية الآخرى التي لها وجود في المجتمع مثل " الحزب الاتحداي الديمقراطي الأصل و المؤتمر الشعبي و قوي الديمقراطية و التغيير بقيادة العتباني و الحركات المسلحة" و استبعاد كل القوي السياسية التي كانت صنيعة المؤتمر الوطني و التي صنعها لكي يوظفها في مناورته السياسية. يهدف الحوار حول كيف يتم التحول الديمقراطي، و زمن الفترة الانتقالية و المؤتمر الدستوري و كيفية الوقوف للأجندة الأجنبية التي تشكل مهددا رئيسا للديمقراطية في البلاد. ففتح هذا حوار مباشر مع القوى السياسية سوف يؤدي إلي ضغط قوي علي المجلس العسكري، فالحوار سوف يوقف بحث القوى الآخرى عن وسائل لتعزيز وجودها السياسي، ربما يخلق جوا مغايرا لعملية التحول الديمقراطية، فقوي الحرية و التغيير بقدر ما هي لديها تأييد قوي في الشارع فالحراك السياسي سوف يعزز دورها و لا ينقصه، و سوف يسحب الكرت الذي يناور عليه المجلس العسكري، و في ذات الوقت أن الحوار السياسي يعبد طريق التحول الديمقراطي. لأن القوى تخاف من الإقصاء، فالحوار يعزز الثقة و في ذات الوقت يجعل القوى السياسية تنصرف لبناء ذاتها، و نسأل الله حسن البصيرة.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.