الثورة تعني التغيير الجذرى في النظام، في هيكلية النظام في الفكرة في المنهج و الثقافة و حتى في الرموز، و الثورة هي التي تخلق شرعيتها دون الرجوع إلي أي شرعية كانت سائدة من قبل، و قيادة الثورة تفرض شروطها علي الواقع و يقع عليها عبء تكوين السلطة الجديدة، و يرجع ذلك ، إذا سقط النظام بفعل الثورة مباشرة، في الثورة السودانية تدخلت القوات المسلحة في وضع نهاية للنظام. و الواقع يفرض سؤالا مشروعا في تدخل القوات المسلحة هل كان أيمانا بالثورة و شعاراتها لوضع نهاية للنظام و تصبح هناك قطيعة كاملة بين كل محتويات و مظاهر نظام الإنقاذ أم كان محاولة لإحتواء الثورة و إعادة لإنتاج النظام بصورة مغايرة للسابق؟

قبل الرد علي السؤال لابد من معرفة الأحداث التي صاحبت عملية التغيير، و كيف كان أتخاذ القرار لتدخل القوات المسلحة لوضع نهاية للنظام. هناك روايتان الأولي جاءت علي لسان قائد قوات الدعم السريع الفريق أول محمد حمدان دلقو "حميدتي" مع ضباط المدرعات في الشجرة، حيث أكد أن اللجنة الأمنية التي تضم القوات المسلحة و جهاز الأمن و المخابرات و قوات الدعم السريع و الشرطة هي التي اتخذت قرار إقالة الرئيس. و الرواية الثانية جاءت علي لسان نائب رئيس جهاز الأمن و المخابرات الفريق جلال الدين الطيب الشيخ بأنه شخصيا ذهب لرئيس الجهاز و طالبه بالعمل من أجل إقالة الرئيس، ثم تحدث مع وزير الدفاع و جاءت الإستجابة. و يصبح الرد علي السؤال؛ إذا كانت الرواية الثانية هي الصحيحة تصبح قضية التخطيط لإنتاج الإنقاذ غير واردة، باعتبار أن المطالبة جأت مستعجلة و أيضا الموافقة كانت مستعجلة لذلك ألمر يحتاج لسرعة التنفيذ و لا يخضع الأمر لتخطيط سياسي، حتى لا يكشف الأمر و تصبح تداعيات الأمر متروك إدارتها للقيادات الجديدة في السلطة. أما أن يكون إستلام السلطة جاء من اللجنة الأمنية بعد مشاورات بينها، أكيد المبادرون في طرح الأمر يكون لهم تصور، و هنا يتم البحث عن التأمين الداخلي و التأمين الخارجي، و تدخل أنوف العديد من الدول، و أيضا البحث عن سند داخلي بهدف التصدي لأي مواجهة تحدث مع قيادات التغيير. لكن الأحداث تبين أن القرار جاء بعجلة داخل اللجنة الأمنية، الأمر الذي يشير لم تتم ترتيبات بصورة محكمة، و تركت المسألة لظروف التغيير، و كان علي قوى الحرية و التغيير تقرأ الأحداث المصاحبة لكي تبني أستراتيجتها لاستلام السلطة مفأجئة القيادة التي عزلت الرئيس.
هذه الإيجابة تفرض أيضا سؤالا آخر في غاية الأهمية. لماذا لم يسلم المجلس العسكري السلطة لقوى الحرية و التغيير، و اتجه للحوار مع القوى السياسية الآخرى التي لم توقع علي إعلان الحرية و التغيير؟
رفض الثورة لعوض بنعوف و صلاح قوش تأكد للعسكريين أن هناك رفض كامل لرموز النظام، و هذه كانت لابد أن تخلق خوفا وسط عضوية المجلس، و من خلال متابعة الأحداث يتضح أن أغلبية أعضاء المجلس أن خبراتهم السياسية متواضعة، إلا أن هناك بعض منهم و خاصة ؤلئك الثلاثة الذين كانوا في اللجنة السياسية، و هؤلاء أنطلقوا من أجل أن تكون هناك تسوية سياسية لا تؤدي لمحاكمة سياسية لتيار سياسي بعينه، و تحول الأحداث من ثورة تفرض شروطها إلي تسوية سياسية و هذه لا تتم إلا عبر العب علي الزمن، و التسوية السياسية تعني دخول في مساومات سياسية تخلق معادلة في أجهزة الدولة الدستورية تضمن عدم سيطرة قيادات الثورة علي مقاليد الأمر في البلاد. فكان رسم الفخ لقيادة الحرية و التغيير عندما طلب منها أن تقدم رؤيتها، و استجابت للطلب. أولا أن قوى الحرية و التغيير لم يكن مشروعها و هياكلها جاهزة عند إقالة الرئيس لكي تفاجئ المجلس العسكري بقراراتها باعتبارها القوى التي صنعت الثورة، و وضع نهاية لنظام الإنقاذ، ثانيا استجابة قوى الحرية و التغيير لمطلب المجلس العسكري في تقديم رؤيتها و الوثيقة التي تحكم الفترة الانتقالية، تعني الاعتراف أن المجلس العسكرى هو السلطة الأعلي في البلاد لذلك هي تقدم له الوثيقة للبت فيها. و كانت ترفض ذلك و تطلب اجتماع مشترك مع المجلس كل يأتي برؤيته حتى لا يصبح المجلس العسكري أستاذاً يعدل و يشطب كما يشاء في الوثيقة. و المجلس عندما طلب الوثيقة كان يهدف للأتي:-
اولا – انتزاع اعتراف من قوى الحرية و التغيير أن المجلس العسكرى هو السلطة العليا في البلاد.
ثانيا – أن موافقة قوى الحرية و التغيير بتقديم الوثيقة و أنتظار الرد عليها، شجعت المجلس الانتقالي أن يطرق باب القوى الآخرى لكي تتقدم بتصوراتها ليس الهدف منها هو معرفة رؤيتها و لكن أن يؤكد لقوى الحرية و التغيير أنه أيضا يستند علي قوى سياسية.
ثالثا :- أن المجلس لم يقرأ الوثيقة لمعرفة تصور قوي الحرية و التغيير بهدف الحوار حوله، لكن لكي يبرهن هو اليد العليا التي تبت في الوثائق المقدمة بما فيها قوى الحرية و التغيير، لذلك رده جاء في مؤتمر صحفي، الهدف أيضا فتح ملفات حول الحدث عن مصادر التشريع لأنها نقطة خلافية سوف تثير جدلا في الشارع السياسي.
رابعا - نقل التفكير من دائرة الثورة إلي رؤية المجلس الانتقالي ، و يصبح الحوار فيما يقوله المجلس و ليس قيادة الثورة.
خامسا – أن إشارة المجلس لانتخابات مبكرة، هي أيضا أحدى أستراتيجية المجلس الانتقالي في الضغط علي قوى الحرية و التغيير، في اعتقاده أن القوى الغربية و الولايات المتحدة لا يرفضون تسليم السلطة من خلال استخدام إجراءات ديمقراطية. كما أن الإشارة للانتخابات أيضا الهدف إحداث شروخات في قوى الحرية و التغيير خاصة هناك أحزاب لا تمانع في ذلك.
راهن المجلس العسكرى الانتقالي علي تسويف الزمن، و لجأ في التعامل مع قوى الحرية و التغيير باستلاف منهج المناورة العسكرية بهدف كشف مقدرات الجانب الآخر، و مدى تحمله علي الصبر، و قدرته علي المناورة، و مدى تماسك القوى السياسية في أعلان القوى و التغيير، حتى يستطيع أن يبنى أستراتيجيته في كيفية تشكيل مستقبل البلاد. و هذه التحرك لا يغيب عنه الخارج. و السعودية و الأمارات دورهما ليس فقط في الدعم الاقتصادي، و أيضا في التصدي للقوى الغربية و الولايات المتحدة في ضغطها علي المجلس الانتقالي و إعطاءه الزمن الكاف في تحقيق هدف تسليم السلطة للمدنيين بالصورة التي يراها المجلس.
في الجانب الآخر، إذا دخلت قوى الحرية و التغيير في جدل رؤية المجلس العسكري في الوثيقة تكون قد وقعت في فخ "الجدل اليزنطي" و الأمر الذي يجعلها تصرف النظر عن أتخاذ قرارات فردية في قضية السلطة، و الاستمرار في الاعتصام لا يؤرق المجلس العسكري مادام رهانه في لكي يؤدي لحل حسب رؤيته، و هي قضية تحتاج لحكمة في إدارة الأزمة. و نسأل الله حسن البصيرة


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.