انتقلت قوى الحرية و التغيير من مرحلة المناورات التي صاحبت عملية التفاوض مع المجلس العسكري و التي تعثرت في عدم الاتفاق حول النسب و الرئاسة لمجلس السيادة، إلي الفعل السياسي، من خلال إعلانها جدول الإضراب السياسي و العصيان المدني، و الذي أعلنت فيه أن يكون الاضراب السياسي يومي الثلاثاء و الأربعاء القادمين، و كانت منذ فترة و هي تلوح بهذا الكرت، و لكن بإعلان الجدول تكون أنتقلت لمرحلة جديدة من التصعيد السياسي، و هي مرحلة تترتب عليها ثلاثة نتائج، الأولي أن ينجح الأضراب السياسي و يتعطل دولاب الدولة تماما و لا يبقى أمام المجلس غير تسليم السلطة بشروط قوى الحرية و التغيير، باعتبار أن المجلس لا يستطيع أن يحكم دولة معطلة تماما، أو أن ينجح الأضراب جزئيا و في هذه الحالة يفسح مجالا لتدخل وساطة تحاول أن توفق بين الطرفين، لكن سوف تجعل المجلس العسكري يتمسك برؤيته، أما إذا استطاع المجلس العسكري أن يكسر الأضراب باستخدام عناصر الدولة العميقة، سوف يفرض المجلس شروطا جديدة لعملية التفاوض و تعديل ما كان قد أتفق عليه من قبل.

في الوقت الذي أعلنته فيه قوى الحرية و التغيير إضرابها السياسي ، يحاول المجلس العسكري أن يظهر إنه غير مكترث لعملية التصعيد و استخدام سلاح الإضراب السياسي، حيث قال الناطق باسم المجلس العسكري الانتقالي الفريق شمس الدين الكباشي في تصريح " لجريدة السوداني" الصادرة أمس الجمعة 24/5/ 2019م "إنه من حق قوى الحرية والتغيير تبني التصعيد الثوري إنّ كانوا يرون ذلك. و نحن لا نمنعهم من ممارسة حقوقهم الثورية" و يعني هذا القول: أن المجلس العسكرى لديه التحوطات لمواجهة الإضراب السياسي، و تراجع المجلس العسكري عن عملية تجميد النقابات واحدة منها، و الزيارات التي كان قد قام بها حميدتي لعدد من المنشأت تدل أن المجلس كان متحسبا لهذه المرحلة من التصعيد، لذلك قد لوح بعدد من الخيارات التي سوف يلجأ إليها، إحداها الشروع في عملية الإعداد لانتخابات عامة في البلاد، و هي العملية التي ترفضها قوى الحرية و التغيير، و لكنها مقبولة للاتحاد الأفريقي و الاتحاد الأوروبي و الولايات المتحدة الأمريكية، و يراد بها تحييد الخارج تماما. و لا تستبعد زيارة نائب رئيس المجلس للسعودية بهدف زيادة الدعم الاقتصادي و أيضا حث السعودية من أجل الدعم الدبلوماسي الخارجي في حالة التصعيد من قبل قوى الحرية و التغيير.
في جانب آخر طرح الصادق المهدي زعيم حزب الأمة مبادرة، تتمحور في "تكوين مجلس السيادة بأغلبية مدنية ورئاسة عسكرية، واعتبر الخطوة مهمة لوقف التصعيد العدائي بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، كما دعا المهدي شركاءه في قوى الحرية والتغيير لتأكيد وحدتها وتقديم صيغة حازمة وواقعية في التعامل مع العسكريين" و الفقرة الآخيرة تؤكد أن المهدي غير راض علي عملية التفاوض، و كان عليه أن يوضح ماهية " الصيغة الحازمة و الواقعية" و أيضا تحدث المهدي عن ميثاق شرف بين قوى الحرية و التغيير و الجيش، الأمر الذي يؤكد أن تعدد المبادرات تؤكد محاولات البعض للبحث عن آداة لاختراق الأزمة. حديث المهدي يشير أن هناك جدلا غير معلن داخل قوى الحرية و التغيير، كان الحزب الشيوعي السوداني أشار إليه في بيان سابق محاولات الهبوط الناعم. و في المقابلة التلفزيونية "بقناة الخرطوم" قال وجدي صالح الذي قدمه مقدم البرنامج بأنه أحد قيادات قوى الحرية و التغيير قال "إنهم في انتظار وساطة لكي تكسر حالة الجمود في التفاوض" و في ذات الوقت كان محمد حمدان دقلو " حميدتي" قال في حديثه في كوبر " إن قوى الحرية و التغيير تريد السلطة و تريدنا أن نرجع لسكناتنا و الله لن نرجع لسكناتنا و نحن شركاء معهم" و قال أيضا "ما عندنا مانع من قيام انتخابات بعد شهر أو شهرين حسب الاتفاق، و بعدها سوف نرجع لسكناتنا" هذا يؤكد أن المجلس العسكري لن يقبل بأي مبادرة عن مجلس السيادة لا تكون فيها نسبة العسكريين هي الأعلي مع الرئاسة.
بإعلان قوى الحرية و التغيير الأضراب السياسي تكون قد حسمت موقفها في عملية التصعيد السياسي و أن تستخدم آخر كرت ضغط لها ضد المجلس العسكري الانتقالي، و الدخول في مواجهة أعلي تحتاج إلي تعبئة كبيرة و محسوبة لنجاحها، و تتأكد عدم كسر الأضراب من أي قوى آخر، حتى تنجح عملية الضغط، و أي تراجع عن الوقت المحدد سوف يضعف موقفها في التفاوض، و تكون قد أوصدت الباب تماما أمام أي مناورة سياسية، و المجلس العسكري رغم إنه سوف يحاول أن لا ينجح الاضراب السياسي لكنه لا يستطيع أن يبني رؤية جديدة إلا بعد معرفة نتيجة الاضراب السياسي. و بعد الاضراب السياسي سوف تغيير طبيعة التفاوض القادمة، و تتحدد علي ضوئه شروط جديدة مغايرة، و يأخذ التفاوض منحى مخالفا تماما لما كان سائدا. و نسأل الله حسن البصيرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.