الإعلام أحد عوامل أستمرار الثورة المضادة، من خلال تقديمه برامج الغرض منها تعضيد ثقافة التأمر في البلاد و تخريب صورة الثورة.

واحدة من إشكاليات المجلس العسكري الانتقالي إنه يعتمد علي مستشارين ما يزالون يفكرون بذات الأفق السياسي الذي قاد البلاد إلي الفشل طوال الثلاثين عاما، و كان هؤلاء عاجزون أن يتجاوزوا ثقافة الشمولية باعتبارها الثقافة الوحيدة التي كانت سائدة، و معروف أن الإعلام يمثل أهم الأعمدة الأيديولوجية في النظم الشمولية، و تحاول السلطة توظيفه التوظيف الذي يخدم أجندتها، و دائما هذا التوظيف تخدمه العناصر الإعلامية الضيقة الأفق، و الغير قادرة علي الابتكار و الإبداع، فهي عناصر تنفذ فقط ما يملأ عليها من مؤسسات ليس لها علاقة بالعمل الإعلامي و لكنها تسيطر علي مفاصل العمل الإعلامي، و هذه المؤسسات تفرض أجندتها علي هذه الوسائل، هذا الذي كان سائدا في نظام الإنقاذ منذ وقوع الإنقلاب، الآن بدأت ترجع ذات البرامج غير المدروسة جيدا و تعكس سياسة التأمر علي الآخرين، بعد أن ابتعدت عنه عقب عزل الرئيس في ظل الإجواء الثورية، و هي تحاول الآن أن تبث أفكارا مضادة لعملية التحول الديمقراطي في البلاد، هذا التحول الذي حصل من خلال تعين قيادة جديدة في الهيئة القومية للإذاعة و التلفزيون، مسؤول عنه المجلس العسكري، لأنه هو الذي أتي بهذه القيادة التي تريد أن تغذي الصراع الدائر لأهداف لا تخدم غير اتباع النظام السابق، لذلك لابد من إعادة النظر فيه إذا كانت بالفعل أن المجلس يؤيد الثورة و التحول الديمقراطي في البلاد.
كان التساؤل وسط الإعلاميين لماذا تم إقالة الأستاذ جمال مصطفي بعد اسبوعين فقط من تعينه من قبل رئيس المجلس العسكري الانتقالي، رغم أن جمال مصطفي ليس منتميا ساسيا و أبن مؤسسة الإذاعة و التلفزيون، و تعين آخر شخص آخر. لكن غلإدارة الجديدة لم تترك فرصة للتفكير عن التغيير في قيادة الإعلام، حيث بدأ بث برامج و صور تحاول أن تشوه من خلالها صورة الثورة السودانية، و تحاول أن تقول أن الثورة التي يطلق عليها ثورة سلمية هي ثورة تخريبية، و أن الاعتصام كان مرتعا لكل الموبغات، هذا الحديث يعكس العقلية التأمرية التي تعملت من خلالها الإنقاذ طوال سنين حكمها.
بث تلفزيون السودان برنامج تحت مسمى " الربيع السوداني" البرنامج إذا نظر إليه بعين مهنية إنه أعد علي عجل، و أن الذين شاركوا في الإعداد ينقصهم الحس الإعلامي السياسي، لأنه ملئ بالمتناقضات، و يدين السلطة أكثر من إدانته لقوى الحرية و التغيير، و يطرح أسئلة مهمة جدا تدين الذين نفذوا الفكرة، و هي فكرة تحاول أن تلوي عنق الحقائق. الهدف من البرنامج يتمثل في الأتي:-
أولا - تشويه صورة الثورة، باعتبارها ثورة تخدم أجندة أجنبية ليس لها علاقة بالوطن، وهي ثورة انحرفت عن طريق شعاراتها، حيث انتشر في ساحة الاعتصام الفساد و المخدرات.
ثانيا – هز و تشويه صور رموز المعارضة، و خاصة في قوى الحرية و التغيير. و أن أغلبية هؤلاء لديهم أجندة أجنبية، و أن سفراء الدول الغربية قد زاروا أغلبيتهم في منازلهم. و أن هؤلاء الذين يتعاملون مع الجانب يريدون أن يحكموا البلاد.
ثالثا – يحاول البرنامج الانتقال من تلقي الأحداث و التفاعل معها إلي الهجوم علي قوى الحرية و التغيير، و من ثم بقية المعارضة، بهدف وضعها في خانة الدفاع و جعلها أن تسرع بقبول ما هو معروض عليها، أو نقل المجتمع لحالة من الانقسام تجعل الفوضى هي الخيار المطلوب.
جاءت القيادة الجديدة للعمل الإعلامي، و هي لا تملك غير المرجعية الثقافية الشمولية للنظام السابق في مجال الإعلام، و التي تحاول أن تملئ تصورات علي الآخرين، و تعتقد أن هؤلاء الذين تخاطبهم مغيبين لا يقدرون علي استعمال العقل، هذا التصور ظهر بصورة واضحة في برنامج " الربيع العربي" الذي أرادت أن تقول من خلاله إن الإعلام قد عاد مرة أخرى للإنحياز للسلطة و يجب أن يكون في خدمتها. و في ذات الوقت أن البرنامج يوضح الأتي:-
1 – من الناحية المهنية. كان الأمل أن يصبح الإعلام حرا يستطيع أن يقدم مبادرات وطنية يخلق من خلاله بيئة جيدة مناسبة للوفاق الوطني، بعيدا عن الانحياز للمجلس العسكري أو للمعارضة بتكويناتها المختلفة، و تساهم في أن ترسخ حرية الإعلام، و لكن القيادة الجديدة التي جاء بها المجلس العسكري هي قيادة لا تستطيع أن تخرج من عباءة الشمولية، و أن تكوينها بأنها عناصر تنفيذية تنفذ ما يملأ عليها فقط. كما أ، أغلبيتهم عناصر جاءت بها سياسة التمكين و الولاء، و تغيب عنها أبسط قواعد المهنية الإعلامية.
2 – من الناحية المهنية البرنامج ضعيف جد غير مقنع، و الأسئلة التي طرحها ترد إليه، باعتبار أن البرنامج يريد أن يغير قناعات في المجتمع، و تغيير القناعة تعتمد علي قوة الأسئلة المطروحة التي تجعل الشخص يجتهد في الإجابة عليها، و لكن البرنامج طرح ذات الأسئلة التي كانت مطروحة علي النظام السابق و عجز عن الإجابة عنها و تتمحور في الأتي:-
أ – المخدرات التي كانت تصل البلاد في حاويات، من المسؤول عنها أليس هو نظام الإنقاذ، و القيادات في المجلس العسكري يتواجد بينهم قيادة في الشرطة و في جهاز الأمن و المخابرات و يعلمون تماما من الذي كان يستورد هذه الحاويات، و هي قضية لابد أن تفتح لأنها مرتبطة بأخلاقيات النظام السابق.
ب – من الذي كان سببا في خروج مئات الآلاف من السودانيين من البلاد إلي دول العالم التي ذكرها البرنامج، أليست هي سياسة النظام السابق الذي فصل عشرات الآلاف من وظائفهم من خلال سياسة التمكين، و جاء بهؤلاء الذين ينفذون هذه السياسة الإعلامية، لكي يحافظوا علي السياسة الشمولية، و في ذات الوقت الانحياز إلي جانب دون الأخر، هؤلاء الذين لا يعرفون ما هو دور الإعلام في التحولات الاجتماعية و السياسية.
ج – أي فكرة تقوم علي الإقناع و تخاطب العقل، يهتم القائمون عليها بأن يقدموا عناصر معروفة في المجتمع و عناصر معروف إنها موضوعية، و لكن البرنامج جاء بعناصر غير معروفة أن كان في مجال الإعلام، أو في مجال السياسة، أو حتى معروفين في مجال الفعاليات الاجتماعية و الفنية، الأمر الذي يؤكد إن الفكرة غير مرحب بها، و يرفضها كل الذين أمنوا بالثورة و شعاراتها، لذلك لم يجد معدي البرنامج غير عناصر غير معروفة لكي تتحدث في البرنامج و علي خجل.
د – أن الذين تحدثوا في البرنامج كانت عيونهم غير موجهة للكميرا، كانت أعينهم مثبته علي الأرض، كأنهم كانوا مجبروين علي ترديد هذا الحديث، و غير مقتنعين به، الأمر الذي يضعف البرنامج من الناحية الفنية، و يشكك أن البرنامج قد تم تنفيذه من جهة آخرى و قدم للتلفزيون، أو أن البرنامج فكرة قيادة التلفزيون و لكن تم تنفيذه خارج مؤسسة التلفزيون.
3 – أن القيادة تريد أن تثبت ولاءها للمجلس باعتباره يمثل السلطة، و الغريب في الأمر بدأت حالة الانحياز منذ الوهلة الأولي أن تثبت براءة قوات الدعم السريع من قتل المعتصمين، و بدلا من إعلان الإنحياز الصارخ كان يقف في جانب الحياد، و الانحياز أفقدالرسالة الإعلامية موضوعيتها، و بالضرورة يصرف الناس عنها، و كانت الإدارة تسعى لمعرفة الحقيقية.
4- أن استقبال قيادات المعارضة لبعض سفراء الدول الأوروبية لا تعني إنهم مستلبين ثقافيا و سياسيا، لكن في أي دولة تشهد تحولا سياسيا، أن الدبلوماسية الغربية و غيرها و التي لها مصالح في السودان تلتقي بالجانبين، و هذه لا تعد سبة، بل تؤكد أن القيادات التي يتم الالتقاء بها هي عناصر مؤثرة في الساحة، و هذه اللقاءات تمت داخل السودان و الأمن يعرف تحركات هؤلاء السفراء، الأمر الذي يؤكد أن العقلية التي أعدت " برنامج الربيع السوداني" عقلية تعاني من قصور سياسي، و ما تزال تعيش في ثقافة المؤامرة التي تعد أبرز ثقافة للشمولية، و هذه لا تنقص من هؤلاء بل تضعف البرنامج تماما لأنه برنامج الهدف منه التشويه، و في ذات الوقت تحاول ترضية المجلس العسكري، لذلك لابد لأعضاء المجلس النظر بموضوعية لمثل هذه البرامج التي تسئ إليهم قبل الآخرين.
أن البرنامج الذي قدمه تلفزيون السودان " الربيع السوداني" ليست أنعكاساته السالبة تعود للإدارة التي وافقت علي بثه، و لكنه ينعكس سياسيا علي المجلس العسكري الانتقالي الذي تؤكد قيادته ولاءها للثورة، و إنها انحازت للثورة. و الانحياز للثورة تعني القناعة بشعارات الثورة " حرية سلام و عدالة" و هي في مجملها تتجسد في تحول ديمقراطي تجعل الأجهزة محايدة و باحثة عن الحقيقية و ليست مشوهة لها، و لكن ما تنفذه إدارة تلفزيون السودان تؤكد أنها تعمل ضد شعارات الثورة، بل تريد أن تشوه صورتها من خلال برامج تؤكد أن العقلية الشمولية لا تستطيع أن تتلاءم مع الأوضاع الجديدة في البلاد، و أنها تحاول أن تخوض في دائرة الاستقطاب.
كان المؤأمل أن يحرص المجلس العسكري أن تتطابق مقولاته مع الأفعال، و أن يقدم لهذه المؤسسات العناصر التي تساعد علي تنزيل شعارات الثورة للواقع من خلال الأفعال، و حتى الصراع بين المجلس العسكري و قوى الحرية و التغيير تسعي أجهزة الإعلام دون أي أنحياز لتقديم الحقائق و المعلومات التي تساعد علي التحليل و بناء القناعات الصحيحة، و تخلق رأي عام في البلاد، و لكن أن تحاول هذه الإدارة إرجاعنا إلي ذات المشهد السياسي في ظل الإنقاذ مسألة غير مقبولة. و نسأل الله حسن البصيرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.