وأحدة من إشكاليات التحولات السياسية التي سوف تواجه عملية التغيير في السودان، هي الانتقال من العقل الأمني إلي العقل الديمقراطي المنفتح، و بمعنى أكثر شمولا التحول من الثقافة الشمولية إلي الثقافة الديمقراطية، و أن كان المقال سوف يقيد ذاته بالعلاقة بين العقل الديمقراطي و العقل الأمني، إلا أن الثقافة لها تأثيراتها المترامية الأطراف، و الإنقاذ ذات الفكر الشمولي لم تمكث فترة قصيرة في الحكم أنما ثلاث عقود، و بالحسابات الاجتماعية هي ثلاث أجيال، تشربوا من هذه الثقافة، و أصبح العقل نفسه يفكر من داخل صندوقها، لذلك سوف يصطدم هذا التحول السياسي بعقبات كثيرة، ليس فقط من قبل القوى المحافظة التي تدافع عن مصالحها التي كان يرعاها النظام الشمولي، بل حتى من قبل القوى الديمقراطية الداعية لهذا التغيير، لأنها نفسها لن تسلم من استبطان جزء من هذه الثقافة الشمولية في ألا وعي. و عملية التغيير لا تتم بين يوم و ليلة، و لكن تحتاج لفترة زمنية لكي تتم عملية تجاوز الثقافة الشمولية، و إحلال الثقافة الديمقراطية محلها.
أن عملية إحلال ثقافة محل ثقافة أخرى تحتاج إلي فترة زمنية، و هذه الفترة لا تخلو من صدام بين الثقافتين، و سوف تتراجع الثقافة الشمولية في ظل البيئة الديمقراطية، و هي فترة تسمح بحوار الأفكار، و تتمدد فيها مساحة الحرية، و يتنعم الجميع في طرح أفكارهم، فتعدد الأفكار و حوارها يعزز البيئة الديمقراطية، و كما قال محمد أحمد محجوب في كتابه " الحرية و الديمقراطية في الميزان" "أن معالجة إشكاليات الديمقراطية يتم بمزيد من الحرية" باعتبار إنها توسع دائرة الحوار، الأمر الذي يساعد الجميع علي إنتاج الثقافة الديمقراطية، في جميع القطاعات المختلفة، و تتوارى فيها الثقافة الشمولية. لذلك القوى المحافظة في أي مجتمع تتخوف من الديمقراطية التي تفرد مساحات واسعة من الحرية، و تحاول النظم الشمولية أن تضيق الحريات و تؤسس العديد من الأجهزة القمعية التي تتحول مهامها إلي مهام سياسية تهدف لمحاصرة الأفكار، و إغلاق كل نوافذ الرآى و الرآى الآخر، كما حدث في الرقابة القبلية و البعدية للصحافة، من قبل جهاز الأمن، حيث تعرضت الصحافة لحملة شرسة من قبل جهاز الأمن في عملية مصادرة الصحف، و الغريب في الأمر أن المصادرة تتم بعد الطباعة حتى تتعرض المؤسسة الصحفية لخسائر مادية، بهدف الضغط علي المؤسسات، و أن تطوع الصحف نفسها لكي تخدم ما يريده الجهاز، الذي يحاول أن يرضي شخصا واحدا في الدولة.
كان نظام الإنقاذ من النظم السياسية الشمولية التي تمارس كل إنتهاكات حقوق الإنسان و القمع بكل أنواعه، فكانت في فترة الإنقاذ تتقدم الأجندة الأمنية علي الأجندة السياسية وآخرى، الأمر الذي جعل السلطة تعطي صلاحيات أكبر لجهاز الأمن و المخابرات، و هذا الجهاز الشبه عسكرى الذي كان عليه أن يهتم بقضايا أمن الوطن و كشف المؤامرات و تقديم المعلومات للسلطة التنفيذية لإتخاذ القرار فيها، أصبح الجهاز هو الذي يمارس صلاحيات المؤسسات المدنية السياسية، و تضخمت مهامه، و هو لا يملك غير أدوات القمع، لذلك لا يستطيع أن يتعامل مع آدوات سياسية ليست من أختصاصه، لذلك كانت الأجندة الأمنية هي المسيطرة في النظام الشمولي، الأمر الذي جعل الجهاز يتضخم و يتوسع، لأنه كان يريد أن يخترق كل مكونات المجتمع في العاصمة و بقية الأقاليم، و تضخم الجهاز و توسيع مهامه كان لابد أن تتوسع معه ميزانية الأمن، بل يذهب أكثر من ذلك إلي تكوين شركاته الخاصة و يدخل في الشأن التجاري بكل تفاصيله، و التوسع في الأعمال التجارية كان لأبد أن يفتح ثقوب لدخول الفساد الذي طال بعض قيادات الجهاز التي قدمت للمحاكمة، و إرجاع الجهاز لوضعه الطبيعي بالضرورة سوف يتعرض إلي إعادة الهيكلة و التقليص.
أن توسع دائرة مهام الجهاز التي تمددت إلي العمل السياسي، كان لابد أن تخلق العقل الأمني في كل المؤسسات المدنية و غير المدنية، باعتبار أن الجهاز أصبح هو الحاكم الفعلي في النظام الشمولي، و أصبحت الأجندة الأمنية هي المسيطرة علي التفكير في الشأن العام، الأمر الذي كان لابد أن يؤدي إلي تقليص مساحة الحرية، و تغيب الممارسات الديمقراطية، و منع الرآى الآخر، ليس الرآى المعارض للنظام، بل حتى الرآى داخل الحزب الحاكم، حيث تقلصت الحرية داخله و أصبح الرآي لشخص واحد فقط، و طرد الدكتور غازي صلاح الدين و مجموعته من الحزب الحاكم خير دليل، و أيضا يخلق العقل الأمني حالة من الشك حتى في كل الذين يمسكون بالعديد من الملفات في النظام، و أعتقال صلاح قوش و أتهامه بأنه يدبر في عملية إنقلابية خير دليل أن يطال الشك حتى مدير الجهاز، فالكل يشك في بعضه البعض، ثم جاءت إقالة علي عثمان محمد طه و الدكتور نافع علي نافع، كقيادات لها وضعها الخاص في النظام لتؤكد هذا الشك و فردية القرار، و يتم كل ذلك لأنه تفكير يتم من خلال الأجندة الأمنية.
و العقل الأمني في النظام الشمولي يختلف تماما عن العقل الأمني في النظم السياسية الآخرى، في النظام الشمولي عقل يتعامل في دائرة ضيقة جدا، لأن السلطات في النظام الشمولي هي نفسها مقيدة و محصورة في شخص واحد أو قل،ة من الأفراد، لذلك لا يستطيع المرء لا يستطيع أن يفكر خارج صندوق الأجندة الأمنية، و العقل الأمني دائما تجده محصورا في التفكير الذي تشتم منه رائحة المؤامرة، لآن المواطن و السياسي و المثقف متهمين باستمرار حتى تثبت براءتهم. في النظام الديمقراطي الأجندة الأمنية ليست هي الأجندة الرئيسية، و لكنها تتداخل حسب تطور الأحداث في البلاد أو المحيط الأقليمي و الدولي، و العقل الأمنى عقل منفتح لأنه يتفاعل مع المناشط العامة في الدولة، و هو عقل يدرك دوره في أداء مهامه، لذلك لا تتدخل أجهزة الأمن و المخابرات في النشاط السياسي و الاجتماعي، إلا كأفراد في المجتمع لهم أهتماماتهم الخاصة، لذلك في الدول الديمقراطية لا ترى وجود لأفراد الأمن و لا تسمع عن عملهم كثيرا إلا في حالات ترتبط بأمن البلاد. لذلك يصبح أمن البلاد مسؤولية الجميع، و لا تجد هناك إتهامات بأن هؤلاء أو }لئك عملاء لجهاز الأمن، و العقل الأمني محصور في دوره الأمني و لا يتمدد ليدخل ساحات أخرى مثل السياسة و الثقافة و الاجتماع و غيرها.
أن تقدم الأجندة الأمنية علي الأجندة الآخرى لا تؤثر فقط علي الممارسة السياسية أنما تؤثر علي كل دولاب الدولة حتى علي طريقة التعين و التوظيف، الأمر الذي يجعل كل الذين يرغبون في التوظيف يتجنبون العمل السياسي أو إبداء الأراء في أي قضية من القضايا حتى لا تغضب عليهم الجهاز تؤثر مستقبلا في توظيفهم، فالإعلام الذي يمارس دوره الآن باعتباره يميل للمجلس العسكري هو من مخلفات العقل الأمني الذي فشل أن بستوعب عملية التغيير في المجتمع. و سوف يستمر في هذه المهمة لأن الصراع مايزال مستمرا، و حتى إذا كونت حكومة مدنية كما ترغب قوى الحرية و التغيير مبرأة من كل عيب لا يعني أن القوى المحافظة و أتباع النظام السابق سوف يستسلمون، بل سوف يستمرون في عملية التحدي، و كل ما توسعت دائرة الحريات و الممارسة الديمقراطية، يشعرون بالهزيمة، فالمعركة سوف تطول و لكن نفاجات هواء الحرية هي التي تكتم أنفاسهم و يتوارى تدريجيا العقل الأمني. و نسأل الله حسن البصيرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.