أن الأتفاق السياسي الذي وقعته قوى الحرية و التغيير و المجلس العسكري، رغم الرؤى المختلفة حوله، لكنه يمثل خطوة إيجابية في الخروج من المآزق السياسي الذي تشهده البلاد، إذا كان الكل يتحدث عن تفاوض تم بين جانبين، فالتفاوض لكي يصل فيه المتفاوضان إلي أتفاق يجب أن يقدما تنازلات تسهل عملية الأتفاق، و دائما في العملية التفاوضية يبني المتفاوضان رؤاهم علي الأشياء المشتركة بينهما، مثل قضية التحول الديمقراطي، فالطرفين متفقين عليها، و هي تحتاج إلي مطلوبات ضرورية، أولها تفكيك دولة الحزب الواحد و كل المؤسسات الداعمة إلي النظام الشمولي، و حتى الثقافة الشمولية التي تأسست عبر التراكمات لمسيرة النظام الشمولي تحتاج لتغيير، باعتبارها تمثل القاعدة الرئيسية لعملية التفكير السياسي التي يرتكز عليها دعاة الشمولية، و تمثل عائقا لعملية التحول الديمقراطي، و هذه لا تتم فقط بإجراءات إدارية أنما من خلال نشر الفكر الديمقراطي و الممارسة المستمرة التي ترسخ القيم الديمقراطية. ثانيا العدالة و هي مطلوبة لتقديم كل الذين ارتكبوا جرائم جنائية في حق البلاد و الذين استغلوا ثروات البلاد إلي منافع ذاتية أو حزبية، و كل المفسدين في كل المؤسسات، من خلال نظام قضائي عادل، و هذا بالضرورة تحتاج إلي إصلاح يجري في المؤسسة القضائية، و عدم زجها في العمل السياسي، و ثالثا الإصلاح الاقتصادي بما يتلاءم مع فكرة الديمقراطية و حل مشاكل الناس الحياتية، و هي تحتاج إلي تغيير في السياسة الاقتصادية و هيكلتها. و غيرها من المطلوبات، و الاتفاق السياسي الذي تم بين الجانبين لا يشير إلي أن قوى الحرية و التغيير قد تنازلت تنازلا يضر بشعارات الثورة بل الاتفاق يعزز هذه الشعارات، و كان الأمل أن يلتف حولها الجميع لإنجاز الوثيقة الدستورية المهمة التي تحقق كل هذه المتغيرات.

و لكن قبل أن يجف حبر الاتفاق، كان هناك رفض لقوى من داخل قوى الحرية و التغيير ترفض الاتفاق و تعتقد إنه لا يلبي مطالب الجماهير، و كان الرفض أن يكون داخل منظومة التحالف قبل التوقيع، و الرافضون يعتقدون أن الاتفاق ذهب عكس الاتجاه المطلوب. واحدة من إشكالية العمل السياسي في السودان، أن الأحزاب السياسية دائما تستلف لسان الجماهير، و تؤكد به إنها وحدها التي مؤتمنة علي حقوق الجماهير دون الآخرين، و معلوم تماما أن النخب السياسية المنظمة حزبيا هي التي تلقن الجماهير الشعارات التي تعبر عن رغباتها الحزبية، فالجماهير الثائرة، هي جمع غير منظم لكي يتفق علي مطلوبات بعينها، لكنها تثير علي الواقع الذي يؤثر علي معيشتها و سوء الخدمات و المظالم التي تصنع من قبل النظم السياسي، لذلك تتدخل النخب السياسي و تقودها بشعارات تريدها هي تتلاءم مع تطلعاتها السياسية، و بالتالي يجب ديمقراطيا عندما تصدر البيانات أن لا تنسبها بأنها رغبة الجماهير، أنما تجعله يعبر عن رؤيتها الحزبية التي تعتقد إنها الصائبة.
و مثالا لذلك البيان الذي أصدره المكتب السياسي للحزب الشيوعي و يؤكد فيه رفضه للاتفاق علي الوثيقة السياسية، و يقول فيه " أن الاتفاق لا يرق لتضحيات الشعب الممهورة بالدماء، و لا امواكب مليونية 30 يونيو و 13 يوليو التي أكدت علي المدنية الكاملة للحكومة الانتقالية" و أضاف البيان " نؤكد رفضنا لهذا الاتفاق و التمسك بمواثيق قوى الحرية و التغيير و مواصلة النضال و التصعيد الجماهيري السلمي بمختلف الأشكال حتى تحقيق أهداف الثورة و الانتزاع الكامل للحكم المدني الديمقراطي" و هنا يستلف الحزب الشيوعي لسان الجماهير و يحاول أن يبين أنه وحده هو الذي يعبر عن حقوقها. و رغم أن الحزب الشيوعي يريد أن يتعامل مع الجميع من خلال الديمقراطية المركزية التي تحد من نمو و تطور الديمقراطية داخل مؤسسته الحزبية. إذا يريد الحزب الشيوعي أن يقول في بيانه هو متحفظ علي بعض الأشياء، و هذه ممارسة ديمقراطية خاطئة. أن تحفظك يجب أن يكون داخل اجتماع قوى الحرية و التغيير و تلتزم خارجيا بالقرار الذي أتخذ بالإجماع. و لك كل الحق أن تبشر بالفكرة داخل منظومة التحالف حتى يتبنى رؤيتك أو تخرج من دائرة التحالف، و لكن هذه ممارسة جديدة للعمل الديمقراطية نابعة من ثقافة الديمقراطية المركزية، التي تعطي للمكتب السياسي أن يتخذ ما يعتقد هو الصواب دون الالتزام بالحوارات التي كانت قد جرت داخل المنظومة الحزبية. و أيضا البيان لم يوضح للجماهير أين فارق الاتفاق مواثيق الحرية و مطالب الجماهير. و الزملاء يعلمون تماما أن المدنية الكاملة تأتي بعد الانتخابات التي تختار فيها الجماهير ممثليها، و يرجع العسكر لسكناتهم، دون مشاركة لهم في أي عمل سياسي، و مهمة الفترة الانتقالية تهيئة البيئة التي تكتمل فيها مدنية الحكم.
و في محطة أخرى؛ خرج علينا صديقي محمد عصمت يحي الفضلي القيادي في تجمع الاتحاديين و قوى الحرية و التغيير بالقول "أن الاتفاق رغم أنه يحتوى علي إيجابيات و سلبيات إلا أنه يعد اتفاقا ملغوما، يمكن أن ينفجر في أي وقت" أن الحديث الناقد من قبل قوى سياسية و قيادات في قوى الحرية و التغيير للاتفاق علي الوثيقة السياسية، يطرح سؤلا مهما هل داخل هذا التحالف هناك قوى لها القيادة و هي التي تقرر في كل شيء دون الآخرين، و البقية يعملون ككمبارس فقط يعلقون بعد معرفة النتائج؟ هذا الحديث الناقد ليس تبرير لمواقف، بقدر ما يؤكد أن هناك خلالا داخل هذا التحالف. هل هناك قوى ممنوعة للمناقشة و الحوار و الإسهام في عملية الوصول لموقف موحد داخل التحالف يمنع الخروج بالرآى خارج دائرة التحالف لكي يظهر التحالف بأنه هش. لماذا لم يشير السيد عصمت للغم قبل توقيع الاتفاق لكي يجنبه من الانفجار؟ لكن عصمت من خلال الحديث يقول أننا في قوى الاجماع لنا ملاحظات. و الإشارة لها مغزاها، باعتبار أن قوى نداء السودان هي التي دفعت الجميع للاتفاق، و هذه إشارة سالبة في الوقت الذي تدخل قو الحرية و التغيير في مفاوضات آخرى مع المجلس العسكري حول الوثيقة الدستورية التي تحدد المهام و الصلاحيات و هي مفاوضات تحدد بالفعل إذا كان المجلس العسكري يتفق مع الآخرين في عملية التحول الديمقراطي أم له رؤية مخالفة. باعتبار أن فكرة التحول الديمقراطي لها مطلوبات تشكل عصب الشعارات الجماهيرية التي أشار إليها الحزب الشيوعي في بيانه.
أن التفاوض عندما يجري في بيئة فيها العديد من الاتهامات و التوجسات بين الجانبين المتفاوضين، يجعل الطرفين في حالة من التشدد و تمسك كل طرف برؤيته، و لكن محاولة تحسين بيئة التفاوض و عدم توزيع الاتهامات، و أن المقصد هو من أجل خلق سلام و استقرار سياسي و اجتماعي في البلاد، و أن الكل يعمل من أجل مصلحة الوطن و المواطن يكسر من حدة التطرف في المواقف و يسهل عملية الوصول إلي اتفاق يعزز فيه الوطن و المواطن، و الكل يجب أن تكون تصرفاته و ممارساته علي أسس ديمقراطية سليمة، إذا كان الكل يعمل من أجلها. نسأل الله حسن البصيرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.