يعتبر القلق أحد أركان الفلسفة الوجودية التي كان قد نظر لها الأديب و الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، باعتباره آداة من أدوات التفكير تتغير فيه الأسئلة و الإجابات باستمرار، و القلق يصاحب المشتغلين بالعمليات الفكرية كلما تتغير الأوضاع القديمة، و تأتي أوضاع جديدة تثير أيضا حالة من القلق، فالنتائج الإيجابية و السلبية كلتيهما تخلقا قلقا جديدا، و هو العامل الذي يدفع للبحث عن التطور و عملية التغيير الاجتماعي. و بالضرورة تكون الثورة في السودان واقعة في هذه الحالة، و القلق يعتري النخب التي تقود الثورة و تنظر لها، و تحاول أن تقودها للنهايات التي ترغب فيها، و تسقطها علي الثوار، فالشباب الثائر رغم قد أظهر وعيا سياسيا لكنه محدودا، و إلا كان هؤلاء قد صنعوا تنظيمهم الذي يعبر عن شعاراتهم الجديدة. و في الحراك الشعبي الثائر أيضا تتدخل القوى السياسية و المنظمة من خلال خبراتها السابقة و مشروعاتها السياسية المتباينة، لكي تفرض تصوراتها و رؤاها تحت مسمى إرادة الثور و شعارات الثورة التي صنعت من قبل هؤلاء النخب.

أن الصراع السياسي بين القوى السياسية في السودان سوف يستمر و يزداد كلما أقترب الجميع من عملية التحول الديمقراطي، فالوصول إلي أتفاق بين قوى الحرية و التغيير و المجلس العسكري ليس هو نهاية الصراع السياسي، بل هو بداية للصراع السياسي الحقيقي للقوى السياسية، لآن كل قوى سياسية لها مشروعها السياسي الخاص، و ترتب أولوياتها و تكتيكاتها وفقا لمشروعها، و إلتزام القوى المتصارعة باللوائح و القوانين التي تم الاتفاق عليها هو الذي ينتج الثقافة الديمقراطية التي تشكل الأرضية التي يقوم عليها النظام الديمقراطي، و كل ما كانت الأرضية راسخة و قوية هي التي تشكل آداة قوية لحماية النظام الديمقراطي، و الصراع الديمقراطي و إجراءاته هو الذي يؤدي إلي فرز حقيقي للقوى السياسية، و يبين القوى التي لها حاضنة أجتماعية، و هي التي سوف تواصل مشوارها السياسي، و يبين أيضا القوى التي لا تملك أي قواعد علي الأرض، و هي القوى التي لن تستطيع الإستمرار، و في مسيرة الديمقراطية كل يوم يتم تصفية للقوى التي صنعت صناعة، لأنها لا تستطيع السباحة في الأمواج العالية.
الحقائق التي يجب أن يعرفها الجميع، أن الصراع السياسي حول الرؤى و التصورات لتشكيل المشهد السياسي في النظام الديمقراطي قد بدأ منذ بداية الثورة، من خلال الشعارات المرفوعة و كتابات العديد من الكتاب، كل فصيل يحاول أن يكيف الثورة وفقا لمشرعه السياسي. الحقيقة الأولي أن الشباب بالفعل استطاع أن يثور ضد الأوضاع المعيشية و ضيق الحال و سوء الخدمات، و ثورة الشباب اندلعت بعيدا عن بوابات الأحزاب السياسية، و الثورة قد شكلت وعي جديد في الشارع، و لكنه ليس بالوعي الذي يؤدي إلي خلق تنظيمات جديدة تعبر عن هذا الوعي الجديد، بل كان وعيا للتمييز بين الأستمرار في النظام السابق و الاستجابة لمقولات الإصلاح التي كان الحديث عنها في خطاب السلطة، و بين التغيير الكامل الذي يخلق واقعا جديدا، يؤدي إلي تغيير كل الرموز السياسية التي قادت البلاد للفشل و الفساد، الحقيقة الثانية أن القوى السياسية استطاعت الاستفادة من الواقع الجديد و تقدم شعاراتها السياسية التي تقود الثورة للتقارب مع مشروعاتها السياسية، لذلك نشط الكتاب المنتمين بقوة، كل يحاول أن يناصر المشروع السياسي الذي يمثله، و في ذات الوقت ينقد مشروعات الآخرين و تصوراتهم، الحقيقة الثالثة أن سدنة النظام السابق سيظلون يشكلون تحدي لهذا التغيير و إجهاضه من خلال أدوات عديدة. و الحقيقة الرابعة أن الثقافة التي خلفها النظام أيضا سوف تلعب دورا في تعطيل العديد من الأفكار الجيدة. و الحقيقة الخامسة أن الحركات المسلحة أيضا سوف تشكل تحدي لعملية التحول الديمقراطي، باعتبارها قوى كان أولويات أجندة التغيير عندها هو الكفاح المسلح، ليس للتغيير السياسي فقط أيضا أن تفرض شروطها علي الآخرين، و بعض قياداتها ما تزال تؤمن بمبدأ المحاصصة، الأمر الذي يخلق تحديا حقيقيا للثورة و شعاراتها. الحقيقة السادسة أن كل قوى سيسية لا تتحدث بلسانها و لكنها تحاول أن تؤكد أنها هي الفئة الناجية وحدها التي تعبر عن الجماهير و مصالحها، و بقية القوى الآخرى تعبر عن مصالحها الحزبية فقط، و التي تتعارض مع مصالح الجماهير. الحقيقة السابعة أن العديد من القيادات السياسية حتى الأن فشلت أن تقرأ الواقع قراءة صحيحة، بأن التحولات في أي مجتمع تفرز العديد من الآراء و هي تحتاج إلي مزيد من الحوار، و ليس محاولة فرض رآى علي الآخرين، هؤلاء نسو أن الديمقراطية قد بدأت و عليهم أن يقدموا رؤيتهم و ليس محاول فرضها.
الحقيقة الجوهرية أن نظام الإنقاذ يختلف تماما عن النظم العسكرية السابقة، باعتباره نظاما عقائديا استطاع أن يخلق العديد من المليشيات العسكرية، و أن يجعل المؤسسات القمعية " القوات المسلحة – الشرطة – جهاز الأمن و المخابرات" مغلقة علي آهل الولاء، كل هذه تشكل تحديا حقيقيا لعملية التحول الديمقراطي، خاصة أن سدنة النظام الذين ارتبطت مصالحهم بهذا النظام ليس فئة قليلة، بل هم موزعين في كل مفاصل الدولة، التي تحتاج إلي التفكير العقلاني و الحكمة، التي تساعد مستقبلا في تفكيك دولة الحزب الواحد إلي الدولة التعددية، و هي تحتاج لتكاتف و وحدة القوى الداعم لفكرة التحول الديمقراطي و العبور بالفكرة لبر الأمان دون محاولة لفرض الرؤى الأحادية. و دعمها من خلال كتاب يميلون لتقديم نصائح ريديكالية تشكل خطرا لوحدة تماسك القوى المنادية بعملية التحول الديمقراطي.
الحقيقة المهمة التي يجيب أن يتم الوعي بها. أن عملية التحول الديمقراطي لثورة ديسمبر تحتاج لذهنية جديدة، و أفكار جديدة، تتجاوز العقليات التقليدية التي فشلت أن تكون هناك سلطة قادرة علي خلق أوعية للتنمية في البلاد، و فشلت أيضا أن تخلق معارضة قوية قادرة أن تقدم تصوراتها التي تقنع بها الشارع، و لذلك الثورة أحدثت خضة كبيرة داخل المجتمع، تجعل عملية التفكير تحتاج لسبر عمق المشكل و ليس التعامل السطحي، و ما عاد هناك دورا لعملية الاستهبال السياسي التي كانت منتشرة منذ الاستقلال حتى قيام ثورة ديسمبر. فالكل يتحدث عن وعي جماهير تجسد في الثورة، و رغم ذلك يريد أن يتعامل مع هذا الوعي الجماهيري بذات العقلية التقليدية في العمل السياسي. أن المعركة السياسي سوف تبدأ بعد الاتفاق و تشكيل هياكل السلطة لذلك لابد أن تكون صدور القيادات السياسية واسعة و الذهنية مفتوحة، لأن المعركة السياسية القادمة مفتوحت النوافذ و الأبواب و الكل سوف يشارك فيها باعتبار أن الجميع يمتلك الآلة التي تساعده علي تقديم أفكاره عن كل شيء حتى في القيادات التي أحتكرت قمة هرم أحزابها. و نسأل الله حسن البصيرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.