أن نظام الإنقاذ السابق هو أكثر النظم السياسية التي مرت علي حكم السودان و شكل تحديات ضخمة علي القوى السياسية في حقول "السياسية و الاقتصاد و الثقافية ، من خلال الانتهاكات لحقوق الإنسان، و التضييق في الحريات، و أنتشار الفساد في كل مفاصل الدولة و خاصة وسط قياداتها، السيطرة الكاملة للمؤسسات القمعية علي شأن الدولة، و تدخلها في كل شأن سياسي و ثقافي و اقتصادي و إعلامي و غيرها. هذه التحديات قد أفرزت أدوات عديدة لمواجهة تحديات السلطة إذا كانت فردية أو جماعية و تحالفية و غيرها، و أيضا كان البحث عن آدوات جديدة غير مجربة ربما يكون مفعولها أقوى من سابقاتها. فكانت الآدوات المختلفة للمعارضة " من معارضة سياسية سلمية و كفاح مسلح" قد أضعفت النظام و جعلته يبحث عن حلول، و لكنه كان يبحث عنها بشروطه هو و ليس بشروط الوطن، لذلك جعل قمة أجندته أجندة أمنية يصاحبها استعمال آلة القمع و ليس العقل للخروج من مآزقه العديدة، في عهد الإنقاذ تعطل العقل تماما أمام مغريات الدنيا، و غاب وسط النخبة الحاكمة العقل الناقد إما بسبب الخوف من البطش أو الحفاظ علي المكتسبات الخاصة، لذلك كان البحث عن آليات جديدة و عقل جديد يفكر في كيفية استقطاب الشارع.
في سياق البحث عن آليات فاعلة تستطيع أن تشكل ضغطا علي النظام، كان قد قدم الدكتوران فاروق محمد إبراهيم و المرحوم أمين مكي مدني محاضرات عن "القوى الحديثة" في "منتدى الحوار الوطني الديمقراطي بالقاهرة" في النصف الأول من تسعينات القرن الماضي، حضرها أغلبية قيادات التجمع الوطني الديمقراطي الذي كان يقود المعارضة سياسيا و عسكريا ضد النظام في تلك الفترة. كان تركيز المتحدثان علي؛ ما هو دور القوى الحديثة في عملية التغيير السياسي و الاجتماعي في السودان؟ و كيف يتم تعبئة القوى الحديثة لكي تقود هذا التغيير من خلال شعارات جديدة تتجاوز شعارات الماضي التي أرتبطت في ذهن الجماهير بالفشل؟ كانت المحاضرات تقدم العديد من الأسئلة لكي تفتح الذهن لتشكل وعيا جديدا في المجتمع، يتجاوز طريقة التفكير السائدة التي حصرت نفسها في عمليتي " الإضراب السياسي و الكفاح المسلح" فكان الدعوة للقوى الحديثة أن تفكر بجدية في كيف تستلم زمام المبادرة إذا كان ذلك داخل المؤسسات الحزبية، أو في منظمات المجتمع المدني. باعتبار أن العقليات التقليدية التي ساهمت في الفشل في البلاد بدرجات متفاوته، ماتزال هي التي تتصدر المشهد السياسي و بذات التفكير التقليدي، و لكي يتم تجاوز هذه التقليدية، لابد أن تتقدم في الساحة السياسية قوى جديدة لها مشروعها اليساسي المغاير.
فالرهان علي القوى الجديدة، هي دعوة للتمرد علي القديم و خاصة علي طريقة التفكير، و محاولة لكسر الحاجز النفسي عند الشباب لكي يتقدم و يتصدر عملية التغيير، باعتبار أن القوى الجديدة هي التي تقود عملية التغيير، و هي فكرة أرسطو الذي كان يعتقد من خلال رؤيته الفلسفية أن الأجيال الجديدة هي وحدها القادرة علي أن تحدث التطور الحضاري في مجتمعاتها لأنها تملك رؤية ثاقبة و فكر يستطيع به أن يخترق العديد من المجالات السياسية و الثقافية و الفنون و غيرها من الإبداعات الإنسانية التي تنشط العقل و تطلق الخيال لكي يشكل تصوراته. و إذا تتبعنا مسيرة الثورات في السودان من المهدية حتى ديسمبر 2019 م نجد أن القوى الجديدة هي التي استطاعت أن تصنع هذه الثورات، في الثورة المهدية كان محمد أحمد المهدي يمثل تيارا جديدا و رؤية جديدة و كان من الجيل الجديد في المجتمع، و أيضا في ثورة 1924م كان أبطال الثورة علي عبد الطيف و رفاقه يمثلون جيلا جديدا من الطبقة الوسطى، و أكتوبر أنطلقت من ساحة جامعة الخرطوم لأنها كانت تعبر عن بؤرة الوعي و القوى الحديثة في ذالك الوقت في المجتمع، و أيضا أبريل صنعها التجمع النقابي الذي كان يمثل القوى الجديدة في المجتمع. و جاءت ديسمبر محمولة أيضا علي أكتاف القوى الحديثة من الشباب، و أختلافها عن الآخريات أن الشارع جميعه كان مستوعبا عملية التغيير، و قدم هؤلاء الشباب تضحيات تؤكد أصرارهم علي التغيير مهما كان الثمن.
كان الدكتوران " فاروق محمد إبراهيم و أمين مكي مدني" يراهنان علي أن التغيير في السودان سوف يتم علي يدي القوى الحديثة، باعتبارها القوى صاحبة المصلحة في التغيير. و بالفعل كان التغيير نموذجيا باعتباره تم علي يد القوى الحديثة " الشباب من الجنسين" و في نفس الوقت كان تغييرا يمثل القوى الحاملة الوعي وسط هؤلاء الشباب، و تبين ذلك في شعارات الثورة التي كسبت الاحترام داخليا و خارجيا فكانت الشعارات " سلمية سلمية" و "حرية سلام و عدالة" تعكس وعي الشباب و كانت سببا في استقطاب أغلبية الشارع السوداني، بل أستطاعت أن تحاصر النظام الذي شلت كل قدراته علي الموجهة السياسية رغم سيطرته علي كل الوسائل الإعلامية و الأجهزة القمعية. حيث استطاع هؤلاء الشباب أن يوظفوا وسائل الاتصال الاجتماعي توظيفا بارعا في ملأ الفضاء بشعارات و معلومات الثورة و بعثتها في كل أقاليم السودان المختلفة. الأمر الذي يوضح أن القوى الحديثة لها تأثيرها القوي علي الشارع.
أستطاعت القوى الحديثة أن توظف حالة الفقر و التردي الاقتصادي و آليات القمع المستمر ضد المعارضين في مناهضة النظام، وجعلتها أن تكون المحرك لغضب الشباب ليس في مدن بعينها بل انتفض الشباب في كل مناطق السودان، بعد ما تأكد لهم أن وحدتهم و التمسك بشعاراتهم هي قوة لا تقهر، و هؤلاء ليس بقوى عشوائية، بل أغلبيتهم من المتعلمين و المثقفين لذلك كانت الثورة ثورة وعي حقيقي، قد ظهر ذلك في شعاراتها و في فنونها و استطاع الشباب طوال مسيرة الثورة يفجرون طاقاتهم الإبداعية. و لأول مرة في تاريخ الثورات السودانية أن يكون الشارع هو المرجعية الأساسية للعمل السياسي. لكن السؤال هل يستطيع الشباب أن يكونوا حراس لشعاراتهم أم أن أختلاف الرؤى سوف تفرق بينهم؟ أن التمسك بالشعار الرئيس بالثورة " حرية و سلام و عدالة" و تنزيله في الواقع هو المحك أمام هذه القوى الحديثة. و نسأل الله التوفيق و حسن البصيرة.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.