المقال سوف يجيب علي أسئلة: لماذا رفض الحزب الشيوعي السوداني المشاركة في كل هياكل السلطة؟ هل فعلا كان بسبب الاختلال في الوثيقة الدستورية أم لسبب آخر يتوجس منه الحزب الشيوعي؟ و هل للديمقراطيون الجدد دور في هذا التوجس؟ و ماهية الديمقراطيون الجدد؟

هذا السؤال المركب قد جعل العديد من المتابعين السياسيين في حالة من الحيرة بسبب تعدد بيانات الحزب الشيوعي بعد سقوط الطاغية، و كانت خاتمها بقرار صدر من اللجنة المركزية للحزب بعدم المشاركة في جميع هياكل السلطة ، الغريب في الأمر أن قرار الحزب الشيوعي بعدم المشاركة الذي فاز بصوت واحد داخل اللجنة المركزية، قد أكد حدة الصراع داخل الحزب الشيوعي و تباين الرؤى، و هذا التباين و الخلاف مايزال مستمرا داخل اللجنة المركزية منذ أبعاد عدد من الأعضاء علي رأسهم الدكتور الشفيع خضر و حاتم قطان الذي يشغل الآن منصب مدير مكتب رئيس الوزراء حيث فاز القوى التي تريد افبعاد أيضا بصوت واحد، مما يؤكد أن الصراع بين القوى الديمقراطية و الاستالينية مايزال علي أشده.
سوء في الفهم عن المقال الذي كتبته الأسبوع الماضى بعنوان " الديمقراطيون الجدد في السودان و مآلات التغيير" هو كان مدخلا لمواصلة التعريف بهؤلاء الديمقراطيين الذين يفرضون شروط التغيير الآن في الساحة السياسية، و حتى الأسماء التي كنت قد أوردتها في المقال، تحتوى علي أسماء لهم بالفعل علاقة مباشرة بتنظيم الديمقراطيين الجدد و البعض الآخر كتاباته تخدم هذا الخط تماما و بعضهم لهم دراية بهذا التنظيم الصغير، و أن كان هناك العديد من الكتاب و الصحافيين الذين كان لهم موقف مبدئي من النظام و كانت كتباتهم تعد كتابات نقدية للنظام و ممارساته، و قد ساهمت في هز رموز السلطة و إضعاف هذا البناء الحاكم، لكن هؤلاء ليس لهم علاقة بقضية الديمقراطيون الجدد كحركة سياسية كانت ترتب أوضاعها السياسي، إذا انتصرت الثورة يجب أن لا تكون مثل مثيلاتها الآخريات " أكتوبر و إبريل" و يجب أن تكون هناك أرضية قوية من كتلة ديمقراطية تتقارب في رؤاها الفكرية. شكرا للذين استفسروني عن هذا التنظيم، و البعض الآخر الذي غضب لأنني لم أضع أسمائهم مع هذه المجموعة، رغم أنني أكتب عن تنظيم سياسي في طور التخلق لكنه استطاع أن ينتصر في مشروعه.
التنظيم له علاقة وطيدة جدا بتوجس الحزب الشيوعي، و هو الذي جعله في حالة من الأضطراب بتعدد البيانات التي كانت قد صدرت عقب اسقاط الطاغية و بداية التفاوض مع المجلس العسكري، و الغريب في الأمر أن الحزب الشيوعي كان يعتقد أن الديمقراطيين الجدد يقفون من وراء حزب المؤتمر السوداني و حزب الأمة لذلك صدر أول بيان من قبل الحزب أن عمر الدقير و مريم الصادق قد أختطفا منبر قوى الحرية و التغيير. و لكن استدركا أن الديمقراطيين الجدد لا يقفون خلف أي قوى سياسية بل لديهم وجود في قاعدتين الأولي في تجمع المهنيين و القوى المدنية، و مناصرة قوية بدراية أو بدون دراية من قبل تجمع الاتحاديين، و لأنهم أيضا يطرحون قضايا موضوعية استطاعوا أن يكسبوا من التنظيمات الآخرى بحكم موضوعية مقالهم الديمقراطي.
السؤال هل الديمقراطيون الجدد كانو ينتمون لتنظيم سياسي معين أم هم مجموعة غير منتمية سياسيا؟
العمود الفقري لهذا التنظيم أغلبية الشيوعيين الذين كانو مؤيدين لعملية التغيير في الحزب الشيوعي، و قادوا صراعا فكريا داخل الحزب بهدف تغيير أسمه، و أن تكون الماركسية أحد مرجعياته الفكرية و ليست المرجعية الرئيس، و العمل من أجل الديمقراطية بديلا للديمقراطية المركزية التي يعتمدها الحزب في لوائحه، الأمر الذي يعطي الحزب قدرة علي التمدد في المجتمع بصورة أكبر، إلي جانب عددا من البعثيين الذين اعتبروا الديمقراطية هي الأرضية التي ينطلق منها العمل السياسي في السودان، و مجموعة من الاتحاديين الذين كفرو بالطائفية و الانشقاقات العديدة، كل هؤلاء تسندهم مجموعة كبيرة من المثقفين السودانيين غير المنتمين، و استطاعوا من خلال الشعارات أن يكسبوا قطاع عريض من الشارع بالشعارات الثورية لكي يحمو بها رؤيتهم للتغيير، لكن ليس كل هؤلاء مشاركين في إدارة الصراع. ظهرت المجموعة منذ الحوار الذي أعلنه الرئيس المخلوع، لم تكن المجموعة مشاركة لكنها استطاعت أن تقدم رؤاها لبعض المشاركين، كانت تهدف من ذلك محاصرة النظام و فضح قدرات قياداته الفكرية المتواضعة، و بالفعل استطاعت أن تهزم قيادات الإنقاذ داخل مؤتمرهم بمجموعة مشاركة غير منتمية للوطنى و لا للحركة الإسلامية. بعد اندلاع التظاهرات في الأيام الأولي بدأت تظهر " Youtube" للدكتور عبد الله حمدوك في عدد من المنابر الهدف كان تسويق حمدوك، و الأمر الذي جعل الفريق صلاح قوش يقدمه للرئيس لكي يكون وزيرا للمالية، و بالفعل تم تعينه لكن حمدوك رفض التعيين، و استطاع أن يكسب ثقة الجماهير، عندما جاء وقت ترشيح رئيس الوزراء تم ترشيح العديد من الاشخاص من قبل القوى السياسية، لكن حمدوك كان الفرس الرابح. و كما قال عضو الاتحاديين في لجنة التفاوض بابكر فيصل نحن وقفنا مع ترشيح حمدوك لثقتنا فيه، لكن لا أدري إذا كان فيصل يعرف إنه كان يخدم مشروع الديمقراطيين الجدد أم لا.
بعد ما شعر الحزب الشيوعي أن حمدوك هو الفرس الذي سوف يفوز بسباق رئيس مجلس الوزراء، شعر أن هذه المجموعة لن تقف في حدود السلطة الجديدة، بل سوف تنقل الصراع بذات الشعارات داخل الحزب نفسه من خلال عناصر ماتزال تؤيد رؤيتها داخل الحزب، لذلك لابد من الابتعاد من دائرة الصراع المباشر مع هذه المجموعة و الاكتفاء بوجوده داخل تحالف " قوى الحرية و التغيير" حتى لا يكون الحزب تنظيما معزولا من جانب، و الجانب الآخر مراقبا لتحركات هؤلاء الديمقراطيون الجدد، الأمر الذي جعل الحزب الشيوعي يطرح قضية المشاركة داخل هياكل السلطة الجديدة في اجتماع اللجنة المركزية، انقسمت اللجنة المركزية مناصفة، الاستالنيون الذين يشعرون بقضية الصراع القادم و احتمال نقله داخل الحزب رفضوا المشاركة، و النصف الآخر كانوا موافقين للمشاركة باعتبار أن الفترة الانتقالية هي التي سوف تؤسس لما قبلها، كما لا يجب أن ينعزلوا عن عملية البناء و تنفيذ شعارات الثورة، لكن الاستالينيون فازو داخل اللجنة المركزية بصوت واحد بعدم المشاركة، لكن هذا الفوز سوف يوقف حالة الزحف الديمقراطي و إثارة قضية الديمقراطية داخل مواعين الحزب؟
أقر تحالف " قوى الحرية و التغيير" أنه هو الذي سوف يرشح الوزراء من خلال الوثيقة السياسية، لكن داخل اجتماع التحالف، كانت رؤية الديمقراطيون الجدد أن يتم الترشيح من قبل رئيس الوزراء للوزراء الذين يعملون معه، لكن القوى السياسية لم توافق علي ذلك، ثم جاء الديمقراطيون الجدد بفكرة أن يكون هناك رآي لرئيس الوزراء علي المرشحين، و وافقت القوى السياسية في التحالف، قدمت قوى الحرية و التغيير أسماء مرشحيها و تم رفض 70% من هؤلاء، و تم استبدال البعض حيث تم أختيار عمر مانيس رغم أن مؤهلاته تقدمه أن يكون وزيرا للخارجية، إلا أنه عين وزيرا لشؤون مجلس الوزراء باعتبار أن المجموعة تريد أن تؤمن عمل و وثائق مجلس الوزراء من قبل عناصر يكون الديمقراطيون متأكدين من أمانتها و أنتمائها لفكرة التحول الديمقراطي من خلال قاعدة فكرية تخدم المصالح الوطنية " Changeable Ideas " و عمر مانيس رجل كان ذو أنتماء في الجامعة يجعله مؤتمن علي الوثائق، بالإضافة لمدير مكتب رئيس الوزراء. كان الديمقراطيون الجدد يقعون في مشكلة إذا أصر تحالف قوى الحرية و التغيير علي تعين وزير شؤون مجلس الوزراء من المرشحين الذين قدمهم. لكن المحاصصة التي أنحرف إليها التحالف في الترشيح لم تستطيع أن تؤثر في النسبة المطلوبة من قبل الديمقراطيون الجدد في هيكل السلطة التنفيذية.
تصبح هناك إشكالية سوف تواجه الديمقراطيون الجدد هي هيكل السلطة التشريعية، و يجب علي قوى الحرية و التغيير أن ترشح 67% من عضويته، أن القوى التي وقعت علي إعلان قوى الحرية و التغيير تفوق 70 من حزب سياسي و منظمة و مجموعات آخرى، سوف يتمسك الديمقراطيون الجدد بأن تنال جميعها مقاعد داخل المجلس التشريعي، باعتبارها قوى قد ساندت الثورة و تعتبر مثلها مثل القوى السياسية، الأمر الذي سوف يضعف دور الأحزاب داخل هذه المؤسسة التشريعية، و هي أيضا سوف تكون جزءا من عملية المشاركة في المؤتمر الدستوري، و غيرها من النشاطات السياسية الآخرى التي سوف تؤسس لعملية بناء سودان المستقبل، و هي أيضا لا ترغب أن يبتعد الحزب الشيوعي من السلطة التشريعية، و تعتقد أن دور الحزب في هذه السلطة ضروري جدا، لسببين. الأول باعتباره حزب له تاريخه في العمل النضالي و السياسي و يعطي المجلس حيوية من الأفكار التي يقدمها، المسألة الأخرى أن وجود الحزب الشيوعي تصبح القوى السياسية عينها علي الحزب الشيوعي الأمر الذي يعطي الديمقراطيون الجدد مساحة علي الحركة تمرير تصوراتهم الديمقراطية. و بل الفعل بدأت عملية المناشدة للحزب من خلال كتابات " الأستاذ صديق الزيلعي في " سودانيل و الراكوبة" و مناشدته بقوة أن يعدل الحزب الشيوعي موقفه من عدم المشاركة و الاستجابة للمناشدة و المشاركة في المجلس التشريعي.
أن الديمقراطيين الجدد أصبح تيارا داخل الساحة السياسية، و هذا التيار يجد الدعم من أغلبية الكتاب الذين يشتغلون بالفكر، و يقدمون رؤأهم من خلال أطروحات فكرية، لكي تشكل مرجعية للتيار، لم تطرح فكرة تأسيس حزب جديد وسط هذا التيار، لكن ألاغلبية المنتمية لهذا التيار تعتقد أن الهدف من التيار هو خلق واقع سياسي مغاير، يضغط الأحزاب السياسية في إجراء إصلاحات علي المستويين الفكري و التنظيمي يتماشى مع شعارات الثورة من جانب، و الجانب الآخر يكون الاعتماد الأول داخل الأحزاب علي " الكادر الذي يشتغل بالفكر و ليس الكادر التنفيذي الذي يكمل صورته بالهتاف أو الانحياز الشللي. و نسأل الله حسن البصيرة.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.