واحدة من إشكاليات النخبة السياسية السودانية، إنها تمارس العمل السياسي بجدل اليوم، أي أن احداث اليوم هي التي تحدد مسار فعلها السياسي، لذلك يظل الفكر حبيس، مما جعل حتى التحالفات ذات التباينات الفكرية المختلفة مرتبطة بمجريات الأحداث اليومية، و إتباع هذا المنهج سلبي لأنه لا يجعل صاحبه ينظر أبعد من أرنبة أنفه، و محكوم بما يدور داخل الصندوق و ليس التفكير خارجه. فالتفكير خارج الصندوق يعتمد علي الأفكار الجديدة التي تطرح علي الساحة السياسية، و تفرض جدلا بمنظور فكري و ليس شعارات سياسية علي كل الأطراف، بأعتبار أن الشغل علي الفكر يجعل صاحبه يقدم أسئلة مرتبطة بالحدث، لكنها تغوص في عمقه، يبدأ من معرفة الأسباب التي صنعت المشكل، و أيضا العوامل المؤدية لاستمراريته للوصول إلي كيفية العلاج. بأعتبار أن التفكير المنهجي لا يدرس الظاهرة بشكل مجرد، بل يدرس مؤثراتها و انعكاساتها في المجتمع. لذلك ينطلق من قراءة الظاهرة في الماضي، و معرفة قوية بتمظهراتها في الحاضر و المكنزمات المحركة لها، و استشراف مستقبلها.

و إذا تعمقنا في استقالة الصادق المهدي عن رئاسة تحالف " نداء السودان" فهي أستقالة أملتها بالفعل الظروف و الأحداث الجارية في الساحة السياسية، أولها أن الجبهة الثورية بإعادة هيكلتها و توحدها، و توقيعها علي أعلان جوبا، هذا الحدث بالضرورة سوف يجعل هناك تباين في المطلوبات بين الحركات المسلحة و القوى السياسي، الأمر الذي سوف يضعف تحالف نداء السودان، فالصادق المهدي استشعر ذلك و بادر بالاستقالة، المبادرة المبكرة سوف تعطي حزبه مساحة جديدة للتفكير، لقيام تحالف جديد تفرضه الأحداث المتغيرة بصورة مستمرة، خاصة أن دول الإقليم تعودت أن تدخل أنفها في الشأن السوداني، و المهدي مازال يعتبر هو الذي يقوم بالهندسة السياسية لحزب الأمة، و يستشعر أن مجريات الأحداث السياسية سوف تغير من الواقع الماثل من خلال وصول الحركات لاتفاق مع السلطة التنفيذية و مجلس السيادة مجتمعان، لذلك لابد من التحسب للتعامل مع هذه المتغيرات. و الاستعداد لها، خاصة أن حزب الأمة يمر بواقع جديد يفرض شروط لأجيال جديدة تعلمت أن تقول رآيها بقوة دون تردد، فالتكنولوجية في وسائل الاتصال الاجتماعي ساعدت بقوة الأجيال الجديدة أن تفرض شروط مشاركتها، و تختار قياداتها دون أي تدخل من جهة، فالسياسة سوف تفقد أهم عتبات القداسة فيها و يصبح لكل فرد صوت واحد.
في سياق آخر نجد أن حديث عضو مجلس السيادة ياسر العطا عن أن رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان كان أحد القيادات التي شاركت في انقلاب رمضان الذي اعدم فيه 28ضابطا من القوات المسلحة، و أكد البرهان قول ياسر العطا في الحوار الذي كانت قد أجرته معه " قناة الجزيرة" و قال أن هؤلاء الضباط لم يكشفوا عن العناصر المشاركة، هذا الحديث له بعده السياسي، و إشارة يراد بها خدمة التحولات التي سوف يفرضها الواقع السياسي في المستقبل و تؤسس على ضوئه تحالفات جديدة، باعتبار أن قيادة العسكريين في مجلس السيادة كانت لهم رؤية مخالفة مع قيادة الإنقاذ، و يجب التعامل معهم من خلال هذه الرؤية، و ليس بأنهم كانوا يمثلوا اللجنة الأمنية التي كان يعتمد عليها الرئيس المعزول، باعتبار الآخيرة تقود للشك و الريبة، و الإشارة الجديدة بأعتبارهم جزءا من الثورة التي كانت مستمر ضد نظام الإنقاذ، و أنقلابهم علي الرئيس استمرار لقناعة الماضي. إذا كانت هي بالفعل إشارة سياسية يراد بها تحول القناعات. السؤال يصبح، هل العسكريون يريدون ضمانات لما بعد الفترة الانتقالية أم هناك برنامج لمواصلتهم في السلطة من خلال رؤية جديدة؟ الإجابة سوف تتضح من خلال استعدادهم لعملية التجانس و التناغم في السلطة.
هذه التغييرات التي تطرأ علي الواقع و تنتج ظواهر جديدة، تجعل الفكر السياسي السوداني محكوم بالمعطيات الجديدة التي سوف يفرضها الواقع، رغم أن المفكر ليس دوره أن يتأثر بهذه المعطيات و يحاول أن يتقبل شروطها، أنما مهمته الأساسية فحص هذه المعطيات، و معرفة تأثيرها علي الواقع، و خاصة علي القوى السياسية، كما يجب عليه أن يفحص ألآدوات السياسية، و قدرتها علي تنفيذ الجديد و كيفية التعامل معه، و أشكالية القوى السياسية إنها لا تهتم بالقضايا الفكرية، و تهمل التعامل معها، الأمر الذي يجعل الآزمات تتعمق و تستمر. فهل الثورة سوف تغير سلوك النخب السياسية، و الإرث السياسي التقليدي الذي ساد في الساحة السياسية لأكثر من نصف قرن؟ حيث أن القوى السياسية جميعها دون استثناء أعتمدت على الكارزمة دون المؤسسية، رغم وجود مكثف للقوى الحديثة في هذه الأحزاب، لكن لم تستطيع أن تغير الإرث السائد في هذه المؤسسات. فالثورة قد رفعت شعارات التحديث داخل المؤسسات الحزبية، و لكنها تظل شعارات حتى تجد طريقها للتنفيذ. و هذه تصبح واضحة عندما يقترب موعد الانتخابات و حتى ذلك الوقت تبقي أشواق و لكنها أهم شروط التحول الديمقراطي. نسأل الله حسن البصيرة.



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.