أن قراءة التاريخ في الشأن السياسي ضرورية بهدف الدروس والعبر، و معرفة تجارب الشعوب التي استطاعت أن تقدم نماذج طيبة في عملية النهوض الاجتماعي و الاقتصادي، و الإطلاع علي دفاتر التاريخ ليس الهدف منه أن يتم اتباع خطوات تلك الشعوب في مسارها النهضوي، و لكن معرفة دور النخبة التي قادت عملية النهضة، و كيف استطاعت أن تجتاز التحديات التي واجهتا. و في جانب أخرى أيضا مهم إعادة قراءة التجارب الداخلية الفاشلة، لمعرفة ما هي العوامل التي تسببت في هذا الفشل؟ و هل ما تزال هذه العوامل حاضرة و سوف تعيق أي مسيرة للنهضة في المستقبل؟ و هل النظم السياسية التي حكمت البلاد كان لها مشروع سياسي واضح، أم كانت تشتغل السياسة برزق اليوم باليوم؟ هل غياب العقل المفكر كان له تأثيرا كبيرا في عملية الفشل؟ و ما هي الظروف التي جعلت آهل الفكر يغادرون مواقعهم في العمل السياسي و يفتحوا الباب لقيادات تنفيذية ضعيفة من حيث المعرفة و الثقافة تعجز في إدارة الآزمة و في إدارة البناء؟

أن أي مشروع سياسي بعد التغيير السياسي الذي حدث في البلاد، يتطلب من النخب التي تقود عملية التغيير، أن تتفهم طبيعة التغييرات التي حدثت في المجتمع، خاصة الوعي الجماهيري، الذي مر بمراحل مختلفة، و بعد ما كان محصورا في المؤسسات التعليمية و النشاط الاجتماعي السياسي داخلها، بات الوعي منتشرا في البلاد من خلال اتساع دائرة التعليم من جانب، و الجانب الآخر التطور التكنولوجي الذي حدث في وسائل الاتصال، هذه المتغيرات فرضت واقعا جديدا، و يتطلب من القوى السياسية أن تجري مراجعات فكرية للأحزاب السياسية، لكي تتلاءم مع الواقع الجديد. لكن مشكلة السياسي السوداني إنه لا يهتم بدور القياسات الاجتماعية من اتساع دائرة المعرفة و الوعي في المجتمع، فهذه النخب لا تريد أن تطور آدواتها، و تصغل تجاربها بالمعرفة، حيث هناك في العالم مراكز بحوث و دراسات و مؤسسات تعليمية تصدر يوميا منشورات ومطبوعات و كتب و بحوث، تهتم بقضية تطوير العمل السياسي، و أيضا تنقل تجارب الشعوب في تجاربها السياسية، خاصة في عملية التحول من نظم شمولية إلي نظم ديمقراطية، و أيضا هناك بحوث في مجال منظمات المجتمع المدني الذي يشكل عمودا مهما في العمل الديمقراطي، إلي جانب كيف تتم عملية مشاركة الجماهير في النشاطات و إصدار القرارات. باعتبار أن توسيع دائرة المشاركة تسهم سهاما فاعلا في توزيع السلطات، كما يضعف دور السياسة الكارزمية التي كانت مسيطرة لعقود في الشأن السياسي السوداني.
أن عملية التغيير بعد الثورة؛ و التي أثبتت التجربة غاب عنها المشروع السياسي الوطني، جعلت الشعارات مقدمة علي الفكر، الأمر الذي أدي إلي ضعف في عملية التحليل السياسي، و التوقعات السياسية المرجوة، كما أثرت في غياب الآدوات التي تساعد علي فهم الواقع، و المكنزمات المحركة للفعل السياسي. و هذا الضعف أثر في النتائج المطلوبة لمعالجة العديد من القضايا، لأن الشعار نفسه تم استجلابه لكي يملأ فراغا سببه غياب الفكر، هذا لابد أن ينعكس سلبا علي العمل السياسي، و تجعل الأغلبية من القيادات تنتظر حدوث الفعل من خارج دائرتها، ثم تبدأ محاولة فهمه بأدوات فاقدة للصلاحية، الأمر الذي جعل التناوش بين القوى السياسية و الاتهامات أوسع نطاقا من تقديم المبادرات و الحلول. و البعض الآخر لا ينظرون للتطورات التي تحدث في المجتمع في جانب الوعي و الموقف السياسي إلا من خلال موقف الأيديولوجية أن كانت يمينية أو يسارية، و هؤلاءلا يستطيعون فهم الواقع إلا من تدويرهم للتراث، الذي تحول عندهم لعقيدة لكي يفهموموا به أفرازات الواقع السياسي، و هذا يعود لأن الأحداث تصنع من خارج دائرة الأحزاب، حيث أصبح المجتمع هو الصانع للأحداث و مسؤول عن استمراريتها أو توقفها. لذلك تجد بعض القيادات السياسية لا تقدم مبادرة أو رؤى تحاول بها أن تسيطر علي الواقع، و تديره بعقل مفتوح لكي ينتج حلوله. بل تميل إلي افتعال العديد من المناوشات مع القوى الآخرى لكي تغطي بها علي حالة ضعفها في إدارة الأزمة.
أن التغيير السياسي الذي أحدثه الشارع في البلاد، و كان من خارج دائرة المؤسسات السياسية، و أصر الشارع على مواصلة النضال، و قدم تضحيات عظام، هذا الواقع كان بمثابة مفاجأة للقوى السياسية، و جعلها في حالة من الدهشة، و كان عليها أن تقف مع نفسها لكي تقوم بمراجعات فكرية و تنظيمية، لماذا نجح الشارع غير الموحد علي قاعدة فكرية واحدة في اشعال الثورة، حيث أستطاع أن يقدم شعارات كانت جاذبة لقطاع عريض من الناس، الأمر الذي وسع دائرة التظاهر، و أدى إلي أنتشارها في كل مناطق السودان، في الوقت الذي فشلت الأحزاب في قراءة الواقع، و حتى في أن تصدر شعارات جاذبة للجماهير، الأمر الذي جعلها تقف علي الرصيف تنتظر نتيجة هذه التظاهرات دون أن تقوم بمد التظاهرات بشعارات جديدة. هذا التحول الذي أحدثته الثورة في تغيير ميزان القوى، و بالتالي حسم المسألة السياسية لصالحها، نجد بعد السقوط بدأت القوى السياسية تظهر علي السطح في إدارة الأزمة مع المجلس العسكري، و هنا ظهر بشكل واضح ألضعف في إدارة الأزمة. و هذا أثر لما بعده و ما يزال الفعل السياسي يسير برجل واحدة و يتكيء علي عكازة واحدة. الأمر الذي يتطلب من الأحزاب السياسية إن تسرع عملية المراجعة الافكرية، و أيضا مطالبة بتغيير يطال القيادات التاريخية، يفسح المجال لكي يتم أختيار أجيال قيادية جديدة، قادرة علي إدراك دورها، و تكون مجال يجذب أعداد كبيرة من الأجيال الجديدة للإنضمام للقوى السياسية. فالسؤال هل تستطيع القيادات السياسية أن تقدم ثقافة جديدة، هي ثقافة الاستقالات التي تأتي بقيادة جديدة؟ نسأل الله لنا و لهم حسن البصيرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.