يقول المؤرخ الألماني ليوبولد رانكة " هناك حركة دائمة في الحياة صعودا كانت أم هبوطا. و أن الأفكار قد تكون هي القوى المحركة لتطور التاريخ من بين مجموعة من القوى. 

ظهر ضعف الحركة الاتحادية مباشرة بعد انتفاضة إبريل عام 1989م، حيث دب النزاع بين قيادته الاتحادية حيث غاب محمد عثمان الميرغني بعيدا معتكفا في سنكات، فكان موقفه مثل الموقف الحالي سقطت مايو و كان الميرغني مشاركا فيها، و عندما علت أصوات التطهير ضد سدنة النظام، قرر الميرغني الابتعاد عن أجواء السياسة. و في ذات الوقت اشتد الخلاف بين المجموعات المختلفة، حيث قرر علي محمود حسنين و معه طيفور الشائب و عدد من الاتحاديين الابتعاد، و أسسوا الوطني الاتحادي، و ظل الحاج مضوي و معه أيضا عدد من الاتحاديين يصارعون مجموعة الشريف زين العابدين الهندي و محمد الحسن عبد الله يسن، لكن؛ الآخيران استعانا بالميرغني و طلبا عودته فورا، و جاء الميرغني و أصبح رئيسا للحزب و الشريف زين العابدين الهندي أمينا عاما للحزب، و استغل الميرغني ضعف مجموعة الهندي و بدأ يعين يومين عضوا في المكتب السياسي حتى وصل المكتب لأكثر من 150 عضوا حيث أصبحت الأغلبية تقف مع الميرغني، و لكن بعد الانتخابات كان أغلبية النواب من الاتحاديين الذين كانوا يطالبون بإجراء إصلاحات داخل المؤسسة، حيث ظل الصراع متواصلا.
كان الصراع يدور داخل الحركة الاتحادية علي هامش الأشياء، و لم تكن هناك أفكار مطروحة من قبل الحزب تجعله يستطيع استقطاب الأجيال الجديدة، إلي جانب الأزمة الاقتصادية التي ضربت البلاد أوائل الثمانينات حيث أدت إلي تدحرج أعداد كبيرة من الطبقة الوسطى إلي الطبقة الدنيا، و جعلت الأغلبية من عضوية الحزب تجري وراء سبل العيش، هذا الضعف في الطبقة الوسطى، أدي إلي صعود قيادات من صغار التجار و أصحاب الصناعات اليدوية، و كان هؤلاء من ذوي التعليم المحدود، و الثقافة السياسية المتواضعة، الأمر الذي جعل هموم الحزب تتجه من القضايا الوطنية العميقة، إلي الرغبات الخاصة، و المساومات في المباديء، الأمر الذي مكن سلطة الميرغني في الحزب. و استطاع بمفرده أن يقرر ما يشاء حتى المشاركة في سلطة الإنقاذ بعيدا عن قواعد الاتحاديين، و الميرغني يتحمل مسؤولية المشاركة في نظام الإنقاذ، و كانت مشاركته علي هامش السلطة، لذلك كانت القيادات التي تؤيده في المشاركة هي قيادات جاء في ظل الأزمة الاتحادية، قيادات ضيفة التأهيل السياسي.
الآن أصدر محمد عثمان الميرغني بيانا قال فيه "انني ادعوا الي مصالحة وطنية لا تضيع معها الحقوق، ولا يفلت من عدالتها ظالم، مصالحة تكتب في صحائف هذا الجيل." واضاف الميرغني قائلا " حان الوقت ليضع الشعب مصالح البلاد فوق كل اعتبار، حيث أن البلاد تمر بفترة عصيبة، تستوجب توحيد الصفوف، وفتح المنابر للنقاش الصحي والهادي، وفتح المنافذ للتسامي فوق الصغائر ونبذ الإقصاء والكراهية. " البيان يحاول به الميرغني مخاطبة القوى السياسية الأخرى دون الخوض في شؤون الحزب الاتحادي الديمقراطي، و دون الاعتذار لجماهير الاتحاديين لمشاركته في نظام ديكتاتوري، و تجاهل الميرغني الحديث عن الحزب و شأنه، تؤكد أن الرجل سوف يتخذ ذات السياسة السابقة بأنه وحده الذي يملك القرار في الحزب، أن الميرغني لا يستطيع أن يخرج من جلباب الشيخ الذي عليه يأمر و كل الحيران الإجابة و الإذعان، و الميرغني يعلم أن القيادات التي حوله لا يجروء أحدا مسألته، و محاسبته علي المشاركة في نظام شمولي دون موافقة جماهير الاتحاديين.
التجارب السياسية السابقة، بعد تجربة نظام عبود عام 1964، و تجربة نظام نميري 1989م، أوصلت الميرغني لقناعة أن النخبة الاتحادية قصيرة النفس في الصراع داخل الحزب، و سرعان يتنازل البعض و يؤدون صكوك الولاءة و الطاعة له، و يستخدمهم الميرغني في معاركه مع رفاقهم داخل الحزب. فأصحاب الرغبات الخاصة داخل المنظومة الاتحادية كثيرين، و مستعدين أن يتم توظيفهم في عمليات " Dirty Games" مقابل أن تتاح لهم فرص الترشيح لحقائب دستورية. السؤال هل تستطيع النخب الجديدة أن تغير قناعة الميرغني بأن الاتحاديين لا يقبلون بغير المؤسسية، أم إنهم سوف يؤكدون للميرغني إن قناعته في محلها؟
أن البيان الذي تم توزيعه و تم نشره في عدد من الصحف، هو بيان ممهور فقط بأسم الميرغني، و لكنه يعبر عن أحد أبناء الميرغني، الذي يهيء نفسه علي خلافة والده، فالميرغني لا يستطيع أن يخوض في العمل السياسي. و دلالة علي ذلك كان عليه أن يحضر للبلاد في ظل أجواء الديمقراطية و يخاطب جماهير حزبه مباشرة كما يفعل أي رئيس لحزبه، خاصة أن التغيير لم يأتي بالأمر السهل، بل الشعب دفع ثمنه غاليا بأروح شبابه. هذه التضحيات و هذه الثورة تجعل رئيس الحزب مهما كانت حالته الصحية، أن يتعامل مع جماهير حزبه بالرسائل من خارج الوطن، و يجد آذان صاغية. إذا كان البيان بالفعل صادر من الميرغني، تؤكد أنه ما يزال يعيش علي ثقافة الشمولية التي قد أسقطت نظام الإنقاذ الذي نشرها في الدولة عبر تراكم أستمر ثلاثين عاما.
و إذا نظرنا إلي المجموعات الآخرى، هي مجموعات لا تربطها مرجعية فكرية واحدة، كل مجموعة تستمد قوتها من القيادة التي كونتها، بمسميات مختلفة المشترك بينها " اتحادي" و تغيب عنها المرجعية الأساسية التي تكون علي هديها " الوطني الاتحادي" الذي كان يعبر عن أشواق و أمال الطبقة الوسطى في البلاد، و كانت تربطهم الجمعيات الأدبية التي كانت منتشرة في أحياء العاصمة المثلثة، و الجزيرة ثم في بورتسودان، و في نقلة تاريخية قد جمعهم أيضا نادي الخريجين الذي تأسس عام 1918م، و في تطور أخر مؤتمر الخريجين عام 1938م، و كانت هي المراحل التي مرت عليها الطبقة الجديدة في المجتمع بعد تأسيس التعليم الحديث، و أستلم الذين تخرجوا منه وظائف في الدولة.
أن قضية وحدة الاتحاديين في ظل حالة التشظي المتواصلة، تصبح أشواق للقاعدة، و مهمة ليست بالسهلة، خاصة في ظل الصراع حول السلطة. في الوقت الذي استبشرت فيه مجموعة خيرا، و قالت أنها نذرت نفسها لوحدة الاتحاديين سرعان الخلاف قد دب وسطها، بسبب الصراع حول السلطة، بعضهم يعتقد يجب الابتعاد عن المشاركة في السلطة الانتقالية، و الإلتفات فقط للعمل من أجل وحدة الحركة الاتحادية، و مجموعة أخرى ترفض هذا الرأي، و تقول لابد من المشاركة بفاعلية في السلطة الانتقالية. فالسلطة هي دائما هي العامل الذي يسبب حالة الفرقة. هذه النظرة الضيقة في الجري وراء السلطة سوف تعطي فرصة لإبناء الميرغني أن يعيدوا بذات تجربة والدهم في الحزب، أن يكون هناك رئيس وحده هو الذي يدير شؤون الحزب و البقية تنفيذيين عليهم فقط الخضوع لرئيس الحزب.
كان المأمل بعد الثورة، أن يتخلق واقع جديد من خلال قيادات شابة تستطيع أن تؤثر إيجابا علي مجريات العمل السياسي، و تقدم برنامجا سياسيا، أو فكرة جاذبة تلتف حولها الجماهير، و في ذات الوقت أن توسع دائرة المشاركة و الحرية داخل المجموعة، و تعمل من أجل أن توسع مواعين الديمقراطية، علي أرضية الديمقراطية الليبرالية، تعيد بها السيرة الأولي للحركة الاتحادية، التي تكون علي هديها الوطني الاتحادي. و أن تفتح حوارا مع بيت الميرغني و يتم استيعابهم بشروط الديمقراطية و المؤسسية. و تجاهل البيت الميرغني و الاعتماد علي شعارات ثورية سوف تصطدم يوما بالواقع، بأن الوعي الذي تتحدث عنه بصيغة المبالغة سوف تدحضه التحديات لأن الوعي في الشارع أيضا كان مرتبطت بحاجات الشارع و كيفية تحقيقها في ظل تحديات كثيرة تواجه الأحزاب السياسية. و نسأل الله حسن البصيرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.