يقول المفكر علي شريعتي " إن المفكر المستنير لا هو فيلسوف و لا هو بالعالم، و لا هو بالكاتب، إنما هو متعصب ذو وعي ذاتي يحس بروح عصره، و حاجيات مجتمعه و عنده رؤية ذات أتجاه محدد و لديه أيضا قيادة فكرية"
المتابع للشأن السياسي في السودان يجد إن الأحزاب التقليدية في تراجع بصورة كبيرة، و خاصة الأحزاب التي تسيطر عليها البيوتات الطائفية، و يرجع ذلك لأسباب عديدة، بعضها يرجع للطائفة نفسها وإصرارها علي السيطرة الكاملة علي مفاصل الحزب، و أسباب لتغييرات تحدث في المجتمع من أنتشار للتعليم، و نزوح مستمر من المناطق التي كانت مغلقة للطائفة إلي المدن، و انتشار وسائل الإعلام و الوسائط الاجتماعية، و تغيير في التصورات الفردية و الجماعية للعمل السياسي، التحولات التي تحدث أيضا في العالم و المنطقة الإقليمية، إلي جانب أنتشار الخيارات السياسية، و غيرها من الأسباب التى أدت لقطاع كبير من مناطق الهامش أن يحمل السلاح، هذه التحولات خلقت وعيا جديدا. هذه التغييرات و الأحداث كان يجب علي قيادات الطائفة و القيادات السياسية التاريخية أن تجعلها نصب عينها.
في أحدي أحاديث السيد الصادق لمجلة السياسة الدولية العدد 142، يقول فيه ( إن أحزابنا تنقصها شروط مطلوب توافرها لتقوم بدورها اللازم في إنجاح النظام الديمقراطي، أن يكون تكوينها واسعا قوميا و أن يكون عملها مؤسسيا و ديمقراطيا، بعض الأحزاب الكبيرة مدرك تماما لهذه النقائص،و عاملة بجهد للتخلص منها بقدر ما يسمح به الواقع الثقافي و الاجتماعي، و بعضها يعيش واقعه لا تؤرقه هذه التحديات) و في لقاء مع صحيفة الصحافة في الخرطوم قال ( إن القوي السياسية تواجهها تحديات جسام و إن لم تجدد نفسها سوف تتبدد) فهل السيد الصادق بالفعل استطاع أن يجعل حديثه نصب عينيه، و ينظر لواقع حزبه بواقعية و نظرة نقدية، أم قد تجاهل كل هذه التحديات التي تواجه حزبه، و اعتبرها محاولات تخريبية محدودة لا تؤثر في مسيرة حزبه، رغم إن حزب الأمة يشهد انشقاقات عديدة قد أضعفت دور الحزب، خاصة في رهانه علي الحركة الجماهيرية، و دلالة علي ذلك إن السيد الإمام يعول علي الوساطة الإفريقية في حل "المشكل السوداني" أكثر من الحركة الجماهيرية، مما يؤكد تراجع الحزب وسط الجماهير، و ربما يكون الناس محتفظين بماركاتهم السياسية، و لكن هذه الماركات ما عادت تتلقي توجيهات لكي تنفذ فقط، إنما أدركت إن الانتماء يجب أن يكون بالفاعلية " خد و هات" أي تفاعلية المشاركة الفاعلة في صناعة القرارات، لذلك بعض القيادات لا تريد أن تقنع نفسها إن سلطتها أصبحت مقيدة بقناعات الآخرين، و عليها أن تغير من منهجها السابق لكي يتلاءم مع الواقع الجديد. و هذا الذي أثاره السيد الصادق في حديثه " إن القوي إن لم تجدد نفسها سوف تتبدد" و لكن الواقع يقول ذلك. و علينا أن نسأل: هل حزب الأمة أستطاع أن يستفيد من الإنتاج الفكري الغزير للسيد الإمام؟ و هل هذا الإنتاج أستطاع أن يحدث تطورا و تغييرات تتماشي مع الشعارات الديمقراطية التي ينادي بها السيد الإمام؟
في تصريحات للدكتور إبراهيم الأمين، القيادي بحزب الأمة و الأمين العام السابق للحزب، قال في تصريحات نقلته صحيفة الجريدة ( إن قرار مجلس الأحزاب الأخير أبطل ما يتم طبخه من بعض الأشخاص، و أشار إلي أن ما يحدث داخل أروقة الحزب يحتاج إلي هزة و غربلة كبيرة، لتسير الأمور في طريقها الصحيح، و إن عدم حسمها سيكون أثره كبيرا علي الحزب، لاسيما أنها أثرت بشكل مباشر علي دوره في الولايات، عبر تغول و هيمنة المركز لإستقرار معظم القيادات الولائية بالخرطوم) هذا الحديث يؤكد أن الوضع داخل المؤسسة الحزبية غير مستقر. و الملاحظ إن النقد جله من قبل القيادات التي لها رؤية تختلف مع القيادة التي تدير الحزب ينحصر في القضايا التنظيمية، و هي المواقع التي تؤثر فيها الطائفية بشكل كبير، و تعتقد إنها التي تحفظ الحزب ضمن دائرتها. و يقول الدكتور إبراهيم الأمين في لقاء صحفي نشر في جريدة الجريدة يوم 13 إبريل 2017 ( أتحدث علي أساس إصلاح في القضايا التنظيمية للحزب بالصورة التي يسود بها جو مؤسسي، لأن الحزب الآن به مؤسسات و لكن دون مؤسسية) فالقضية التنظيمية هي قضية صراع مرتبطة بالمصالح إن كانت خاصة أو عامة، إضافة إلي إنه خلل أيضا في البناء الديمقراطي، و هي إشكالية كل القوي السياسية، إن يكون الواقع و الممارسة خلافا لشعارات الديمقراطية التي يرفعها الحزب. و من أكبر معول هدم الديمقراطية، أن تحاول أن تستخدم الإجراءات الديمقراطية في تقييدها، و محاصرة المخالفين. فالمفكر الذي ينتج المعرفة يؤسس للديمقراطية بعيدا عن ثقافة التمكين و حظوة أهل الولاء.
و يقول الدكتور إبراهيم الأمين في ذات اللقاء الصحفي للجريدة ( أنا أعتقد إن حزب الأمة القيمة الأساسية، أنه فيهو قاعدة قوية جدا و ملتزمة، عرف عنها أنها بتقول النصيحة و تتمتع بشجاعة أدبية) إن الواقع لا يرجح صواب المقولة، لأن قول النصيحة بشكل مباشر متوفر فقط وسط بعض القوي الحديثة في الحزب، و تحاول أن تجاهر بها، يصل حتى إلي إدارة الإمام للحزب، و لكنها غير متوفرة في القطاع التقليدي للحزب، و القوي الحديثة التي تشربت بثقافة مغايرة و بدأت تفكر خارج الدائرة الأيديولوجية للحزب، أما الأغلبية فهي خاضعة لمؤثرات دينية تحكمها ثقافة العلاقة بين الحوار و الإمام، و هذه هي التي جعلت السيد الصادق عندما أراد أن يجري لقاءات جماهيرية، قرر أن يذهب لمناطق الحزب التقليدية، و التي تحمل هذه العلاقة العاطفية، و هي رسالة يريد أن يرسلها السيد الصادق لكل الذين خرجوا عن الطاعة، و أرادوا أن يخلقوا مؤسساتهم و يشاركوا بها في السلطة، و أيضا للذين يرفعون رايات الإصلاح و التغيير، و هي متغيرات متوقعة تاريخيا لتغير أنماط و إشارات ثقافة المجتمع، و السيد الصادق مدرك لذلك، لكنه في رسالته يريد يقول كلاما مخالفا، أن يقول إن جماهير الحزب ماتزال مقيدة ببيعتها و انتماءها لثقافة الطائفة. لكن الرسالة نفسها تهز كل مقولات الإمام حول عملية التحول الديمقراطي التي ينادي بها، باعتبار القياسات الفكرية تقاس بمدي التلاءم بين راية التجديد التي يرفعا الإمام مع العملية الإصلاحية داخل المؤسسة الحزبية، لأن هذه المقارنة تؤكد علي مصدقية السيد الصادق في الطرح الفكري للحزب الذي ينفرد به، و معلوم إن عملية التغير لا تتم فقط برفع الشعارات التي تنادي بذلك أنما هي أجراء فكري طويل يجب أن يسهم أولا في تغيير قواعد الثقافة الاجتماعية، لكي يسهل عملية التغيير وسط القطاع العام للجماهير، و أية تغيير بعيدا عن توظيف الفكر، هو تغير قسري لا يسهم في الاستقرار، لأنه يتم برضي قطاع واسع من الناس.
قال الدكتور الأمين في حديثه لجريدة الجريدة (إن الحديث عن الغربلة مطلوب في المرحلة القادمة، لكي تتصافي الناس و تكون متفقة علي الخط السياسي للحزب و يبقي رؤية مجملة علي كل الأطراف) و هذا الحديث دفع السيد الإمام لكي يشكل لجنةحزبية لمحاسبته، و هنا يؤكد السيد الصادق كيف يحاول أن يستخدم الإجراءات الديمقراطية في قمع المخالفين لرؤيته، الأمر الذي يؤكد أن شعارات الديمقراطية داخل حزب الأمة مفرغة من مضامينها،و أيضا حديث الدكتور إبراهيم الأمين يشير إلي البرنامج السياسي الذي يجب أن يكون متفق عليه، و إن كان الحديث في أوله يتحدث عن الإجراءات التنظيمية، التي تعد العمود الفقري لفاعلية الحزب، و تكون مجال رضى للعضوية، عندما تكون الديمقراطية هي القاعدة المتفق عليها و تمارس بعيدا عن " like and dislike " التي دائما تتسرب عندما يكون دور الكارزمة طاغي علي دور المؤسسة، و هي الداء الذي تعاني منه كل القوي السياسية السودانية دون استثناء، و لكنها تتعمق في القوي التقليدية و الأيديولوجية، و هي تشكل عائقا كبير يقف ضد التحولات الديمقراطية في المؤسسة، و بالتالي تنعكس علي الحكم.
فالمراجعات الفكرية مطلوبة إذا كان ذلك علي مستوى القيادة، أو علي مستوى نخبة الحزب، و يعتمد علي مدى اتساع المواعين الديمقراطية داخل المؤسسة الحزبية، فالشللية و التكتلات هي ظاهرة سالبة تبين إن النخب المؤثرة في المؤسسة الحزبية لا تحترم الممارسة الديمقراطية، و لا تكون جزءا من ثقافتها. و هناك قضية قد أثرتها كثيرا و سوف أظل أطرق عليها. رغم إنتاج السيد الصادق الغزير في شتى الموضوعات إن كانت تهتم بالشأن السياسي السوداني أو الإقليمي أو الدولي، كل هذا الإنتاج لم يجري عليه دراسة نقدية أو تحليلية من قبل نخب الحزب، حتى من القوي المتمردة علي السيد الإمام، الأمر الذي يجعل كل هذا الإنتاج بعيدا عن دائرة الإهتمام، فتنتهي الفكرة بعد إلقائها من قبل الإمام، مما يظهر إن النخب تتعامل مع إنتاج الإمام أما بقدسية و لا تقترب من هذا الإنتاج، أو بتجاهل، و كلا الحالتين سالب. فالتحليل للخطاب من نخبة الحزب أو نقدها، سوف يجدد في نص الفكرة أو الخطاب، و لا يصبح ذات النص أنما تصبح هناك نصوص و خطابات متغايرة، و هي التي تنشط الاجتهاد الفكري و الثقافي في الحزب، و تخلق دوائر للوعي ليس داخل المؤسسة الحزبية فقط، أنما سوف تنعكس علي القوي السياسية و الساحة بأجمعها، و يتولد فيه وعيا جديد هو الذي يقود لعملية التغيير الديمقراطي المطلوبة، و إذا كانت منابع الإنتاج المعرفي تعاني من إشكاليات بالضرورة سوف تؤثر علي دور الحزب، و بالتالي تقيد حركته في الخارج. و هي قضية تحتاج بالفعل لحوار، بذهن متقد و قلوب مفتوحة. نسأل ألله حسن البصيرة.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.