وجه الطرافة - إن كان لها وجه - في موقف الإنقاذ وهي تستعين بشخص مثل الدكتور عبدالله حمدوك كانت قد فصلته من الخدمة للصالح العام في بداية عهدها بالسلطة، هو أن هذا الموقف يُشبِه إلى حد التطابق حال العصابة التي تستولي بالقوة على سيارة شخص وتتركه يسير على قدميه في الخلاء، ثم تطلب منه العصابة أن يُساعدها في دفع العربة من الخلف حينما يجدها بعد السير على قدميه لأميال وهي غارزة عن آخرها في الطين بينما يجلس أفراد العصابة في باطنها.


بيد أن الزاوية الصحيحة للنظر في موقف الدكتور عبدالله حمدوك الذي رفض قبول حقيبة وزارة المالية تسلتزِم الإجابة على السؤال التالي: ما الذي جعل هذه القضية تحصل على إهتمام من الرأي العام بهذا الحد الذي جعل الشعب بأسره يقف على رجل واحِدة في إنتظار معرفة "الأكيدة" بعد أن تضاربت الأخبار والمعلومات حول حقيقة رفض حمدوك وقبوله للمنصب؟ وقد حدث ذلك برغم أن الدكتور حمدوك ليس له ظهور يُذكر في دنيا السياسة الداخلية ولم يسمع بإسمه كثير من الذين حبسوا أنفاسهم في إنتظار قراره بالمشاركة في الوزارة من عدمها، مع كونه رجل عالِم وصاحب مكانة أممية عظيمة (يحتل "حمدوك" المرتبة السابع عشر في هيكل ترتيب منظمة الأمم المتحدة).


الذي جعل الشعب ينظر إلى موقف "حمدوك" كفارس وبطل، أنه أعاد للشعب الأمل بعد الذي رآه في الآخرين بتأكيد أن نظرية "أن لكل رجل ثمن" غير صحيحة، وأنه لا يزال هناك من أبناء هذا الوطن من هم مُتسقون في مواقفهم مع قناعاتهم الشخصية، وأن الذين سبق أن بدّلوا مواقفهم وباعوا أنفسهم للنظام لقاء مثل هذه المناصب أو حتى دونها، هم في الأصل كانوا طارحين أنفسهم وذممهم في السوق للشراء والبيع، فقد بيّض "حمدوك" وجوه كثير من أبناء الوطن الذين كان كلما رفع الواحد منهم صوته ضد النظام، طاله إتهام بأنه يستهدِف من ذلك الحصول على منصب.


حسرة النظام من صدمة "حمدوك"، أنه كانت قد تطوّرت لديه قناعة وثقة بالنفس بأنه يستطيع ترويض وإغراء أتخن تخين، فقد نجح في ذلك مع الأكابر وأنجالهم ومع مقاتلين بالحركات المسلحة وآخرين كان الواحد منهم يهتف من آخر حلقومه في وهو في طليعة المتظاهرين، وسبب نجاح النظام في ترويض هؤلاء أنه جعل الحقائب الوزارية وما يعادلها وسيلة للثراء السريع، فليس صحيحاً – كما يعتقد كثيرون - أن الذين يستقصِدون هذه المناصب يفعلون ذلك من أجل الحصول على مخصصاتها من نثريات السفيرات الخارجية وعربات وبدلات السكن والعلاج بالخارج ... إلخ، فهذه ملاليم في مقابل ما يحصل عليه صاحب المنصب من وراء ترسية عطاء أو بالحصول على تصديق بقطعة أرض في منطقة مثل شاطئ النيل الأزرق أو مزرعة بجنوب الخرطوم، وما ييسّره له ذلك من فرصة لتوظيف عواطلية أهله وأقربائه وأبناء الجيران. لهذا السبب، أصبح الذي يجري تعيينه في مثل هذه المناصب، ينصُب الخيام أمام منزله ويستأجر الكراسي لإستقبال السماسرة والمُهنئين وأبناء القبيلة، ويطلق هؤلاء الأعيرة النارية إحتفاء بتعيينه.


زاوية النظر في موضوع رفض الدكتور عبدالله حمدوك لمنصب وزير المالية، أنها تبعث بإشارة إطمئنان لأفراد الشعب بأن كل العبث الذي جرى ويجري بالوطن يرجِع لأشخاص من طينة واحدة، وأن أمثال "حمدوك" من الشرفاء وأصحاب الذمم النظيفة والمواقف المُتسِقة داخل الوطن وخارجه هم الأغلبية، فهناك خبراء مثل حمدوك في الإقتصاد والزراعة والنفط والتكنلوجيا وغيرها من ضروب العلم والمعرفة داخل الوطن وخارجه بينهم من يعمل في مواقع هامة بالمنظمات الدولية والشركات الكبرى في أوروبا وأمريكا ومنهم من يعمل سائق بسيارات ليموزين "ترحال" بالداخل والخارج، ولكن النظام لا يعترف بكونهم مواطنين ولا يريد أن يرى وجوههم من الأساس. أنظر إلى الأسماء في قائمة الوزارة الجديدة، هل ترى بينهم وجه جديد؟ ما الذي كان يستطيع أن يفعله "حمدوك" وسط هذه العصابة المتشابِكة؟


نحن مطمئنون إلى أن الوطن يفيض بأبنائه الشرفاء الذين يعملون في صمت ولم تطفو أسمائهم للسطح مثل "حمدوك"، ويذكر أبناء جيل الثمانينات وما قبله، كيف خرج السفير البطل إبراهيم طه أيوب من عرينه بإسهامه في نجاح ثورة الشعب في أبريل 1985 ضد نظام مايو العسكري، والسفير أيوب كان معروفاً وسط زملائه وأبناء مهنته كرجل مهني وصارم وشديد الدِقة، وحالما إندلعت ثورة أبريل في شوارع الخرطوم، أعلن عن وقوفه إلى جانب الشعب وتخليه عن تمثيل النظام من داخل مقر عمله كسفير بالخارج، وقد إلتفتت إليه أنظار وكالات الأنباء العالمية، وأصبح مصدراً لشيوع أخبار الثورة حتى تحقق لها النجاح، وقد أختير بسبب هذا الموقف وزيراً للخارجية في حكومة الإنتفاضة.


شكراً للخبير الوطني (كم يأسى المرء أن يُلصق مثل هذا الوصف في هذا الزمان على أشخاص من النظام يفتقرون إليه) الدكتور حمدوك، وقد تعرفت إليه وعلى مواقفه من أقرب أصدقائه الشخصيين، وهما زميليه المهندسين الزراعيين محمد خالد ويعمل نائباً لممثل منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) في أفريقيا، وعمر سعيد عثمان مُنسق العون الإنساني لإحدى سفارات الدول العربية بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، شكراً للدكتور حمدوك أن إنتصر لنفسه بالصدق معها، وأن نأى بنفسه عن المشاركة في جرائم النظام ضد شعبه بإهلاك موارده وتقاسُم ثرواته، وسوف يأتي اليوم الذي تشرق فيه الشمس ليرى الشعب مقدار الجرائم والفساد التي لم تبصرها عينه ولم تطرق سمعه بعد.


سيف الدولة حمدناالله

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.