منهج تفكير النائب العام الحالي الذي إنتهى به لإستصدار قرار جمهوري بإعتماد نسبة 20% من حصيلة ما تسترِده النيابة العامة من أموال عبر التسويات التي تجريها مع المتهمين في قضايا الفساد، يؤكد أن النائب العام يحمل عقلية سمسار لا رجل قانون يعرف واجبات الكرسي الذي يجلس عليه وطبيعة المُهمة المنوط بالنيابة العامة تحقيقها.

المبدأ الذي لا جِدال حوله، أن أيِّ طرف في عملية العدالة (القضاء والنيابة والمحاماة) لا ينبغي أن تكون له مصلحة في نتيجة القضية التي يكون طرفاً فيها، ولهذا السبب ينص قانون المحاماة السوداني على عدم جواز أن تكون أتعاب المحامي نسبة مئوية من حصيلة القضية التي يوكّل فيها (المادة 34 من القانون)، وإستصدار النائب العام لمثل هذا القرار من رئيس الجمهورية، يعني دون أدنى شك أنه يفتقر لمعرفة الحكمة التي جعلت هذا النص يرد في قانون المحاماة، وهي أن ربط أتعاب المحاماة بحصيلة الدعوى من شأنه أن يجعل المحامي صاحب مصلحة شخصية في كسب موكِّله للقضية، ويرى المُشِّرع أن ذلك فيه مفسدَة لذمة المحامي ومُجانبة لأخلاق المهنة، لأن المحامي حينما تكون له مصلحة شخصية في كسب القضية يُشجِّعه ذلك على إنتهاج أساليب فاسدة تؤثر على عملية العدالة، مثل إختلاق البينة أو تلقين الشهادة للشهود ... إلخ.

والقانون في أيِّ بلد ترفع لنفسها علم، لا يوجد نص يمنع حصول القضاء أو النيابة على نسبة مئوية من حصيلة القضايا التي يُباشرونها، بإعتبار أن ذلك من القواعِد البدهية والمُستقرّة التي لا تحتاج إلى نص، ووجه الفساد في هذا القرار أن النيابة حينما تكون لها مصلحة في الحصول أموال تُصرف على تحسين بيئة العمل و "دعم تكافل أعضاء النيابة" بحسب نص القرار، فإن ذلك يؤدِّي إلى ميل النيابة وجنوحها نحو إجراء التسويات المالية مع المتهمين عِوضاً عن القيام بالدور الحقيقي للنيابة الذي يفرض عليها إختصام المتهم أمام المحكمة والمطالبة بتوقيع أقصى عقوبة يكفلها القانون بحسب طبيعة الجريمة.

ذلك أن فلسفة القوانين العقابية لا تقوم فقط على فكرة إسترداد الأموال موضوع الجريمة، والأولى منه هو تحقيق "الردع العام" بإنزال العقوبة المناسبة (السجن أو الإعدام أو خلافه) على المُذنب حتى يكون عِبرة لغيره بما يمنع أو يُقلّل من إرتكاب الآخرين لأفعال مُماثِلة للجريمة خشية من مواجهة نفس المصير، ثم يأتي بعد ذلك (من حيث الأهمية) تحقيق الردع الخاص وهو إسترداد المال المسروق كاملاً وما تحقق من ورائه من عوائد وفوائد.

ثم، أن التسويات المالية نفسها، بخلاف ما ورد، قد يترتب عليها ظلم للمتهم الذي تُعرض عليه التسوية، ذلك أن التسوية لا تجري بين طرفين في مركز قانوني متكافئ، فالذي يعرِض التسوية هو الطرف الذي يحتفظ بالطرف الآخر في السجن، ويكون تحت رحمته وسلطانه، وقد يُمارس عليه أساليب الضغط والترهيب، كما أن هناك من الأفراد من يقبلون بالتسوية (مع قناعتهم بصحة موقفهم القانوني) لمجرد الرغبة في قفل القضية لإعتبارات شخصية. وهذا ما حدث بالفعل في السابق، فحينما هدأت العاصفة بعد الثورة الشعبية في أبريل 1985 التي أطاحت بحكم الرئيس نميري وجاءت حكومة الأحزاب (إئتلاف حزبي الأمة والإتحادي الديمقراطي)، تقدم رجل الأعمال خضر الشريف وكان قد أجرى معه النائب العام عمر عبدالعاطي (ويرجع إليه بذر هذه الجرثومة في الحياة القانونية بالسودان) تسوية مالية دفع بموجبها الشريف مبالغ طائلة، ثم عاد وتقدم بطلب لإسترداد أموال التسوية بإعتبار أنه كان مُذعناً في قبولها.

ثم، أن حصول أعضاء النيابة على عشرون بالمئة من حصيلة التسويات فيما يُسمّى بقضايا القطط السمان هو الآخر محل نظر، فهي نسبة عالية فوق الوصف، ويكفي النيابة إجراء تسوية واحدة من جنس التي تمّت قبل أسابيع مع شخص مثل نائب رئيس مجلس إدارة بنك الخرطوم أن تجعل كل أعضاء النيابة من الأثرياء وأصحاب رفاهية، إذ بلغ مقدار التسوية (في مجملها) حوالي 80 مليون دولار، بما يعني أن نصيب النيابة يبلغ حوالي 16 مليون دولار (أي حوالي 880 مليار جنيه بسعر السوق اليوم).

لقد ظلّ الأمل عند كل أهل القانون أن يأتي اليوم الذي يتحقق فيه إستقلال النيابة العامة عن جهاز الدولة بحيث لا يكون للجهاز التنفيذي سلطان عليها، بإعتبار أن النيابة جهة قضائية يستلزم حُسن أدائها أن يكون في إستطاعتها مُجابهة ضد جهاز الدولة، فالنيابة وتُعرف بأنها الخصم العدل عليها أن تقف مع المتهم المظلوم بنفس القوة التي تسعى فيه لإدانة من ترى أنه مذنب. ولكن، ما يؤسَف له أن هذا الحلم قد ذهب مع الريح، بفعل ما نراه من مواقف تكشف عن الضعف والإستسلام والإفتقار للمعرفة.

صحّ من وصف هذا القرار بأنه "أوكازيون" النيابة العامة.

سيف الدولة حمدناالله

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.