ليس صحيحاً أن الغرض من التحقيقات التي صدر بها أمر مباشر من الفريق برهان رئيس المجلس العسكري مع عدد من رموز النظام والذين يجري التحفُّظ عليهم حالياً بسجن كوبر، ليس صحيحاً أن الغرض من هذه التحقيقات محاسبة قضايا الفساد الذي ضرب البلاد بأيدي لصوص النظام خلال الثلاثين سنة الماضية، وكل ما هناك أن هذه التحقيقات قد نجحت في أن تجعل أنظار الشعب والصحافة اليومية تنصرف إلى متابعة التحقيقات في هذه القضايا، بما أوجد مُتسع من الوقت لآخرين من طمس قضايا الفساد الحقيقية عن طريق إتلاف المستندات والتأثير على الشهود وإختلاق البينات .. إلخ، تماماً مثلما يقوم المُدرِّب بإشغال الحكم في مباريات المصارعة الحرة فيما يقوم أعوانه بمساعدة اللاعب في القضاء على الخصم.


بحسب الثابت، أن كل التُهم التي يُحتجز بسببها المتهمين الآن وتجري النيابة العامة بشأنها التحقيقات لأكثر من شهرين، تتصل بحصول المتهمين على قطع أراضي حكومية بدون وجه حق أو بالمخالفة للإجراءات القانونية السليمة، ومثل هذا النوع من الجرائم لا يستلزِم فيه التحقيق أكثر من نصف نهار، وهو الوقت الذي يُمكِّن النيابة من الحصول على إفادة سلطات الأراضي بكشف العقارات المسجلة في إسم كل متهم وذويه المنصوص عليهم في القانون، ثم يُقدّم من يثبت حصوله منهم على أراضي بالمخالفة للقانون للمحاكمة لينال جزاءه.

ثم أن فساد مخالفات الأراضي، خلافاً لكل أنواع الفساد الأخرى، أمره (ملحوق) وليس فيه ما يجعل له أولوية، فالفاسد الذي تحصّل على أرض بدون وجه حق لا يستطيع أن يتلاعب بطمس جريمته، فالأرض موجودة وسجلها محفوظ، وكان الصحيح أن يصدر الأمر بمنع التصرف في (جميع) الأراضي بالسودان حتى تتم مراجعة هذا الملف بالكامل، فالضالعين في فساد الأراضي ليس جميعهم أصحاب مراكز بالدولة، فهناك تجار وسماسرة ووسطاء، ويدل على ذلك أن قائمة المُحتجزين لم تشمل نجوم مُخالفات الأراضي المعروفين، كما أن التحقيقات لم تشمل فساد الأراضي بالولايات وهو أعظم كثيراً مما جرى بالخرطوم.

كما أن الدليل على جعل مخالفات الأراضي وسيلة للفت الإنتباه عن جرائم الفساد الحقيقية، أن ثلاثة من بين المُحتجزين (الحاج عطا المنّان وكمال عبدالقادر وحامد صديق) لم تثبت للنيابة ملكيتهم لأراضي عن طريق الفساد، وقد أصدرت أمراً بالإفراج عنهم، ومع ذلك لا يزالون مُحتجزين بأمر المجلس العسكري.

كان الصحيح أن تكون الأولوية للتحقيق في قضايا الفساد الكبرى التي لا يزال الضالعين فيها طُلقاء مثل قضية إختفاء حصيلة أموال بيع البترول، وعمولات إستيراد القمح والجازولين، وقضايا الفساد في إستيراد الأدوية، وبيع سكر كنانة بالخارج، وقضية التقاوي التالفة، وقضايا الفساد الذي صاحب بيع مؤسسات وعقارات الدولة بالداخل والخارج، وقضية فساد إستجلاب القطارات الصينية بالمخالفة للمواصفات (لا تزال تقبع بمخازن ميناء بورتسودان منذ سنوات)، وقضايا فساد ترسية مقاولات مباني السلطة القضائية والمباني الحكومية الأخرى، وفساد عمولات مصنع سكر مشهور ... إلخ.

نتجه الآن إلى مضي نحو ربع عام على قيام الثورة التي إنتظر الشعب وصبر ثلاثون عاماً حدوثها ليسترجِع أمواله المنهوبة، والمؤسِف أنه حينما يفرغ الأطراف من تشكيل الحكومة المدنية سوف يكون كل الفاسدين وأموالهم خارج البلاد، ويكون كل ما ناب الشعب من حصيلة بضع أمتار أراضي سكنية هنا وهناك.