مشكلة المجلس العسكري أنه أراد أن يحظى بالحسنيين ففقد كلاهما، أراد أن يحظى بقبول الشارع الذي أشعل الثورة، ويقول للشعب أنه إنحاز لثورته من أجل تغيير نظام فاسد، ثم يلتفت للناحية الأخرى ويطبطب على اكتاف من قامت الثورة لإسقاطهم، ويستعين بهم في تسيير دولاب الدولة، وكلما عزل واحداً من أبناء النظام بموقع من المواقع، جاء بمن هو أكثر ولاء منه للإنقاذ.

المجلس العسكري أراد أن يأكل قطعة الخبز ويحتفظ بها في وقت واحد، أراد أن يكون له دور في قيادة الثورة، وقلبه مع أعدائها، فتح لهم منابر الإعلام والصحافة، وإتخذ من رموز وأركان النظام المخلوع مستشارين وخطباء، وتراجع عن قرار حل نقابات النظام وأعادها إليهم، وأطلق سراح نصف العدد القليل من قادة النظام الذين تحفظ عليهم في بداية الثورة.

المجلس العسكري يخاطب أبناء الشعب وهم يتدافعون أمامه في عز الهجير بساحة او ميدان عام ويقولون له أنهم منه وإليه، ثم يذهبوا بعد ذلك للقاء كتائب النظام وأعوانه ومساعدي الرئيس المخلوع ووزرائه في القاعات المبردة وقاعات الإستقبال بالقصر الجمهوري.

الآن فقط فهم المجلس العسكري أنه لا يستطيع الاحتفاظ لفترة طويلة بالثلج والماء الساخن في إناء واحد، وأدرك المجلس ان أعوان النظام الذين تظاهروا له بأنهم يعاضدونه في صراعه مع قوى الحرية والتغيير كانوا يخدعونه، وأنهم أرادوا استغلال هذا الصراع لكسب الوقت حتى ينظموا صفوفهم ويجدوا اللحظة المناسبة للإنقضاض على الطرفين والقضاء عليهم.

الآن فقط، بالإعلان عن وجود محاولة إنقلابية، فهم المجلس العسكري أنه أخطأ بتراخيه في إتخاذ الخطوات اللازمة لحماية وتأمين الثورة بعدم التحفظ على رموز النظام المخلوع بما في ذلك نائب المخلوع ومساعديه وقادة كتائب الظل والمنظمات الشبابية المسلحة التي لديها استعداد للقتال من أجل عودة النعيم الذي كانوا يعيشون فيه.

كما أن في هذا أيضا إشارة تنبيه إلى قادة قوى الحرية والتغيير، في أن يضغطوا على دواسة السرعة حتى يفرغوا من مداولاتهم ومباحثاتهم الداخلية وتفاوضهم مع المجلس العسكري بأعجل ما يمكن، حتى لا يتفاجأوا بأن القطار قد غادر محطة الخرطوم وهم لا يزالون في أديس أبابا.