منذ أن وقعت عيني على الفتى “شول مانوت” وهو يقف بجسده النحيل على المسرح يغني في برنامج (نجوم الغد)، شعرت بأن قلبي قد وقع في جوف بطني، وبرغم أنه كان يغني في ألحان شجيّة وبصوت رخيم، شعرت كأنه كان يُريد أن يُنهي إلينا رسالة مفادها أنه إبن هذا البلد لا مجرد صاحب صوت جميل، وبرغم التجاوب الذي وجده من الجمهور، شعرت بأن الذين كانوا يُصفّقون له داخل المسرح كانوا يفعلون ذلك وكأنهم يسألونه الصفح لكونه قد أصبح أجنبي بأكثر مما أطربهم صوته.

فأبناء الجنوب لهم في الوطن من الحقوق مثلما لأبناء الشمال، فقد عاشوا معنا في وطن واحد، وتزاملوا معنا في المدارس والعمل، وتوحدت مشاعرنا وقلوبنا معهم وتآلفت، فهم يلبسون (على الله) ويشجعون الهلال والمريخ ويحلِفون مثل أبناء الشمال بالطلاق.

بكل أسف، لم يُكتب للفتى الأسمر أن يمضي في طريق الشهرة والنجاح حتى نهايته، فإختفى عن الأنظار بعد إنقضاء تلك الليلة، فيما شقّ كثير من رِفاقة من أهل الطرب الذين يتفوق عليهم في الموهبة وحسن الأداء طريقهم إلى عالم الشهرة والأضواء وأصبحوا “نجوم الحاضِر” ولهم حُرّاس شخصيين.

ثم وقع بصري مرة أخرى على “مانوت” عبر صور فوتوغرافية، ظهر فيها المسكين وقد كاد يقضى المرض والهزال على جسده النحيل، وبدى في الصور وهو يستلقي على جنبه في لِحافٍ مُتّسِخ فُرِش على الأرض تحت حائط لمبنى مستشفى، وقد وُضِعت أمامه قيروانه بها بقية طعام يشبه الطحين الممزوج بالماء، وإلى جانبه قنينة بلاستيك بها سائل يُشبه الماء. كان وحيداً وليس هناك ما يشير إلى وجود أحد يقوم برعايته، وكان ينظر نحو الكاميرا بعيون زائغة وقلب مُلتاع، وكأنه يستنجِد بأهل المعروف.

كم أحزنني وفطر قلبي خبر وفاة شول مانوت وقد مات غريباً في وطنه. نسأل الله له الرحمة والمغفرة. إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله.