الصحيح أن يكون إسترجاع الأموال المُتحصلة عن جرائم الفساد جزءاً من العقوبة التي توقِعها المحاكم على الفاسدين، وهي الإعدام أو السجن بحسب العقوبة التي يحددها القانون للجريمة. نقول ذلك لأن إسترجاع الأموال بقرار خارج سلطة القضاء سوف تترتب عليه النتائج التالية:

- يُؤدي إسترداد الأموال دون محاكمة إلى تمكين المجرم الفاسد من الإفلات من العقوبة، والسبب في ذلك أن لجنة التفكيك تعتمد في قرارات الإسترداد على نتائج تحقيقات اللجان التي شكّلها النائب العام، وذلك يقطع الطريق عليه من تقديم المتهمين للمحاكمة مرة أخرى مستقبلاً إستناداً على نفس الوقائع التي إستندت عليها اللجنة في قرار الإسترداد.

- يؤدي إسترداد الأموال دون محاكمة إلى إفلات الولاة والوزراء والمسئولين الذين قاموا بتخصيص الأراضي والعقارات وترسية العطاءات من الملاحقة القضائية مع كونهم شركاء بالمساعدة والتحريض في تلك الجرائم.

- يؤدي إسترداد الأموال دون محاكمة إلى حرمان الشعب من الوقوف على حقيقة شبكات الفساد من واقع ما يتم طرحه من أقوال وبيانات على لسان الشهود والضحايا في المحاكمات العلنية التي تُجرى للفاسدين.

- واجب قوى الحرية والتغيير ومجلس الوزراء العمل على إجازة قانون مفوضية الإصلاح العدلي بأعجل ما يُمكن حتى يمكن تقديم قضايا الفساد أمام قضاء يطمئن إليه الشعب بعد تحقيق الإصلاح المطلوب، وغني عن القول أنه ليس هناك خشية من التصرف في هذه الأموال لكونها تحت الحجز والتحفظ لحين صدور الأحكام القضائية المأمولة.

تبقى القول أن إسترداد الأموال دون محاكمات قد يُشفي الغليل وينتشي به الشارع كما نرى حدوثه الآن، ولكن سوف يأتي الوقت (وهو قريب) الذي يستفيق فيه الشارع حين يرى الفاسدين وهم طلقاء وينعمون ببقية الأموال التي لم يطالها الإسترداد، إما بسبب إخفائها أو بسبب عدم تمكين الشهود من كشفها وتقديم البينات حولها أمام المحاكم.

طالعت التعليقات التي يشير أصحابها على عدم وجود ما يمنع قانوناً من محاكمة الفاسدين بعد إسترداد الأموال، وأنا أؤيدهم فيما ذهبوا اليه، ولم أقل أن ذلك غير ممكن، ولكن الواقع يقول بغير ذلك، فالنائب العام إذا كانت لديه النية لتقديم هذه القضايا للمحاكمة لما دفع بنتيجة تحقيقاته ليتم بموجبها إسترداد الأموال مقدماً قبل المحاكمات، ويبقى السؤال قائماً، لماذا فصل الاجرائين، ولماذا لم يقدم الفاسدين للمحاكمة بالمرة؟