حتى الآن (صباح 13/6/2017) لا يوجد تأكيد لما نُشِر وإنتشر على نطاق واسع حول إعفاء طه عثمان مدير مكتب رئيس الجمهورية وإنتهاء دولته، برغم أن هناك شواهد تؤكد أن الخبر صحيح، فقد سألت صديق ديبلوماسي في رسالة هاتفية وهو شخص قريب من مراكز القرار عن صحة الخبر، وأجابني يقول: "حتى الآن لم يصدر القرار بشكل رسمي" بما يعني أن الخبر في جوهره صحيح.

الذي لا جِدال حوله أن الفريق طه عثمان هو صاحب أقوى نفوذ وسلطان مرّ على الإنقاذ في جميع مراحلها، ولديه من النفوذ والسلطة بحيث لا يستطيع أجعص كوادر النظام أن يذكر إسمه بخير او شر ولو في جلسة خاصة وداخل غرفة مغلقة، فالوزراء والمسئولين على أعلى مستوى يتردد الواحد منهم ألف مرة قبل أن يُحرّك شفتيه بنطق بإسمه، ولذلك كانوا يُطلقون عليه لقب (أبو حرفين).

بيد أن ذهاب طه أو بقاؤه لن يُغيّر في واقع الحال أو المنهج الذي يسير عليه النظام، فقد ذهب كثيرون قبل طه من أصحاب النفوذ وظن الناس أنهم كانوا العقبة الكؤود (كلٍ في مِضمَاره) نحو تصحيح مسار النظام ليفتح عقله وقلبه ويُصالِح الشعب، ولكن، ما إن تحدِف الإنقاذ بمُتجبّر حتى تأخذ عِوضأ عنه في حضنها من هو أسوأ وأضل، فقد ذهب قوش وجاء عطا، ذهب علي عثمان وجاء طه عثمان، ذهب "الدقير" وترك مقطورة وراءه، خرج منّي أركوي من السلطة وجاء مكانه "أبوقرده" ... إلخ.

الذي حمل النظام على التلكؤ في إعلان قرار عزل الفريق طه، هو أن النظام إستشعر الخجل والحرج من أفعال الرجل الذي كان حتى قبل أيام يدافع عن جرائمه ويقاوِح ويُنكِر كل ما يُنسب إليه من فساد وتجبّر وظلم في حقوق الوطن وأهله، ذلك أن جنس المعلومات التي يُقال الآن أن جهاز الأمن قد كشفها للرئيس بالمستندات وكانت وراء قرار العزل، مثل قيام (طه) بتحويل مبلغ (30) مليون دولار في حسابه البنكي وشرائه لعدد من المنازل الفاخرة بمنطقة يسكنها الأثرياء ونجوم السينما في دبي بدولة الإمارات العربية، مثل هذه المعلومات كان الصحفي المُنقّب والمُثابِر عبدالرحمن الأمين قد وضعها وأكثر منها بالصور والمستندات تحت تصرف كل مُرتادي شبكة الإنترنت قبل شهور طويلة.

نعم، ليس صحيحاً أن جهاز الأمن قد وضع يده على معلومات جديدة وأطلعها للرئيس، فكل المعلومات حول طه عثمان كانت مطروحة على البساط، وليس ذلك في شأن طه وحده، فليس هناك حقيقة تخفى على هذا الشعب، فهو يعرف كل شيئ عن أي شيئ، يعرف من سرقه مليم ومن سرقه مليار ويعلم أين يُخفى المسروق، ويعرف تفاصيل ما في ذمة أي مسئول يوم إستلامه الوظيفة ويوم خروجه منها، ويعرف بالتفصيل الدقيق أسماء الذين إنتفعوا من وراء كل مسئول وشكلوا جوغته ومجموعته، وحققوا من وراءه ثرواتهم ضخمة، ليس هناك إسماً خافياً على الشعب، يعرف جوغة المُرابطين بوزارة المالية، وفي بنك السودان، وبمكاتب الولاة بالعاصمة والأقاليم، ويعرف الذين إنتفعوا من عقود توريد القطارات وأسماء من أثروا من صفقات توريد الدقيق والجازولين ... إلخ.

بحسب تقديري أن النظام سوف يستمر في التلكؤ في الإعلان عن قرار عزل الفريق طه أو لربما تُجرى تسوية ومعالجة للموضوع لمداراة القضية، ذلك أن طه أمس الذي كان يمتطي "موتوسيكل" وغاية مُناه أن تُلتقط له صورة فوتوغرافية مع شيخ الأمين، ليس هو طه "بتاع" اليوم، فالرجل أصبح جنرال "فيلدمارشال" مثله مثل قائد الجيوش البريطانية مونتجمري، كما أنه أصبح يمتلك مفاتيح وأسرار النظام وأفراده وأصبح شخصية لها وزن في المحيط العربي والدولي، حتى أنه يُعتبر السوداني الوحيد الذي وضع يده على يد الرئيس الأمريكي ترامب.

لا ينبغي النظر إلى ما حدث للمدعو طه عثمان (إن صَحّ) على أنه مجرد موضوع شماتة في ظالِم إجتمع عليه أهل النظام والمعارضة، فهناك أكثر من (طه) في كل وزارة وولاية وهيئة وبنك، فالصحيح أن تنتهز الحكومة سقوط (هُبَل) الكبير لتضرب معه الأصنام الصغيرة المُنتشرة بالأجهزة الحكومية، فليس بعد (طه) حرج، فالذي ناب الحكومة من وراء ما فعله طه ليس أكثر مما فعله مدير أراضي ولاية الخرطوم ووكيل وزارة العدل السابق الذي إستولى على أراضي الدولة ومضى إلى منزله دون سؤال (حملت الأنباء أن المذكور قد دخل في شراكة وفتح مكتب بإمارة دبي مع مستشار بالنيابة كان قد خضع هو الآخر للتحقيق في موضوع إنشاء شركة كانت تقوم بتوريد إحتياجات الديوان).

متى يأتي الوقت الذي ينتفض ويثور فيه النظام على نفسه، فالرجل مهما بلغ به الفجور والطغيان وهو في مرحلة الصبا، يتبدل حاله بعد تقدم العمر وحين يستشِم رائحة الموت، فالذين إمتطوا السلطة وتوزعوا المناصب والمواقع فيما بينهم قبل ثلاثين سنة وهم شباب في مقتبل العمر، أصبح أصغرهم اليوم يزحف بخطى حثيثة نحو السبعين، فمتى يثوب هؤلاء الشيوخ إلى رشدهم !! متى تمتلئ بطونهم !! ما الذي يكفيهم !!

تبقى القول أن طه إذا بقى أو ذهب سوف يظل إسمه يشكّل عهده أيقونة يذكرها التاريخ لأجيال وأجيال، ويرتبط ذلك بمن أصولوه هذه المكانة !!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.