اذا كان ثمة جيل يستحق وسم "جيل البطولات" بين من يدب على أرض الوطن حاليا فهو هذا الجيل الشاب المائج في الطرقات. هؤلاء المباغتون الطبقة السياسية على ضفتي السلطة. الخارجون من توابيت السكون والخنوع والإستسلام كاسرو التابوهات المفروضة بقوة السلاح الأرعن وعنف أجهزة القمع الشرسة ولجاجة المنابر الببغاوية وماكينة إعلام مكرسة للغوغائية. هؤلاء الذين تفتحت أبصارهم وبصائرهم عنوة على واقع مشرب بالآحادية الصمدية المتجبرة. من أين أتى هؤلاء الفتية الرافلون في البسالة والشجاعة بمشاعل اليقظة والوعي الوهاجة بغية إنارة الدروب لجهة غد وضاء؟

هم وحدهم يستحقون جدارة "جيل البطولات" إذ هبوا خفافاً ينفضون ركام ثلاثة عقود من الخذلان والإخفاق المطبق على كل آفاق الوطن مكرسا بغطرسة عمياء. فكيف أفاق هؤلاء الفتية على روح مسرفة في المبادأة، الخلق والإبداع. هم الذين لم يقدم لهم سابقوهم من المعاصرين سوى بضعة مرشدين متنافرين متباعدي الخطوات والخطوط. من أين لهذا الجيل إقتباس روح العطاء، البذل النبيل والفداء دونما يجدوا من سابقيهم المعاصرين غيرثلة مناضلين تبرق أرواحهم وأجسادهم نجيمات من وراء ظلام السجون وعلى منصات التاريخ.

من أي المنابت خرج هؤلاء المسلحون بإلإرادة الصلبة يستنفرون الركود من أجل صناعة المستقبل البهيج في طلاقة سياسية. بل كيف تمكنوا من تعبئة الشارع المترهل بالفاقة والكسل دونما تقديم قيادة كرازماتية ذات بريق معهود أو إنتماء مألوف. ألا يستحق هؤلاء السحرة مربكو فرعون وقومه إجلال البطولة؟ فمن إذاً يستأهل الثناء غير عازفي هذه الملحمة البطولية عبر المدائن والبلدات والبنادر في أصقاع الوطن؟؟

ربما بدا المشهد مقتبسا من نصوص الربيع العربي لكن بهاء الفكرة المشربة بالتجربة الموروثة، لحمة القاعدة والقيادة الصاعدة إلى مسرح الفعل من الكواليس المبهمة يضعه إستثناءً فوق إلتهاب ساحات العواصم العربية متنازعة التيارات، الروافد والغايات. للثورات التاريخية دوما مرجعية مكتوبة أو مجسمة تقتدي بهديها. لكنما ثورة جيل البطولات تخط مرجعيتها وتشخصنها بروح جماعية في الطرقات على إيقاع نضال وطني سخي يومي موسوم بنكران الذات.

حتماَ قرأ أؤلئك الفتية في أدبيات وخلفيات إنبثاق الثورة الفرنسية لكنهم لم يندفعوا بفعل غريزة الجوع وحدها. كما أنهم لم يجعلوا نخبة قبس التنوير ملهميهم. بالطبع اطلعوا على صراع البلاشفة من أجل إقتلاع القيصر غير أنهم لا يطرحون سؤال لينين الخالد "ما العمل" منهجا. بلا أدنى شك عرفوا كيف ثارت شعوب أوروبا الشرقية ضد هيمنة الحزب الواحد وفساده.غير انهم لم ينظروا أحدا يتسلق جدار الحاضر المصمت كما فعل البولوني ليش فاليساعندما تسلق الجدار في حوض غدانسك لتسري دماء الثورة في شرايين الكتلة الشرقية المتكلسة بالجمود.

هم يدركون جيدا جميع عناصر إخفاق الطبقة السياسية العربية العاجزة عن النهوض بأعباء مرحلة الإستقلال الوطني تحت قبعات أنظمة لا تملك مفاتيح المستقبل. لكنهم لم ينتظروا مشهد "بوعزيزي" التونسي ليشعلوا أفق الثورة. ألم يصفنا الرئيس نفسه بأننا "شعب معلم"؟ يا لجسارة حناجر فتيات يستلهمن أخيلة كنداكات في وجه أرتال القمع إحتجاجاَ ضد مصادرة حرية ذوقهن في إختيار ثيابهن و ضد سياط القهر تلهب أجسادهن البضة وزنازين التحقير يحشرهن فيها قسراً بلا رحمة نظام إسلامي لايتمثل قول رسوله الكريم "أوصيكم بالنساء" أو يمتثل ل"رفقاً بالقوارير". يا لبلاغتهن وهن يؤكدن في جذوة روح تطغى على جاذبية الجسد ونفاذ عقل يتفوق على شهوة الغريزة.

كما ما من أحد يجرؤ على إجراء فرز سياسي وسط جموع الشباب الثائر تخفق حتما كل مغامرة تستهدف تنقيذ إحصاء جندري في السيل الهادر عبر الطرقات. هم كما يدورون عبر مدار نضالي واحد نحو مراق غايات شاهقة مرسومة. هم كذلك ينطلقون من قاعدة وطنية مشتركة راسخة. كلهم يستلهمون في شعاراتهم بساطة أهازيج مهيرة بنت عبود البليغة، جميعهم يتسربلون كبرياء المك نمر، يستقون معجزات الإمام المهدي في تعبئة الجماهير، يستوعبون تكنيك مربعات عثمان دقنة في إنهاك عتاد الخصوم. كلهم يستحضرون صلابة علي دينار في المواجهة، يستنطقون بسالة وثبات عبد الخالق محجوب ومحممود محمد طه أمام الجلاوذة القتلة في كتابة التاريخ بالقناعات المبدئية وصناعة الأنموذج الإنساني الفريد.

جميعهم تلاميذ شعب معلم إن لم يكن مولع بالبناء فهو حتماً ضد التدمير وضد السلب وضد النهب كما قال الرئيس.

لذلك خرجوا يطلبون الثأر ممن دمر بناهم التحتية مثار المباهاة وسط الأنداد.كم هو مدعاة للحنق والحسرة خراب مشروع الجزيرة مثلما كان من قبل خراب سوبا. كم هو مدمر للآمال عصف الخطوط الجوية والبحرية. كم هو مثيرللرثاء إضاعة ثلث البلد تحت حمى التعصب البليد الأعمى. كم هو مشعل للغضب حد الثوران نهب الأرصدة الوطنية وسلب المدخرات الشخصية وتجفيف السيولة العائلية لتسيير أبسط مقومات الحياة اليومية. نعم نحن شعب معلم يملك من الخيرات الوفيرة البكر والكوادادر البشرية ما يعين على بناء مجتمع الكفاية إن لم يكن الرفاهية. لكن كيف انتقلنا في هذا العهد إلى أرض يباب وبوار وشعب ينهشه الجوع والإستجداء المحظي منه يتسكع على أرصفة الحسرة في المنافي والمهاجر؟؟؟

بالله عليك من يتهم من بالتدمير وبالتخريب وبالسلب وبالنهب ؟؟؟

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.