إعادة بناء جسور التواصل فوق برك الدم ومحرقة أرواح الشباب في ساحة الإعتصام أجدى من إبقاء الهوة فاغرة فاهها بين قوى الثورة والمجلس العسكري. عبر الرجوع إلى طاولة الحوار نافذة أمل في إنقاذ الوطن. القضية ليست بين الحراك الجماهيري والجيش. الأزمة في إختطاف الثورة والوطن من قبل قائد الجنجويد. الجيش لم يعد لاعباً أساسياً على المسرح رغم وجود جنرالات خلف المايكرفونات. كلما قال هؤلاء إن الدعم السريع جزء من القوات النظامية تأكدنا أنهم أمسوا جزء الجنجويد. أم كيف يرتضي شرف الجندية ممارسات الإذلال ضد الشعب ؟

بأنفسنا لحظة الإنتصار التاريخي يوم أرتضينا المساومة على الحسم. العودة إلى مائدة الحوار يمنحنا أملاً في إسترداد الوطن من هاوية بلا قرار. ما يحدث ليس سوى ملمح عميق من أزمة النخب السودانية على مستوى الحياة المدنية والقوات النظامية. هي أزمة عقل بلغ به الإفلاس حد العجز عن الفرز بين المتعلم والجاهل.

طوال أكثر من ستة عقود لم تتمكن نخبنا من الخروج بالدولة والمجتمع من تحت ظل الوصاية. فقط خرجنا من أسر الأرستقراطية التقليدية إلى قبضة حملة السلاح. مقابل عجز النخب في النهوض بمهمة التنوير أنفتح الأفق أمام الجهلة، المهرجين والإنتهازيين. تحت مظلة الإستبداد إنحسرت فرص إنجاز أي قدر من التنمية. مما ساهم في ذلك القعود بالإضافة إلى تلاشي الأرستقراطية التقليدية، ذوبان الطبقة الوسطى والتوغل في الصدام بين شرائح الإنتلجنسيا المؤدلجة كما التوغل في فصامها.

حميدتي إبن شرعي للبيئة السياسية صنع النخب الحاكمة المستبدة ذات التوجه المشرّب بالفصام بين الخطاب السياسي والممارسة. هو منتج تلقائي لثقافة الهروب إلى الأمام عبر تضخيم الإنجازات الوهمية والإسراف في تكريس معاقبة عناصر الرفض والمعارضة السلمية. هو في الوقت نفسه صورة ملتبسة لبطولة زائفة من إنتاج أجهزة إعلام منمطة للتسطيح الفكري، الثقافة الإستهلاكية والسعادة الوهمية.

من المؤسف المحزن وجود شرائح من النخب لا تزال عاجزة - رغم تجربتنا الطويلة المريرة - عن إدراك إستحالة تحقيق أي تقدم على جبهات التنمية المتعددة في غياب الديمقراطية، بمعناها المبسط في الحرية والمشاركة في صوغ الحاضر ورسم الغد. أسوأ من ذلك وجود شريحة نخبوية لا تستحي من بذل ذاتها في خدمة الطغاة فاقدي الحد الأدنى من الرشد الإجتماعي دعك عن الوعي السياسي أو مؤهلات القيادة.

من هنا ولهذا كله ينبغي على الفئة القليلة من حملة قبس التنوير ضخ ما استطاعوا من التحريض على استئناف الحوارمن أجل قطع الطريق أمام إنزلاق الوطن إلى الهاوية الماحقة. هذه مهمة تستأهل االقفز فوق الآلام والأحزان كما تستوجب االتعالي على مشاعر الكبرياء والكرامة الضيقة من اجل تأمين مصير الوطن ومستقبل الشعب. الحفاظ على الإصطفاف عند المنحنى الراهن يشكل إحدى درجات الوعي المتقدم.

السودان ليس في حاجة فقط إلى إستئناف حوار من أجل إقتسام هياكل السلطة. التجربة الطويلة المريرة تستوجب أولوية التركيز على تشريح ثم معالجة العقبات البنيوية المعيقة بناء دولة مركزية قوية وعادلة. تلك مهمة ليست عصية على الإنجاز طالما إستقصد االإجماع على النأي عن العصبية الضيقة كما نفي الإرتكازعلى القوة.

النخب السودانية مطالبة أكثر من أي وقت مضى بالعمل الجاد من أجل ترسيخ المضامين الجوهرية لاستحقاقات الصفوة. على النخب الجالسة على مقاعد وثيرة في أبراج ليست عاجية في الواقع المعيش النزول من أجل النهوض بواجبها في القيادة والريادة. هذا واجب لن يتحقق ما لم تسع النخب إلى الإندغام داخل النسيج الإجتماعي. هذا دور لن يتأتى ما لم تنهض النخب ببناء تنظيمات لها القدرة على الفعل الممنهج.


من الممكن إختزال التباين في تأطير مفهوم النخبة بالإتفاق على تعريف معمم يجمع شريحة ذات قدرات وكفاءات تتيح لها ممارسة تأثيرعلى المجتمع بغية ترقية حياته. هذا الدور لا يقتضي بالضرورة الإنصهار ضمن مشروع الدولة. الأهم بل الأجدى ممارسة النقد الهادف بما في ذلك مشروع السلطة نفسه.

أبرز أمراض نخبنا تتبدى حينما تصبح جزءً من مشروع الدولة. فهي لا تكتفي فقط باحتكار السلطة بل تذهب بعيداً لجهة إحتكار حق الشعب في التفكير والإختيار. أكثر من ذلك تتوغل في الإحتكار لجهة ممارسة أقصى أشكال الإستبداد بتضييق الخيارات أمام خصومها أومنافسيها بين الترغيب والترهيب، بين الوعد والوعيد.

الإنسداد الراهن المفتوح فقط على الهاوية لا يمكن إختراقه بعقلية النخب المثقلة بالأمراض المزمنة. الأمر يتطلب خطاباً سياسياً يتخذ من الثورة شعاراً لا يستهدف فقط إحداث قطيعة جذرية مع الماضي، بل يتبنى استراتيجية متكاملة الرؤى. الحراك الجماهيري العارم يريد قاطرة تعبر به إلى مستقبل جديد خال من البرامج المجمعة على عجل أو ممارسات التكيف البرغماتية قصيرة الأجل. فروض الأبوة أو ثقافة العنف أو مظلات العصبية المفردة على أعمدة الدين أوالقبيلة أو الجهوية. الحراك الشبابي المتدفق حيوية المتدافع نحو الغد بارادة العطاء والفداء يستأهل نخب ديدنها الإنحياز إلى المجتمع وغايتها الإصلاح. نخب شروط عملها الحرية والمعرفة. نخب لا تستبدل الإغراء بالإقناع. نخب ليس سقف طموحها مقاعد في هرم السلطة كما ليس ذروة جدلها الرضاء عند التوافق، التراضي والتناوب.



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.