من اليسير بلوغ حد أدنى من الإتفاق على أننا نعبر منذ عشية إنتصار ثورتنا المبهرة فترة رمادية.على قدر إرتفاع منسوب وعينا الفكري قي اتساق مع وحدتنا بالإضافة إلى بلورة غاياتنا يأتي إختزال الفترة الرمادية بحيث تصبح فصلاً قصيراً من المرحلة الإنتقالية. ولوجنا فاصلاً رمادياً ليس بالخطيئة الثورية أو السياسية مادامت قدراتنا المبعثرة تحت عبء حمولة من الضغوط والتحديات إبان الثورة وغداتها. ربما ساهم في رمادية المنحنى الراهن غبش الرؤى السياسية ، غياب الإجماع ،ضعف البنى القيادية بالإضافة إلى تصعيد رجال رماديين في خضم ولادة قيصرية متعثرة إلى كابينة القيادة.

إختزال الفترة الرمادية مهمة ليست عصية لكنها ليت باليسيرة. تلك مهمة تتطلب زيادة في بث الوعي ، مزيداً من التلاحم وتوسيع رحابة النقد الذاتي وقبول الرأي المغاير.كما من المستحيل إنجاز مهام المرحلة الإنتقالية فمن غير المتاح إشباع نهم الجماهير في التغيير إبان أشهر معدودات.المطلوب من سلطة الثورة – على الأقل - إقناع الجماهير المتلهفة إلى التغيير بجدية السلطة في الإنكباب الدءوب بغية مغادرة الفترة الرمادية.

بلى، ليس في الإمكان بلورة أحلام الشهداء واقعاً على درب ملغوم بالمتاريس ،التربص والتحديات .بينما نفتقر إلى العدة والعتاد المطلوب من أجل العبور الآمن.الإعتراف العلني بإنتشار بقع من الإحباط وسط الجماهير فضيلة سياسية . لكنما غايات الثورة الكبرى لا يتم بلوغها بالنواي الطيبة . كل مواطن – بما في ذلك أعداء الثورة – تتملكه رغبة جموح ان يصبح يومه أفضل من أمسه وغده أبهى من يومه. تاك الأماني لا تتطلب تحول رجال السلطة إلى أبطال.فقط يجب عليهم إقناع الجميع أنهم متسلحون بما يكفي من الإرادة والجدية في البذل مع الشفافية في الأداء. لا أحد يريد من الساسة الجدد أن ينتهوا شهداء.تلك أنفع الوسائط لإحلال دوائر الأمل مكان بقع الإحباط. لم يعد ثمة متسع للوعود.

أنت غير مقنع البتة حينما تتحدث عن العدالة بينما سارقو أقوات الشعب لا يزالون يمارسون ضروب النهب الصراح بعيداً عن يد الملاحقة و المساءلة. انت ليس فوق الشبهات حينما يضيق صدرك بالنقد والإنتقاد بينما صحف الصباح تتخم نهاراتنا بالكيد الكذوب ثم تغمرالفوهات الفضائية أماسينا بالويل والثبور. إن تكن الحرية لأعدائنا قبلنا فأنت هنا تهدم – على الأفل - أحد أركان المساواة . هكذا لا نزال شعار الثورة النبيل هو الآخر مثلثاً من رماد. في هذا المنعطف لم تعد ثمة منطقة وسطى بين الجريمة والعقاب.

بلى، لايزال هناك هامش للخطأ مع تغليب إحتمال الصواب. لكنما الخطأ ينتج تحت ضغط العمل وليس في ترهل الكسل.مع التلويح بالبشارات يولَد الرغبة في التصفيق لكن ذلك لا يسكت نباح الجوع للإنجازات. ليس بالوعود وحدها نحافظ على وهج الثورات.

مع الإعتراف بحق جميع فصائل الثورة في ممارسة حقها غير منقوص في النقد لكن ينبغي حرصها على عدم الذهاب حد تنصيبها حكماً يمنحها حق تخوين الآخرين. ليس المهم هنا الفرز بين الحق والباطل ، الخطأ والصواب بل مفصل القضية هوالحفاظ على وحدة قوى الثورة.ذلك لا يؤمن فقط ما تحقق وماهو ممكن من مكاسب ، بل لردع قوى التربص وكل أعداء التقدم.مع أهمية فتح قنوات الحوار يبقى مهما كذلك تبادل ممارسة النقد عوضا عن إستئثار فصيل دون غيره حداَ يهبط بنا سفح تبادل الإتهامات.

مقابل الإقرار بحق الحزب الشيوعي في ممارسة النقد فليأذن الرفاق بالقول في نأيهم عن هياكل سلطة الثروة ذلةسياسية لاتليق ببذل الحزب والمقام .تلك قناعة يرسَخها دور الحزب رافداَ رياداَ في العمل الوطني عامة وشريكا مثابرا في مراكمة العمل الثوري خاصة. ثمة سؤال مؤرَق جذره:لمصلحة من ينفض الرفاق أيديهم عن المشاركة في البناء؟ هذا تساؤل ينبع عن قناعة بأن المساهمة في الإصلاح من الداخل أجدى وأمضى من المحاولة من على الرصيف في الخارج. هذا موقف يزيد من قتامة الفترة الرمادية.

ربما يقتضي الأمر اعادة الحديث عن حتمية إحداث التغيير بالإستيلاء على السلطة.تلك حتمية لامهرب عنها حينما لايتوفر" موديل " بديل جاهز أمام قوى الثورة .كل القوى مطالبة ببلورة مشروع وطني جاذب للشراكة ليس للعزل أو العزلة.لاخلاف على أن إعتمار السلطة قبعة عسكرية يناقض شعار مدنيتها .صحيح كذلك وجود تقاطعات خارجية على أرض بناء هياكل النظام الفتي .لكن في المقابل يظل التعامل بلباقة مع الحقائق على الأرض مع الإستثمار فيها أفضل من إنكارها أو محاولة القفز عليها .ربما ييليق هنا التذكير بمأثورة لينين " السياسة فن الممكن" حتى لايتحول البذل الممهور بالدم رماداً.

ربما من المفيد إستعادة موقف الحزب نفسه غداة إنقلاب مايو.على الرغم من الموقف المبدئي للحزب تجاه توصيف ماحدث بأنه انقلاب نفذذته ش يحة من البرجوازية الصغيرة إلا ان الحزب لم يمانع في المشاركة ضمن هياكل سلطة الإنقلاب، فقد منح المكتب السياسي أعضاء مجلس الثورة موافقة باستكمال المشوار. على الرغم من رفض الحزب تسمية وزراء شيوعيين من وراء ظهر الحزب فلم يطلب من الوزراء رفض حقائبهم . رغم ضيق عبد الخالق محجوب شخصيا من ممارسات قادة الإنقلاب وإعلانه في وجودهم أن الحزب سيكون أول ضحايا الإنقلاب لكن غضبه الشخصي وموقفه المبدئي لم يحملاه إلى النأي بالحزب عن مجرى الفوران الشعبي آنذاك بل سعى بوعي إلى التأثير فيه.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.