عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
من منطلق التفاؤل نأخذ على محمل الجد الوعود بتأسيس جمهورية جديدة على خارطة السودان المتبقية بعد الانفصال. تفاؤل يتأتى من قناعة بحتمية هذا التغيير للإبقاء على وطن موحد يقبل على غد أفضل. التفاؤل نفسه يتسرب من رغبة في حصول قناعة لدى النخبة الحاكمة بتلك الحتمية.
التفاؤل لن يتحول واقعاً ما لم تصبح الرغبة كذلك قضية ملحة على المستوى الرسمي. في البدء يجب الاعتراف بضرورة العمل الجماعي بغية انقاذ الوطن من بحر الأزمات المنزلق فيه. انفصال الجنوب يراكم أثقالاً جساماً على الجبهة الاقتصادية. اتفاق الدوحة لم يحقق على الأرض ما يؤشر لدنو السلام في الغرب. مسلسل التنازلات المقدمة من قبل الخرطوم لم يساهم في ترميم الجسور مع الخارج.
هذه إخفاقات وضغوط أقعدت الدولة عن النهوض بأعبائها. الجرأة على الاعتراف بهذا الوهن يعين على تلمس سبل رد العافية للدولة. أحد مضخات التفاؤل تتجسد في رؤية مفترضة بأن الرغبة في تأسيس جمهورية جديدة تستهدف بالضرورة احداث إصلاح سياسي جذري.
الخطوة الأولى على هذا المسار تبدأ بانقاذ الدولة من النظام الحزبي الأحادي القابض على رأس الدولة وقلبها وشرايينها ومفاصلها.
انقاذ الدولة من هذا الاخطبوط يذهب باتجاه انقاذها من شرورها ومن نفسها الآثمة القاصرة. هذا ليس تحريضاً ضد بقاء الحزب ولكنه ضد إبقاء الدولة رهينة للحزب أو التماهي بين الدولة والحزب.
آفة النظام الحزبي الأحادي الرابض على الدولة انه لا يملك أكثر من ضخ التحريض السياسي المشحون بالمذهبية والقبلية في ماكينة الدولة وعروق المجتمع. هذه الطاحونة لم تنتج غير ثقافة الخوف القائمة على الرغبة والرهبة. هذه ثقافة لا يقاسيها خصوم النظام وحدهم بل حتى أنصاره. فالذين يقتربون من مواقع السلطة بدافع الرغبة للاستمتاع بفيء الدولة يعايشون نوبات الخوف. هؤلاء يخشون غضب أركان النظام ومن ثم مواجهة عقوبة الحرمان من الامتيازات المكتسبة. هذه النوبات تصبح مزمنة بعد جفاف أنبوب نفط الجنوب. عائدات النفط زادت التماهي بين الدولة والحزب بحيث لم يعد ممكناً فصل احدهما عن الآخر. هكذا أصبح الحزب صاحب الصوت الأعلى بلسان الدولة والرأي الأقوى بأجهزة الدولة. متسلحة بهذا العنفوان الشرس تخطت الدولة أطر دورها السياسي إلى الإنفراد بالبت القاطع في الشأن الاجتماعي والثقافي.
من شأن تكريس الاستبداد على هذا النحو رفع حواجز وعقبات ومصدات أمام عملية التطور السياسي والاجتماعي فإذا أمكن للاقتصاد ان ينمو ولمستوى الحياة ان يتحسن والقوة العسكرية ان تتعاظم فإن «شيئاً واحداً لابد ان يتدهور وهو المستوى الأخلاقي» كما يقول منيف الرزاز.
لعل هذا يفسر النتوءات الاجتماعية الجارحة والفاجعة المتداولة عبر أقنية الإعلام. هكذا يبدو جلياً أن المحنة لم تعد قاصرة على الصعيد السياسي. فعلى الصعيد الاجتماعي يبث النظام بالإضافة إلى ثقافة الخوف قيم الخضوع والطاعة مستعيناً في ذلك بالمؤسسة الدينية. في هذه العاصفة تخفت الأصوات العاقلة المنادية بالإصلاح والتطهر وتجفيف بؤر الفساد. من الممكن اسكات الأصوات النادرة بأساليب متباينة هذا ما يتم ممارسته بالفعل.
ربما يفيد المعنيون بتكريس هذه المنظومة اللأخلاقية ودعاة تأسيس جمهورية جديدة تذكيرهم بقول معاوية ( الناس أعطونا سلطاناً فأظهرنا لهم حلماً تحت غضب وأظهروا لنا طاعة تحتها حقد ).
انقاذ الدولة من شرور النظام الحزبي الاحادي هو الطريق الأقصر لتجفيف جيوب الاقتصاد الطفيلي ومداواة أمراض التفتيت وعاهات الفساد ورد الهيبة للدولة.
من غير الممكن تأسيس جمهورية جديدة من دون أحداث إصلاح نظام سياسي جذري. النظام الحالي يشكل طبقة ممانعة أسفنجية قادرة على امتصاص كل محاولات التحديث الجادة. أي مشروع إصلاحي لا يستهدف فتح الأفق أمام المشاركة الديمقراطية الحقيقية يصبح حرثاً في البحر. عوضاً عن ثقافة الخوف وقيم الطاعة والخضوع تفتح الديمقراطية مسارات ومسالك أمام نشر قيم جديدة تنبع من الرأي والرأي الآخر القائم على الاحترام المتبادل وإطلاق الطاقات الخلاقة لدى الجميع.
أحد أسباب انزلاق الدولة إلى بحر الأزمات يتمثل في إقصاء عناصر فاعلة في المعترك السياسي والميداني المدني ممن لهم رؤى وطنية نافذة.
القبول بالتحول الديمقراطي يعني شرعنة العلاقة بين الدولة والنخب السياسية. القمع الممارس لم يقص هؤلاء فقط بل أفرز عزوفاً لدى المواطن عن المشاركة في الشأن العام ومن ثم تخليه عن الدولة تواجه مصيرها مع النظام الحزبي القابض. هذا العزوف ساهم كذلك في بث روح اللامبالاة ومن ثم استهتار المواطن بقوانين الدولة وتشريعاتها.
الديمقراطية مشروع لا يتحقق بين عشية وضحاها بل سيرورة طويلة يجري إبانها الحوار حول الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي. من شأن مثل هذا الحوار معالجة بؤر التوتر والعنف وطمأنة المناطق المسكونة بشعور التهميش وكنس مظاهر الغبن السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
ربما يفيد كذلك المنادين بتحديث جمهورية السودان أن أبرز ايجابيات الديمقراطية قدرتها على إطلاق الابداع في الميادين الإنسانية المتباينة. لعل هؤلاء يدركون ان السودان ليس جبلاً لا عاصم له من رياح التغيير في المنطقة.