عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

انقشاع الأدخنة عن لندن لا يعني سكون حرائق البريطانيين الملتهبة بأعمال الشغب والنهب الشبابية. العديد من الأسئلة الحارقة لاتزال عالقة فوق رؤوس البريطانيين تتطلب اجابات شافية وعاجلة.
بعد كنس ركام مخالفات المشاغبين وإعادة ترميم واجهات المحال التجارية بدأ حصر كلفة الأضرار وأبعاد التداعيات بالتزامن مع الحفر الاجتماعي بغية القبض على جذور الانفجار الفجائي. البنود المالية لا تشكل عبئاً في المسألة. على شركات التأمين سداد ما يزيد قليلاً على المليون جنيه.
في الفاتورة البريطانية بنود أكثر كلفة. المشاغبون ينتمون إلى أعراق متعددة. مع غلبة الخارجين من أحياء فقيرة هناك قادمون من طبقات اجتماعية متباينة. المشهد برمته أبان على نحو فجائي هشاشة التمازج الاثني.
المشاغبون لم يستهدفو البيض وحدهم. الأحداث فضحت كذلك هشاشة السلم الاجتماعي في بريطانيا. الشباب المشاغبون فجروا غضباً مكبوتاً ضد شرطة لندن.
مصرع الرجل الأسود على أيدي عناصرها يشكل الرأس من جبل الفساد داخل جهاز الشرطة. المسؤولون اكتشفوا في وهج الحرائق بروز جيل بريطاني بأكمله يعتمر مشاعر مختلطة تجاه الشرطة ليس بينها الاحترام. هناك انطباع بأن الجيل نفسه يحمل مشاعر مماثلة إزاء الآباء!
هناك اعتراف صحيح بدور البطالة والفاقة في دفع الشباب لركوب موجة العنف.
البعض تحدث عن مساهمة التكنولوجيا في إضرام الحرائق بالتركيز على دور وسائل التواصل الاجتماعي في إشعال النار. هناك إحساس عارم بالغبن في هوة تتسع بين الأثرياء والفقراء.
المحافظون يحاولون احتواء أضرار الحرائق إذ انهم يدركون بقاء تداعياتها على المسرح حتى بعد إسدال الستار على مشهد العنف. المحافظون يواجهون اتهاماً صريحاً يحملهم مسؤولية إشعال الحرائق. سياسات التقشف المعلنة من قبل حكومة كاميرون زادت احباطات الشباب.
هناك عدم رضا عام تجاه معالجة الحكومة للأزمة.
كاميرون أبدى حزماً تجاه المشاغبين عندما قال «لن نسمح بنشر ثقافة الخوف في الشوارع» غير أنه لم يظهر حكمة إزاء تحريض الشرطة على استخدام العنف الممكن لترويض الشباب. 48% من البريطانيين قالوا إن رئيس الوزراء لم يحسن التعامل مع الأزمة الطارئة.
إن لم يكن كاميرون يذكر فالمحافظون عامة لم ينسوا صعود مارغريت تاتشر إلى 10 داونينغ ستريت في أعقاب حرائق اشتعلت في توتنهام وبريكستون في ثمانينات القرن الأخير.
تغيير المسار السياسي على رماد الاضطرابات ليس قاصراً على بريطانيا واقع الأمر. نيكولاي ساركوزي دخل قصر الاليزيه واثقاً بعد 18 شهراً على حرائق مماثلة في ضواحي العاصمة الفرنسية في العام 2005.
ريتشارد نيكسون شق طريقه إلى البيت الأبيض على صدى تظاهرات عارمة انطلقت من حرم جامعات أميركية اجتاحت مدناً عدة.
ربما تحت هذا الإحساس يبادر كاميرون للبحث عن دوافع وراء الانفجار الاجتماعي الناري. رئيس الوزراء يبرىء منهجه التقشفي من المسؤولية. هو يؤكد على نقيض ذلك أن التدابير المتخذة رغم قسوتها انقذت بريطانيا من الانزلاق إلى مصير اليونان والبرتغال.
رئيس الوزراء يتجاهل آثار الاستقطاعات الكبيرة في المجال الاجتماعي على الشبان المحرومين أصلاً من التطلع إلى مستقبل أفضل.
وبما أن شراسة العنف وليس مجرد فجائيته باغتت البريطانيين ذهبت القراءات إلى عناصر تبدو غير مقنعة لتحميلها مسؤولية الغضب والنهب والشغب. بعض الدوائر اتهمت العولمة ومرح الشباب بإشعال شوارع لندن ومانشيستر سيتي حتى لكأنها مشاهد حرب.
مثل هذه التحليلات العجولة تسطح الأزمة ولا تتلمس جذورها. تسويق مثل هذه الرؤى يعكس جانباً من اضطراب المؤسسة البريطانية. الشرطة عمدت إلى تبرير إخفاقها بتباين آراء المجتمع تجاه سلوكها فقالت البعض اتهمها بالتباطؤ نظير تسامحها مع المشاغبين بينما اتهمها بعض بالقسوة حين عمدت إلى الصرامة في احتواء الأزمة.
مع ذلك نجحت بريطانيا في فرض هيبة المؤسسة بعد اضطراب. الشرطة ألقت القبض على أكثر من 150 شاباً وشابة. السلطات العدلية باشرت إجراءات القضاء. الساسة انهمكوا في جدل الأسباب والنتائج.