عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
بعد إهدار ست سنوات من انجاز عمل وطني جاد يؤمن وحدة التراب السوداني يواجه الشطرانان تحدياً أساسياً لخلق بيئة تعايش سلمي. إذ لم يذهب العمل إلى بلوغ التعاون الثنائي لتأمين الوحدة فإنه يظل مطلباً ملحاً لكل شطر من أجل تحقيق استقرار نظام حكمه ورفاهية شعبه. التردد على مستنقع الحرب يعطل هذه الغايات الوطنية النبيلة ويؤذي النظامين في الشمال والجنوب والشعب الواحد في الشطرين.
القيمة القصوى الباقية من اتفاقية نيفاشا تتأطر في إخماد نار الحرب الأهلية. بالإضافة إلى وقف نزف الدم وزهق الأرواح
فإن الاتفاقية أنهت تبديد الأموال والطاقات في الصراع الدموي طويل الأمد. ما حدث في جنوب كردفان يشكل منزلقاً خطراً إلى مستنقع الحرب مجدداً. بغض النظر عن تحديد مسؤولية اشتعال فتيل الحرب هناك فالحكمة السياسية النافذة تقتضي احتواء الحريق قبل استشرائه أو إزمانه. الأحداث باغتتنا بتحريك المواجهة من جنوب كردفان إلى النيل الأزرق.
على نقيض استيعاب دروس التاريخ يتناسى الطرفان أن الحرب ليست الوسيلة المثلى لحل الخلافات. بعد أكثر من نصف القرن من الاقتتال اضطر الشماليون والجنوب إلى الجلوس إلى مائدة المفاوضات من أجل تبادل مصافحة السلام. الأجندة الوطنية الملحة أمام كل طرف تستوجب تعزيز تلك المصافحة والحرص على إبقاء المائدة مفتوحة بغية الرجوع إليها لطي الملفات العالقة والطارئة.
أي نظام يواجه قلاقل داخلية أو جبهات مفتوحة على حدوده لن ينجح في النهوض بواجباته الوطنية وتحقيق طموحات شعبه. لهذا تخصص دول عدة قسماً من جهدها لتسكين الاضطرابات في جوارها تحصناً ضد امتداد تداعيات تلك الاضطرابات إلى أراضيها أو على شعبها. هذا بعض مما ينعكس في اهتمام تركيا بالغليان السوري. هذه مهمة تستنزف غير قليل من جهد روسيا السياسي والدبلوماسي والمالي لتأمين استقرار جمهوريات إمبراطورياتها السابقة.
الشمال كما الجنوب أحوج ما يكون في هذا المنعطف التاريخي لبلورة مشروع وطني يحفِّز عصب القوى السياسية المبعثرة ويؤطر الفسيفساء القبلية ويشد النسيج الطائفي على مسار إعادة البناء والتنمية والتقدم.
في غياب برنامج من هذا الطراز لن يفلح أي نظام في الشمال والجنوب في الوفاء بالاستحقاقات الوطنية. من دون تحقيق هذا الشرط يصبح الانشغال بأي قضية على الحدود بمثابة هروب من واجبات المرحلة ومحاولة لتصدير الإخفاق إلى الخارج.
هذه مسؤولية وطنية تتطلب تغيير طبيعة الدولة نفسها من مجرد سلطة حاكمة مستبدة برأيها إلى ماكينة سياسية تنهض بخدمة شعبها. ومن ثم تطوير آلياتها لتحقيق تنمية حقيقية على الجبهتين الاقتصادية والاجتماعية.
أي نظرة عميقة في خارطة العالم من حولنا توضح بجلاء أهمية البناء الاقتصادي في إكساب الدولة قوتها الجوهرية وقدرتها على أداء دور حيوي على المسرح السياسي الاقليمي أو الدولي. من غير الممكن بناء قوة عسكرية لا تستند إلى قاعدة اقتصادية صلبة. منح الأولوية للمؤسسة العسكرية على حساب المؤسسات الاقتصادية يقعد بالاثنتين.
من دون المساس بمكانة الجيش كمؤسسة قومية يناط بها حماية تراب الوطن فإن مصلحة اتفاق السلام بين الشمال والجنوب تفرض صد تدخل المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية. من شأن إبعاد الجيش عن المشهد السياسي إفساح المسرح أمام القوى الحزبية لتخليق المشروع الوطني وبلورته والانهماك في إنجازه. لا أحد يكابر إزاء دور العسكر في العمل السياسي في السودان بصفة خاصة وعلى الصعيد الإفريقي بصفة عامة. هذه حقيقة تنطوي في الوقت نفسه على حكمة تستوجب اعتبار ذلك جزءاً من التاريخ لا ينبغي تواصله في الحاضر والمستقبل.
التاريخ الإفريقي يوضح معاداة النخب العسكرية لمحاولات التحول الديمقراطي أو دفاع تلك النخبة عن نظم أوتقراطية. في الحالتين تتعطل عمليات الإصلاح وترتج جهود البناء والاستقرار وتضطرب العدالة وسيادة القانون.
لدينا تجارب تتسم بالجرأة في الخروج على هذه النمطية. قد يعد كثيرون تجربة المشير سوار الذهب 1986 ضمن مساندة العسكر لجهود التحول الديمقراطي. هؤلاء يمكنهم الإشارة كذلك إلى تجربة مالي في العام 1991 ومالاوي 1993 وموريتانيا 2005.
ربما يكون من الملائم الإشارة في هذا السياق إلى التجربة الكونغولية في العام 2006 إذ لم تحقق فقط التحول الديمقراطي. الأكثر أهمية من ذلك اعتبارها مثالاً للإدارة السلمية لمرحلة ما بعد الصراع الدامي.
الانتخابات في جمهورية الكونغو الديمقراطية حينئذ جاءت بجوزيف كابيلا إلى سدة السلطة على خلفية قناعة وطنية بأن ذلك هو الطريق الآمن لضمان الاستقرار والسلام ووقف تبديد الموارد الوطنية الغنية. الحرب الأهلية كلفت الكونغو على مدار خمس سنوات نحو خمسة ملايين قتيل وملايين المشردين.
التجربة الكونغولية مثل السودانية فتحت الساحة الوطنية إلى تدخل أطراف اقليمية على نحو مباشر وغمس قوى دولية أصابعها في الشأن المحلي. الحديث السوداني لا يزال يتواتر على إسناد اتفاقية نيفاشا إلى الصناعة الخارجية. عندما تغمس القوى الدولية الكبرى أصابعها في الشأن الداخلي يصبح الكلام مفتوحاً أمام إملاء الشروط. لعل هذا ما تعرض له الجانبان الشمالي والجنوبي في المنتجعات الكينية.
الجبهات المتنقلة من جنوب كردفان إلى النيل الأزرق ودارفور لا تزال ساخنة يبقى المشهد السوداني مفتوحاً أمام التدخلات الاقليمية والإملاءات الخارجية.
على نقيض هذا الاهتراء السياسي أمام شطري السودان فرصة نادرة لغزل أنموذج إفريقي مضيء لحالة التعاون الثنائي المفضي إلى تكامل حقيقي. من الثابت ان غياب مثل هذا النموذج في القارة السمراء يشكل أبرز إخفاقات منظمة الوحدة الإفريقية واتحادها الأكثر فشلاً. الوعي بأهمية هذا التعاون والتكامل يجعل دولاً أوروبية أبعد تقدماً وأشد قوة أكثر حرصاً على التعاون والتكامل لجهة الاندماج الاقتصادي.
لدى الخرطوم مخزون من رصيد الدولة يعينها على تبني القوة الناعمة لاحتواء الدولة الوليدة في الجنوب وإعانتها على الوقوف على أقدامها وترسيخ استقرارها الداخلي وطي الخلافات العالقة بينهما.
انزلاق الخرطوم إلى مستنقع الحرب أشعل الجبهة الداخلية. حيث وجد خصوم النظام في جبهة الشرق ثغرة لإذكاء الغضب عليه. التوغل في المستنقع يحرض القوى الخارجية على التدخل المباشر وإملاء الشروط.