عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
أبواب التفاؤل أمام »المهمة المستحيلة« لنبيل العربي في دمشق تبدو اليوم موصدة. الشعب السوري حسم موقفه كما قال أمير قطر بعدم الرجوع إلى الوراء في الزمن. في المقابل لايزال النظام مصراً على الاعتراف بوجود أزمة ومن ثم يرفض الإصغاء إلى الجيران والعشيرة.
الانسداد السوري يؤكد الحاجة إلى مخرج ثالث. التوغل في العنف لم يخمد الغليان الشعبي. التضحيات السخية من قبل المتظاهرين لم تحقق شيئاً من مكاسب الثورة. الطرفان يدوران في دائرة مغلقة. كلما غلَّظ النظام أدوات القمع اتسع صبر الشعب. كأنما دخلت سوريا في سباق محموم يتنافس فيه عنف النظام واحتمال الشعب. في سباق من هذا النوع يخسر الوطن والشعب والنظام.
الاحتفاظ بجذوة الأمل تعين على احتمال تحقيق أمين الجامعة العربية قدراً من الاختراق إذ ربما أدرك المسؤولون في دمشق حتمية ايجاد مخرج ثالث. لابد لأي عاقل من الاعتراف بفشل الحل الأمني. على نقيض هذا الرهان الخاسر فإن الواقع يثبت استشراء الهبة الشعبية واتساع رقعتها مع تصعيد العنف وتنويع أدواته.
الاعتراف بوجود أزمة حقيقية يشكل أرضية صلبة لنجاح مهمة نبيل العربي في دمشق. على المسؤولين في سوريا التنازل عن دور القائد المعلم المستعصم بالحق والرافض سماع النصائح.
الشعب السوري يؤكد أنه أبعد حكمة وأكثر قابلية للتعلم والتأقلم والابتكار. مع أن القناعة الراسخة تقول إن العنف لا يولِّد إلا عنفاً، فإن الشعب السوري يثبت نقيض ذلك. المتظاهرون السوريون يرفضون في إصرار مثير للاحترام رفض الرد على العنف بعنف مضاد. من أبرز خصائص الثورة السورية اللافتة اعتمادها على قدراتها الذاتية في الصمود والنمو. السوريون ثابروا في تصعيد احتجاجاتهم عبر مخاض تلقائي بإيقاع يتصاعد يومياً. من خلال هذا المخاض تطوِّر الثورة أدواتها وتوسّع دوائرها وتنجب قياداتها. كل السوريين مجمعون على رفض أشكال التدخل الأجنبي على أرض الوطن.
تلك قيمة ثورية أخلاقية مضافة إلى رفض الشعب المساومة على الحرية والكرامة. في المقابل، يواجه النظام بعضاً من الاتهام والاندفاع في طريق العنف بتحريض من جهات خارجية.
هذه إحدى فواصل القيمة المضافة بين مسيرات الشعب ومنهج النظام. ماكينة العنف أفرزت صوراً وممارسات ومشاهد كرست صوراً منزوعة من الحد الأدنى من الرضا الأخلاقي. الذاكرة العربية مثخنة بصورة تعذيب الطفل حمزة الخطيب ومشهد قتل الفنان إبراهيم قاشوش وممارسات الاعتداء ضد الرسام علي فرزات. المشهد السوري برمته في الشهور الخمسة الأخيرة يجسد حاطباً ليلياً أعمى.
كلاهما الشعب والنظام في سوريا أحوج ما يكونان إلى مخرج ثالث يستبدل طريق التظاهر اليومي المكلف ومسار العنف العشوائي الممنهج. شعب لا يحصي شهداءه وسجناءه في سبيل تحقيق طموحاته الوطنية جدير باختزال معاناته. نظام يتمتع برصيد قومي يستحق بلوغ نهايات مشرفة.
مهمة نبيل العربي ربما تكون الفرصة الأخيرة من أجل وصول معادلة سورية نبيلة تحقق تطلعات الشعب وترضي النظام. هذه معادلة مستحيلة. العربي أمام خيارين. اما الانحياز للشعب أو الانحياز للنظام. هذا موقف مستحيل في ظل الانسداد السوري.