1

يمكن القول بقدرٍ كبيرٍ من اليقين أن تلك الرسالة التي تناقلتها الهواتف الجوالة يوم الجمعة 31 أغسطس عام 2018 هي أكثرُ رسالةٍ يتمُّ تداولها داخل السودان منذ أن دخلت الهواتف الجوالة السودان. فقد تلقيتُها أنا أكثرَ من عشرين مرة – تلقيتُها من المجموعات التي انضممتُ لها، وتلك التي ضمّتني لها دون إذني أو حتى علمي. تلقيتها من أصدقاء كُثر، ومن أشخاص أعرفهم ومن آخرين لا أعرفهم. وتلقيتها من داخل السودان ومن خارجه.
ولم أكنْ الشخص الوحيد الذي تلقّى تلك الرسالة أكثر من عشرين مرة. كلّ من تحدثت إليه أكدّ لي استلام الرسالة، وإرسالها إلى آخرين عشرات المرات، تماماً كما فعلتُ أنا.
كانت الرسالة تقول: "سوف تتم مواراة جثمان الراحل الدكتور أمين مكي مدني الثرى اليوم الجمعة 31 أغسطس عام 2018 الساعة الرابعة ظهراً بمقابر فاروق بالخرطوم."


2
ورغم أن احترام الزمن والمواعيد ليس من تقاليدنا، إلا أن ذلك الحدث كان استثناءً واضحاً. فقد بدأت مقابر فاروق بالاكتظاظ منذ الساعة الثالثة والنصف. وعند وصول الجثمان حوالي الرابعة عصراً كانت المقابر قد ضاقتْ بما وسعتْ.
كنتُ أشاهد المشيعين في الماضي وهم يدخلون من بوابةٍ واحدة ويتمركزون حول القبر جوار تلك البوابة. غير أن الجموع الضخمة في تلك الجمعة كانت تأتي من أبواب مقابر فاروق الأربعة. فكلٌ من تلك الأبواب يؤدي، بسبب كثرة المشيعين، إلى حيث سوف يرقد الدكتور أمين في مثواه الأخير.
بات واضحاً أن الرسالة التي تناقلتها الهواتف الجوالة ذلك اليوم قد وصلت إلى كلِّ من يهمه الأمر.


3
كانت سحنات المشيعين تلك الجمعة تعكس كل ركنٍ من أركان السودان، وكل مدينةٍ وقريةٍ في خارطته. فقد توافد إلى مقابر فاروق ذلك اليوم أبناء الشمال والشرق واختلطوا بأبناء الغرب والجنوب الجديد. لم تكن غالبية المشيعين من الشمال النيلي كما توقّع الكثيرون. بل كان أبناء الشمال النيلي أقليّةً وسط تلك الجموع الهادرة.
حتى أبناء جنوب السودان، الذين فرضنا عليهم أن يغادرونا قبل سبع سنوات، جاءت أعدادٌ منهم لمقابر فاروق ذلك اليوم. قد يكونون طلاباً أو لاجئين أو حتى زواراً، أو خلطةً من كل هؤلاء، لكنهم أتوا لوداع الدكتور أمين.
وكانت هناك مجموعة من الآنسات والسيدات جئنْ لوداع الدكتور أمين في تحدٍّ واضح للقواعد الاجتماعية التي تمنعهن من المشاركة في تشييع الموتى حتى لو كان الراحل هو الزوج أو الأب أو الأم أو الأخ أو الأخت.
وكان هناك المئات من الشباب – يوزعون قوارير المياه ويساعدون في إزالة العوائق من ممرات العبور بين القبور. أتى معظم هؤلاء الشباب لمقابر فاروق تقديراً وإجلالاً لشخصٍ لا ينتمون إليه بصلة قرابة أو جوار. بل وأكاد أجزم أن مِن بينهم منْ لم يلتقِ الدكتور أمين إطلاقاً.
وكانت هناك أعدادٌ من الأجانب – يمثلون أوروبا وأمريكا وأفريقيا والعالم العربي، جاءوا لمقابر فاروق لأول مرة (وربما لآخر مرة) لوداع الدكتور أمين.
واكتظت مقابر فاروق بالآلاف من أولئك الذين امتهنوا العمل السياسي، يمثلون كل الأحزاب السياسية السودانية – الطائفية والدينية والعلمانية، اليسارية واليمينية، العسكرية والمدنية، العقائدية ومن لا فلسفة لها، ومن يدعون الإيمان بالديمقراطية ومن لا وجود للديمقراطية في قواميسهم.
حتى الذين اعتقلوا الدكتور أمين وأذاقوه الأمرين ومنعوه من السفر للعلاج جاءوا لمقابر فاروق واختلطوا بالمشيعين الآخرين. كان هناك قادة من المؤتمر الوطني والشعبي والإصلاح وغيرهم ممن ينتمي إلى الحركة الإسلامية الحاكمة.


4
تساءلنا (ونحن مجموعةٌ من أصدقاء وزملاء وطلاب الراحل الدكتور أمين الذين أتوا لوداعه) بعد أن وارينا جثمان الدكتور أمين الثرى: ما الذي شدّ هذا الجمع الضخم المتنوّع والمتعدّد، بل والمتناقض، نحو مقابر فاروق عصر يوم الجمعة ذاك، لوداع الدكتور أمين؟
وما هو العامل المشترك الذي جمع بينهم رغم ذلك التنوّع والتناقض الذي يمثلونه؟
كانت الإجابة واحدة رغم كثرة من أدلوا بدلوهم في بئر السؤال العميقة، ورغم تعدّد واختلاف الانتماءات الفكرية والسياسية لمن أجابوا على ذلك السؤال.
تركزت الإجابات كلها – دون استثناء – في حقيقةٍ واحدة تم الاتفاق عليها وبوضوح: الإعجاب بمواقف الراحل الدكتور أمين والتقدير لها.
فقد ظل الدكتور أمين طوال سنوات عمره وفياً وملتزماً التزاماً مطلقاً بالمبادئ التي نذر نفسه لها – حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية.
لم يساوم لحظةً واحدة في أيٍّ من تلك المبادئ.
لم يبحثْ عن استثناءٍ أو يحاول التعذّر بظرفٍ أو حدثٍ للخروج من ذلك الخط الصارم الذي فرضه على نفسه والتزم به طوال عمره.
اقتادوه إلى السجون عشرات المرات، وصادروا ممتلكاته، بما في ذلك منزله وأثاثه وملابسه، بل وحتى لعب أطفاله. وظل الدكتور أمين لبعض الوقت يستخدم أوراق سفر اضطرارية من الأمم المتحدة بعد أن صادروا جواز سفره. عاش بسبب مبادئه، لسنواتٍ طويلة، شخصاً بلا وطن (حسب تصنيف القانون الدولي). لكن السودان كان وظلّ داخل حدقات عيونه ووجدانه وعقله وعواطفه.
عرضوا عليه الوزارات ومناصب أخرى، ولكنه سخر منهم ومنها.
وأوشك الدكتور أمين أن يفقد حياته في العراق التي ذهب إليها مدافعاً عن حقوق الإنسان. لكنّ تلك الحادثة زادته قوةً على قوة، وقناعةً على قناعة بالمضي قدماً فيما نذر حياته من أجله. ونقلت تلك الحادثة الدكتور أمين من المحلية والإقليمية إلى العالمية حين قامت قنوات التلفزيون في كل أرجاء العالم بنقل ذلك الحدث والإشادة بالدكتور أمين ومواقفه وتضحياته من أجل مبادئه ومن أجل الآخرين.
نعم، ظلّ الدكتور أمين طوال حياته ملتزماً التزاماً صارماً بمبادئه ومواقفه. وكان الإعجاب بمواقفه ومبادئه وثباته التام عليها هو ما أتي بتلك الألوف المتنوّعة والمتناقضة إلى مقابر فاروق لوداعه عصر الجمعة 31 أغسطس عام 2018.


5
ظلت السمة الرئيسية التي تجمع معظم المتعلمين السودانيين هي حبهم للسلطة وسعيهم الحثيث للوصول إليها، بغض النظر عن الطريق والثمن.
كان هذا هو السبب الذي جعل المتعلمين ينضمّون إلى الحزبين الطائفيين منذ فترة ما قبل الاستقلال في منتصف خمسينيات القرن الماضي. وكان ثمن الانضمام يشمل كراسي الوزارة بما في ذلك رئاسة الوزارة نفسها، وعضوية مجلس السيادة (مجلس رأس الدولة لاحقاً)، بل والطموح في رئاسة المجلس الدائمة.
بل إن القادم الجديد لأيٍ من الحزبين الطائفيين كان سيتم إرساله للفوز المضمون في دائرةٍ لم يسمع بها من قبل، وقد لا يدري في أي ركنٍ من أركان السودان تقع تلك الدائرة، لكنه سوف يفوز في تلك الدائرة، وبالتزكية - بلا منافسةٍ من أحد.
كل هذه المكاسب والمناصب يمكن أن تأتي بسهولةٍ حال تقديم فروض الولاء والطاعة لإحدى الطائفتين. ولنضع المبادئ والمعتقدات في ثلاجةٍ لتجميدها لبعض الوقت، فسوف نحتاج لاستخدامها يوماً ما عندما نفقد هذه المناصب. وقد يأتي ذلك اليوم قريباً.
كان هذا ثمناً مستحقاً، في رأي الكثير من المتعلمين السودانيين، لتقديم فروض الولاء والطاعة للطائفية ولحزبيها، أو للحزب الحاكم الذي جاء إلى السلطة عبر الدبابة والبندقية، ثم قام بالتحدّث بلغة الديمقراطية والانتخابات (ووجد من يروّج له بذلك من المتعلمين الذين تصالحوا معه).
رغم ذلك ظلتْ تلك المجموعة من المتعلمين تتمشدق، دون أدنى درجةٍ من الحياء، بالديمقراطية والانتخابات الحرة والتداول السلمي للسلطة.


6
وقد سار الرئيس جعفر نميري على درب الطائفية في شراء المتعلمين السودانيين بالوظائف والمال. فقد تبجّح الرئيس النميري مراراً أنه استطاع تحويل جامعة الخرطوم إلى مركزٍ لتفريخ الوزراء لحكومته ولقيادات اتحاده الاشتراكي. وتفاخر عدّة مرات أنه استخدم يديه ورجليه بانتظام مع هذه المجموعات الكبيرة من "دكاترة" جامعة الخرطوم. وقد قبل معظمهم تلك الإهانات وذلك الإذلال مقابل السلطة والمال التي جاد بها لهم القائد الملهم.


7
في بداية عام 1978 اتصل اثنان من قيادات الاتحاد الاشتراكي بالدكتور أمين. أخبروه أن المعارضين بالخارج من قيادات الأحزاب الثلاثة (الأمة والاتحادي والإسلاميين) قد قرروا العودة للسودان والعمل لبناء الوطن في وجه التحدّيات الكبيرة التي يواجهها السودان، وأنهم يأملون أن ينضم الدكتور أمين إلى هذه المجموعات العائدة، وإلى المصالحة الوطنية.
وكان قادة الأحزاب الثلاثة تلك، والذين ملأوا الدنيا ضجيجاً بالديمقراطية وضرورة استعادتها بعد انقلاب 25 مايو عام 1969، قد عادوا للسودان وأدوا قسم الولاء والطاعة لنظام النميري ولحزب الاتحاد الاشتراكي (تحالف قوى الشعب العاملة!!) وأصبحوا أعضاء في مكتبه السياسي أو وزراء أو مديري مؤسسات.
وكان العرض للدكتور أمين منصباً وزارياً أو قيادياً بالاتحاد الاشتراكي. كان قبول أمين العمل معهم سوف يعطي النظام دفعةً قوية من المصداقية داخل وخارج السودان، ويعطي المعارضة المتصالحة معه غطاءً سياسياً كانت في أشد الحاجة إليه لتبرير تخاذلها لما تدّعيه من مبادئ ومواقف.
كان رد أمين قاسياً وحاسماً. قال لهم بوضوح إنه ليس حزباً سياسياً همّه التكسب بالتفاوض، بل هو شخص نذر نفسه للدفاع عن حقوق الإنسان والديمقراطية والحريات الأساسية، وإن مواقفه تجاه النظام الجديد (إن كان ثمة نظامٍ جديد) سوف تنبني على مواقف النظام من هذه القضايا الأساسية.


8
وأعلنتها الإنقاذ على لسان قادتها مراراً وتكراراً أن كل السياسيين والمتعلمين السودانيين في سوق البيع والشراء، مع اختلافٍ بسيطٍ للثمن. فقد يرتفع الثمن إلى مساعد أو مستشار لرئيس الجمهورية، أو وزير اتحادي أو إقليمي، أو عضو بالمجلس الوطني، أو مستشار بإحدى الوزارات أو السفارات (أو ملحق!). وقد لا يتعدى الثمن وظيفة مدير مؤسسة أو حتى رئيس حساباتها.
وتبارى المتعلمون السودانيون في العودة إلى الخرطوم عارضين خدماتهم للإنقاذ. جاء بعضهم من الولايات المتحدة الأمريكية، ومن كندا، ومن الدول الأوروبية والعربية. جاءوا تحت دعوى المصالحة والحوار والوطنية والمرحلة الحرجة التي تمر بها البلاد. واختفت كل المبادئ (من استعادة الديمقراطية والحريات) التي رفعها وتاجر بها هؤلاء المتعلمون، ونال الكثيرون منهم بسببها حق اللجوء السياسي في بلاد الغرب ودول الاستكبار.
اختفت المبادئ والمعتقدات، إن كان هناك فعلاً وبدايةً مبادئ ومعتقدات، وحلّت مكانها الوظيفة الجديدة والسلطة والجاه التي اشترت وتشتري بها الإنقاذ الكثير من متعلمي السودان.


9
وقد حاولت الإنقاذ العصا والجزرة مع الدكتور أمين. فبعد سنوات الاعتقال والسجون والمنافي التي لم تأخذ ذرّةً من عزم أمين (رغم أنها أخذت الكثير من صحته وعمره) لجأت الإنقاذ إلى الجزرة.
كانت اتفاقية السلام الشامل عام 2005 فرصةً طيبةً لتجريب الجزرة. فقد وصلت الحركة الشعبية إلى الخرطوم شريكةً في الحكم. وعاد التجمع الوطني الديمقراطي (أو ما تبقّى منه) إلى الخرطوم ذلك العام بعد توقيعه اتفاقية القاهرة مع الإنقاذ. بينما واصل السيد الصادق المهدي توقيع الاتفاقيات مع الإنقاذ، فألحق باتفاق جنيف اتفاق جيبوتي عام 1999، ثم لاحقاً اتفاق التراضي.
عليه فلم يتبق في حلبة المعارضة من تخشاه الإنقاذ عدا قلة صغيرة تشمل الدكتور أمين، والذي كان في حقيقة الأمر التحدّي الحقيقي المتبقّي للإنقاذ.
استغلت الإنقاذ تلك التطورات للاتصال بالدكتور أمين. كان العرض الأول للدكتور أمين هو مقعد في المجلس الوطني. فقد شملت عضوية المجلس الجديد 450 فرداً، نال منها التجمع الوطني الديمقراطي 16 مقعداً، ونال من تمّت تسميتهم شخصيات وطنية ثمانية مقاعد، وكان نصيب الحركة الشعبية 126 مقعداً. ونال التجمع أيضاً مقعدين وزاريين.
وارتفع العرض للدكتور أمين من عضوية المجلس (مع الزملاء مناضلي الأمس) إلى رئيس لجنة بالمجلس، بل وحتى نائب لرئيس المجلس الوطني، ثم إلى وزارة مركزية.
وكان رد الدكتور أمين نفس الرد القاسي الحازم الحاسم الذي نقله لمجموعة الاتحاد الاشتراكي عام 1978. قال لهم بوضوح (كما قال لمجموعة نميري) إنه ليس حزباً سياسياً همه التكسّب بالتفاوض، بل هو شخص نذر نفسه للدفاع عن حقوق الإنسان والديمقراطية والحريات الأساسية، وإن مواقفه تجاه المرحلة الجديدة (إن كان ثمة مرحلة جديدة) سوف تنبني على مواقف حكومة المؤتمر الوطني والحركة الشعبية من هذه القضايا الأساسية.
حدث ذلك في الوقت الذي كان فيه معارضو ومناضلو الأمس ممن تبقّى من التجمع الوطني الديمقراطي يتنازعون على ذلك الفتات الذي جادتْ لهم به اتفاقية السلام الشامل، ويتآمرون على بعضهم البعض لنيل جزءٍ منه.


10
ولم يجامل الدكتور أمين أصدقاءه وزملاءه الذين اختلف معهم في قضاياه ومواقفه المبدئية، بل كان حاداً في نقده لهم ولمواقفهم ولتاريخهم السياسي. فالصداقة والزمالة شيء، والمبادئ والمعتقدات شيءٌ آخر لدكتور أمين، ولن يختلطا.
فقد انعقدت عدّة ندواتٍ عن دستور السودان بعد انفصال جنوب السودان عام 2011. وكان الدكتور أمين بحكم تخصّصه في القانون الدستوري، وبحكم عمله في قضايا حقوق الإنسان في عدّة منظماتٍ للأمم المتحدة، وبحكم ريادته للعمل العام في السودان، أحد المتحدثين الرئيسيين في تلك الندوات.
ظلّ الدكتور أمين يهاجم في قسوةٍ وبقوةٍ أكاديمية صارمة قرار الأحزاب الدينية حلَّ الحزب الشيوعي السوداني عام 1965 وطرد نوابه المنتخبين من الجمعية التأسيسية. وحمّل المسئولية صراحةً ودون أدنى درجة من المجاملة لبعض أصدقائه وزملائه، مذكراً الحاضرين بأسمائهم. وانتقد بشدة رفض السادة الصادق المهدي ومحمد أحمد محجوب واسماعيل الأزهري وحسن الترابي لقرار المحكمة العليا الذي قضى بعدم دستورية قرار حل الحزب الشيوعي السوداني، ووصفه بأنه طعنة للديمقراطية واستقلال القضاء، ولا يمكن أن يصدر من سياسيٍ يدّعي الإيمان بالديمقراطية وحكم القانون.
بل وذهب الدكتور أمين أكثر من هذا عندما سخر بشدّة من وصف السيد الصادق المهدي لقرار المحكمة العليا بأنه "حكمٌ تقريري." وتساءل الدكتور أمين لماذا لم تتخذْ المحكمة العليا إجراءاتٍ لمواجهة ذلك الرفض من قبل تلك القيادات السياسية لقرارها، والذي قال عنه إنه يرقى لمرتبة "إهانة المحكمة."


11
ليس هناك أدنى شك في أنه كان هناك قاسمٌ مشتركٌ لعشرات الآلاف من المشيعين الذين أتوا لمقابر فاروق لوداع الدكتور أمين يوم الجمعة 31 أغسطس رغم تنوّعهم وتعدّد مشاربهم ومواردهم ومواقفهم. وكما ذكرنا من قبل، فقد كانوا من أركان السودان المختلفة، من مواطنين عاديين وممن يعتقدون أنهم النخبة، من سياسيين ومتعلمين، من أهل اليمين واليسار، من الأحزاب الطائفية والدينية ومن الأحزاب العلمانية، من المدنيين والعسكر، من الشيب والشباب، من الرجال والنساء، ومن داخل السودان وخارجه.
كان ذلك القاسم المشترك الأعظم لكل تلك الفئات المختلفة هو الإعجاب والتقدير المطلق للدكتور أمين ولمبادئه ومواقفه التي ظلَّ طوال سنوات عمره وفياً وملتزماً التزاماً صارماً بها، ودفع الثمن كاملاً لتلك المبادئ والمواقف من حريته وصحته وممتلكاته.
وكانت هناك القناعة أيضاً أن الدكتور أمين بمواقفه المبدئية الحازمة تلك ظلَّ وسوف يظلُّ استثناءً للمتعلمين السودانيين الذين ساوموا ويساومون بلا خجلٍ أو تردّد، وباعوا ويبيعون بثمنٍ بخس، ما عرضوه على أنه مبادئ ومواقف.


12
إن الدكتور أمين قد أثبتَ بلا أدنى شك أنه رجل السودان الأول في الالتزام الصارم بالمبادئ والمواقف، وأنه كان وظلّ مستعداً لدفع ثمن الالتزام بتلك المبادئ والمواقف، مها كان ذلك الثمن، وحتى النهاية.
دون أدنى شك، فقد كان الإعجاب والتقدير العميقان والكبيران بمواقف ومبادئ الدكتور أمين والتزامه الصارم بها حتى لحظة رحيله هو ما أتي بتلك الألوف المتنوّعة إلى مقابر فاروق لوداعه عصر يوم الجمعة 31 أغسطس عام 2018.

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

/////////////////////////