اعتاد المصلون حين اكتمال صف الصلاة الأمامي، على أن يأتي مجهولٌ متأخر يسحب أحدَ المتقدمين من صفه ذي الحسنات الأكبر، كيلا يكون هذا المجهول وحيدا في صف خلفي جديد.

هذه الشخصية المجهولة ترمي بمسؤولية تأخيرها على من تقدم الصفوف، فتقوم بسحبه بطريقة قد تؤدي لسقوطه في أسوأ الأحوال، ولإرباكه بالرجوع لحسنات الصف الثاني في أحسن الأحوال، دون أي إيثار وتذكر بأنه لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.

تختلف أحكام الفقهاء حول حكم الصلاة منفردا إذا تم الصف الأمامي، ما بين إباحة وكراهة وعدم جواز ! ورغم أن أغلب أهل السودان من المالكية، لكنهم يخالفونها في أكثر الأحكام، ومن ذلك إجازتها للصلاة منفردا كما جاء في كتاب الشيخ الدردير المسمى بالشرح الكبير لمختصر أبي الضياء خليل، بل منع عملية الجذب من الصف الأمامي والتي نتعرض لها دائما في الصلوات.

ولكن الأنكى في هذا الأمر، ليس المثال في حد ذاته، وإنما هو العقلية الإرجاعية التي تفكر في سحب المصلي للخلف، ولا تفكر في تقديمه للأمام ليحاذي الإمام على يمينه، ثم أخذ مكانه في الصف.

إن النفسية التي تحس بوجوب عودة من تقدم عليك، بدل أن تقدمه فتتقدم انت كذلك، هي نفسية مريضة ومتفشية في أمة السودان والعرب وأمة الإسلام.

نعاني في العمل العام وفي دواوين الخدمة المدنية في السودان وغير السودان، ممن لا تتحمل نفوسهم أن يتقدم عليهم أحد ! وينطبق ذلك على منهجية تفكيرهم أثناء أدائهم للعمل، فتكون أغلب الجهود مصوبة نحو أهداف بشرية، بدل الأهداف الوطنية والمقاصد الشرعية، وبذلك يخرج المسؤولون من الناس والبلاد كلها من دائرة البركة بإخلاص النية في العمل.

فكيف تتقدم أمة أو دولة يفكر كل واحد فيها في إرجاع أخيه أو إفشال صف أو إعاقة جماعة ؟ إن جماع هذا الحراك الإرجاعي هو منظر هذه الدول التي نعيش فيها، ونشكو من رجعيتها وتخلفها في كل مجال.

ما يحتاجه السودان وتحتاجه الأمة لإعادة البركة إليها هو أن ترفع شعار "زيرو" حَفِر (بفتح الحاء وكسر الفاء أو تسكينها) بين أبنائها، وتقوم بتنوير الشخصية المجهولة التي تسحب المصلين للخلف، كيلا يسقط الجميع في الحُفَر أثناء عمليات الجذب والتقديم، فيقومون بإرباك دولاب العمل الحكومي، وبإفساد صلاة الدولة، وتبقى بذلك الأمة في رجعيتها، بعد أن فقدت مرجعيتها.


صحيفة الأخبار - 20 ديسمبر 2017
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.