وثائق امريكية عن نميري (18):
الحكومة تقلل من خطورة "الانيانيا" في الجنوب
نميري يتهم اميركا بمساعدة المتمردين
اسلحة اسرائيلية الى المتمردين
منظمات مسيحية اروبية ترفع شعار "جينوسايد" (الابادة) في الجنوب
واشنطن: محمد علي صالح
في هذه الحلقة الثامنة عشرة من وثائق وزارة الخارجية الامريكية عن نظام نميري، وثائق عن مشكلة جنوب السودان، من سنة 1970، بعد سنة من وصول نميرى الى الحكم. 
توضح وثائق استمرار سياسة امريكية منذ استقلال السودان بعدم التدخل في شئون جنوب السودان.  لكن، توجد وثائق عن تدخل اسرائيلي عن طريق اثيوبيا وكينيا ويوغندا.  وعن دور منظمات مسيحية اروبية، قدمت بعضها اسلحة الى المتمردين. واتهمت بعضها حكومة السودان بالابادة.
بعد سنتين، ستوضح الوثائق بداية المفاوضات بين الحكومة وجيش "انيانيا"، والتي ادت الاتفاقية اديس ابابا سنة 1972، التي منحت الجنوب الحكم الذاتي:
ابيل الير:
التاريخ: 10-1-1979
من: السفير، نيروبي
الى: وزير الخارجية
صورة الى: السفير، الخرطوم
الموضوع: ابيل الير
"نشرت جريدة "نيشن" مقابلة مع ابيل الير، وزير الاسكان، الذي جاء في زيارة رسمية الى كينيا. نرفق لكم نص المقابلة.
(مقتطفات من نص المقابلة):
"س: هل صحيح ان بعض الوزراء سمعوا في الاذاعة، بعد انقلاب 25 مايو، ان نميري اختارهم؟
ج: نعم، وانا واحد منهم.  اغلبية الوزراء الذين اعرفهم قالوا انهم سمعوا اسماءهم في الاذاعة، او سمعها آخرون ونقلوها لهم.
س: هل كان لكم دور في الانقلاب؟
لا: لا.  لكني لم افاجأ، لأني كنت اتابع ما كان يحدث في البلاد خلال الست سنوات الماضية.  منذ الانتخابات التي اجريت بعد ثورة اكتوبر (سنة 1964).  انشغلت الاحزاب السياسية في الصراع على الحكم، وكانت هناك حالة استياء عام.
س: هل الانقلاب العسكري قانوني؟
ج: قانونيا، اذا نجح انقلاب عسكري، لا تقدر على ان تعارضه.  لكن، صارت الانقلابات العسكرية ظاهرة افريقية، ولم يعد الناس يعرفون اذا كان لابد منها، او اذا كانت مجرد تقليد بعضها البعض.  لكني، بعد ان اتأمل في الوضع في السودان، احس ان الانقلاب كان لابد منه.  لم يكن الناس يعرفون عن السودان غير الحرب في الجنوب، او اذا كان هناك تعديل وزراي او تغيير كبير في السياسة الخارجية.  لكن، الان، بعد الثورة، هب الشارع السوداني، وصارت هناك تغييرات كبيرة في الحكم، وآمال كبيرة في المستقبل ...
س: يقال ان الحزب الشيوعي السوداني يسيطر على حكومة نميري. هل هذا صحيح؟
ج:  يتمتع الحزب الشيوعي السوداني باهمية كبيرة.  ولا يجب ان نرفض اشتراكه في وضع سياسة السودان لانه حزب شيوعي.  لعب دورا كبيرا في ثورة اكتوبر (سنة 1964)، وفاز باغلبية دوائر الخريجين في الانتخابات التي تلت الثورة ...
س: يقول اسلاميون ان الاشتراكية، التي يسير عليها نظام نميري، عدوة لله؟
ج: لا اوافق على ذلك.  الاسلام نفسه نوع من الاشتراكية، بحكم انه يقدم نظاما اجتماعيا عادلا.  لكن، اكثر الذين لا يلتزمون بالاسلام الحقيقي هم جماعة الاخوان المسلمين الذين يعارضون نميري، ويستغلون الاسلام في معارضتهم.
س: قدمت اقتراحات لحل مشكلة جنوب السودان. لكن، رفضتها منظمة "انانيا" وما تسمى حكومة النيل المؤقتة؟
ج: الحكومة الحالية حريصة على حل مشكلة الجنوب.  ويوجد فيها وزير جنوبي لشئون الجنوب.  ويعمل على وضع ميزانية منفصلة للجنوب ... "
"يصفر في الظلام":
التاريخ: 14-1-1970
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: مؤتمر صحافي لنميري
"يوم الخامس من الشهر، عقد الرئيس نميري مؤتمرا صحافيا لمجموعة من الصحافيين المصريين ...
(عن الجنوب):
"يبدو ان نميري مثل الذي يصفر في الظلام لانه، ردا على اسئلة من الصحافيين المصريين، قال ان كل شئ هادئ في جنوب السودان.  لكن، ليس هذا شيئا جديدا، ان تتحدث الحكومة عن هدوء الوضع في السودان، وتقلل من اهمية التمرد المستمر هناك، وتقول ان التدخل الامبريالي هو السبب، وتنظر في حساسية الى اهتمام الاجانب بالموضوع.  يؤكد هذا شيئين:
اولا: تقلق الحكومة مما يحدث في الجنوب.
ثانيا: لا تعرف كيف تتصرف لمواجهة التمرد المتزايد ... "
السفير الهولندي:
التاريخ: 22-1-1970
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: السفير الهولندي يقابل نميري
"امس، قابلت السفير الهولندي هنا، ونقل لي بعض ما قال له نميرى عندما اجتمعا قبل يومين ...
(عن الجنوب):
"قال نميري ان الحكومة لاحظت ان طائرات اجنبية تهبط في اماكن نائية في جنوب السودان.  ومرة قبضت الحكومة على متمردين جنوبيين، ومعهم اسلحة مصنوعة في الولايات المتحدة، وقالوا ان "خواجات" احضروها لهم ...
وقال ان عسكريين اسرائيليين يعملون في نشاط في دول مجاورة لجنوب السودان لتدريب متمردين جنوبيين.  وان ثلاثة قتلوا، ووجدت معهم وثائق تؤكد هويتهم. ورغم انه لم يحدد اسماء الدول المجاورة، يعتقد السفير الهولندي انه يقصد اثيوبيا وكينيا ويوغندا.  وكان واضحا ان نميري غاضب جدا على نشاط الاسرائيليين في جنوب السودان ...
ونقل السفير الهولندي على لساننا الى نميرى اننا نفينا مرات كثيرة اننا نتدخل في شئون السودان الداخلية، وخاصة في جنوب السودان.  واننا مستعدون للتعاون مع حكومة نميري للتحقيق في هذه الاتهامات.  وفي النظر في اي وثائق تقدمها الحكومة لاثبات الاتهامات ضدنا ... "  
مطار امادي:
التاريخ: 9-2-1970
من: السفير، كمبالا
الى: وزير الخارجية، واشنطن
الموضوع: اسرائيل في جنوب السودان
"صباح اليوم، زار الاب الكاثوليكي ديلا روكا (كاردينال يوغندا) السفارة لامور تتعلق بالقنصلية.  وقابل القائم بالاعمال لدقائق قليلة.  وقال له ان طائرات اسرائيلية تهبط وتقلع من مطار صغير في منطقة "مادي" في السودان. 
حسب معلومات قادة مسيحيين كاثوليك، افارقة واميركيين، قال لهم لاجئون هربوا من السودان ان هناك مطارا بدائيا صغيرا، اما في منطقة "مادي" في شمال يوغندا، او قرب مدينة "امادي" السودانية.  وهناك اخبار بأن طائرات اسرائيلية تقلع من اثيوبيا، وتهبط في المطار، وتحمل امدادات الى المتمردين السودانيين.
وقال الاب ديلا روكا ان مبشرين قالوا له ان لاجئين هربوا من السودان قالوا لهم ذلك ايضا.  وانهم شاهدوا ثلاث رجال بيض قرب طائرة في المطار.  ويعتقدون انهم اسرائيليون.
رأينا:
ليست جديدة اخبار هبوط طائرات اجنبية في جنوب السودان.  لكننا نرسل لكم هذه المعلومات لأن الاب ديلا روكا رجل محترم، ولا ينقل لنا معلومات الا اذا اقتنع ان فيها بعض الحقائق ... "
يوغندا والعرب:
التاريخ: 11-3-1970
من: السفير، كمبالا
الى: وزير الخارجية، واشنطن
الموضوع: يوغندا والعرب
"بينما يعتقد السودانيون انهم افارقة، تعتقد اغلبية اليوغنديين ان هناك فرقا بين السودانيين الجنوبيين الافارقة، وبين السودانيين الشماليين العرب.  وعندما نسمع اليوغنديين يتكمون عن السودان، نلاحظ انهم يفرقون بين "حكومة العرب" في الشمال، و"اخواننا الافارقة" في الجنوب.
يوجد وسط الطبقة الحاكمة في يوغندا مثقفون من شمال يوغندا، وينتمون الى قبائل: كاكوا، واشولي، ومادي، ولوقبارا.  عندما يقول هؤلاء "اخواننا"، يقصدون السودانيين الجنوبيين.  والسبب هو ان بعض هذه القبائل تعيش في شمال يوغندا، وايضا في جنوب السودان ...
وتنعكس نظرة اليوغنديين لشمال السودان في عدم حماسهم لمنظمة الوحدة الافريقية، لانهم يعتقدون ان العرب يسيطرون عليها.  هذا بالاضافة الى انهم لا يرتاحون لسكرتيرها العام: ديالو تيلي ...
اضف الى ذلك الدور الاسرائيلي. 
نؤكد ان العداء للعرب في يوغندا لا يعنى بالضروة الانحياز نحو اسرائيل.  لكن، يحترم كثير من اليوغنديين  الاسرائيليين.  وزار يوغنديون اسرائيل، وعادوا بانطباعات ايجابية.  هذا بالاضافة الى ان سفارة اسرائيل هنا تعمل في نشاط وانتظام.  وتلبي سريعا وعمليا أي طلب مساعدة.  ويتمتع الدبلوماسيون الاسرائيليون بكفاءة وحزم.  وظلت المساعدة العسكرية الاسرائيلية ليوغندا فعالة وضخمة.
توجد اخبار عن تدخل الاسرائيليين في جنوب السودان تدخلا مباشرا من شمال يوغندا.  اذا فعلوا ذلك، اعتقد انهم ارتكبوا خطأ كبيرا.  لا اعتقد ان حكومة يوغندا، اذا تأكدت، ستحتج علنا.   لكنها ربما ستطلب من السفارة الاسرائيلية هنا وقف هذه النشاطات.  لأنها تدخل في شئون دولة مجاورة.  وطبعا،  لا تريد يوغندا من السودان، او من اي دولة مجاورة، ان يتدخل في شئونها ... "
تعليمات للسفارات:
التاريخ: 18-3-1970
من: وزير الخارجية، واشنطن
الى: (السفراء الاميركيين في عشرين دولة، منها السودان، والسعودية، ومصر، واسرائيل، وايطاليا، وفرنسا، ودول اروبية وافريقية اخرى).
الموضوع: تدخل اجنبي في تمرد جنوب السودان
"حصلنا على ادلة ووثائق تؤكد زيادة اهتمام الاجانب بتمرد جنوب السودان، والذي دخلة عامه السابع.  هناك مؤشرات تأييد اسرائيلي سرى للمتمردين.  وهناك اشخاص مثل الكونت فون روزن.  وهناك منظمات مثل "جوينت جيرج ايد" (المساعدة الكنسية المتحدة).  و"كريستيان ريليف" (الاغاثة المسيحية).  كانت هذه تعمل في نشاط في الحرب الاهلية في نيجريا (حرب بيافرا).
يتوقع ان يرفع هؤلاء شعار "جينوسايد" (ابادة).  ويعلنوا أن العرب يبيدون الافارقة.  وربما  سيطلبون مساعدات منظمات اميركية خاصة. 
نحن لا نريد للحكومة الاميركية بأن تتدخل في هذه المشكلة بأي حال من الاحوال.  ونحن نريد من المنظمات الاميركية الخاصة التي تريد ارسال مساعدات انسانية ان تقدم براهين على وجود  هذه (الابادة). 
بالاضافة الى ذلك، ستتعقد علاقاتنا مع السودان، ومع الدول العربية الاخرى، اذا ظهرت اي وثيقة بأن الحكومة الاميركية تتدخل في جنوب السودان، سواء كانت هذه الوثيقة صحيحة او مزورة ...
تريد رئاسة الوزارة من سفاراتها ذات الصلة ان تفعل الآتي:
اولا: تواصل ارسال تقارير عن مساعدات افراد، اومنظمات، اوحكومات، للمتمردين في جنوب السودان. 
ثانيا: تتحاشى الاتصال مع هؤلاء المتمردين، حتى لا تفسر هذه الاتصالات بأنها تأييد لهم. 
ثالثا: تتحاشي التدخل حتى في المساعدات الانسانية. 
رابعا: اذا سألت اي حكومة اجنبية، ترد بان الحكومة الاميركية تعتبر المشكلة مشكلة داخلية ... "
اسلحة من المانيا:
التاريخ: 9-4-1970
من: السفير، كمبالا
الى: وزير الخارجية،
الموضوع: مشاكل المانية في جنوب السودان
"ظهر الثلاثاء، قبل يومين، جاء الى مكتبي السفير الالماني ايك.  وانا اثرت معه موضوع المبشرين الالمان في جنوب السودان.  وهو قال، وكأنه يشتكي لي، ان الموضوع سبب له مشاكل، وانه يمشي على بيض (يقصد انه حذر).
وقال ان منظمة "آكشن ميدكو"، التي يراسها قسيس الماني، تدخلت تدخلا عميقا في جنوب السودان.  وان القسيس يرسل مساعدات طبية عن طريق يوغندا، ودول اخرى مجاورة.  ليست المساعدات كثيرة، لكنها تزيد، وتخلق تعقيدات.  وهو  يرسل، احيانا، اسلحة في صناديق طبية.
وقال السفير ان منظمة "اكشن ميدكو" تتمتع بتاييد سياسيين في المانيا، وانها نشطة جدا في المانيا، وفي دول اخرى ... "  
"نيوزويك":
التاريخ: 27-4-1970
من: وزير الخارجية، واشنطن
الى: السفراء في: الخرطوم، وكمبالا، وتل ابيب
الموضوع: جنوب السودان
يوم 4-5-1970، نشرت مجلة "نيوزويك" (تعودت ان تكتب تاريخ صدور العدد التالي) خبرا عنوانه: "اسلحة اسرائيلية الى المتمردين السودانيين."  وهذا هو نص الخبر:
"تصل اسلحة صنعت في اسرائيل الى المتمردين السود في جنوب السودان، والذين ظلوا، لسنوات، يحاربون النظام العربي في الخرطوم.  ومؤخرا، في جنوب السودان، شاهد غربيون متمردين يحملون بنادق "اوزي" المشهورة المصنوعة في اسرائيل.
ولا يعرف كيف حصل المتمردون على هذه الاسلحة.  لكن، توجد في يوغندا بعثة عسكرية اسرائيلية، تدرب عسكريين في السلاح الجوي اليوغندي بالقرب من الحدود مع السودان ...
ولفترة من الزمن، انتشرت اشاعات في دول افريقية ان اسرائيل تساعد المتمردين في جنوب السودان، وذلك بهدف تحويل طاقات حكومة الخرطوم التي تؤيد مصر تأييد قويا ..."
الى تل ابيب:
التاريخ: 18-8-1970
من: وزير الخارجية
الى: وزير الدفاع
صورة الى: السفير، تل ابيب، السفير الخرطوم (لا ترسل صورة الى اي سفير آخر).
الموضوع: اسلحة اسرائيلية
"مرفق مع هذا نص خطاب مساعد وزير الخارجية نيوسم الى السفير باربر في تل ابيب، عن الآتي:
اولا: طلب معلومات عن النشاطات الاسرائيلية في جنوب السودان.
ثانيا: الحرص على عدم ربط الحكومة الاميركية بهذه النشاطات.
ثالثا: تنسيق بين السفارة والبعثة العسكرية الاميركية في تل ابيب عن طريقة الاتصال مع المسئولين الاسرائيليين.
(لا يوجد الخطاب المشار اليه وسط هذه الوثائق.  ولا رد السفير عليه).
---------------------------------