وثائق اميركية عن الحزب الشيوعي السوداني (4)
واشنطن: محمد علي صالح
هدية الوسيلة الى داؤود عبد اللطيف
لماذا هاجم الشيوعيون السودانيون جمال عبد الناصر؟
اكثر من الوطني الاتحادي، ايد حزب الامة منع الشيوعية
 
منذ قبل استقلال السودان، بدات السفارة الاميركية في الخرطوم ترسل الى رئاسة الخارجية في واشنطن تقارير سرية عن التطورات الداخلية في السودان.  ومنها نشاطات الشيوعيين.  تابعت السفارة نشاطاتهم من قبل تأسيس الحزب الشيوعي السوداني.  ومن قبل ان تصير سفارة (كانت مكتب الاتصال الاميركي).
كانت تلك سنوات الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي.  وخاف الاميركيون من انتشار الشيوعية في الشرق الاوسط.  ومن انتشارها من مصر الى السودان.  ومن السودان الى وسط وشرق افريقيا.
وكتبت السفارة تقاريرعن محاولة الشيوعيين السيطرة على ثورة اكتوبر (سنة 1964).  وعن حل الحزب الشيوعي (سنة 1965).  وعن ثورة مايو بالتحالف مع الشيوعيين (سنة 1969).  وعن اختلاف نميري معهم (سنة 1970).  وعن انقلابهم الفاشل ضده بقيادة هاشم العطا (سنة 1971).  وعن تحول نميرى من التحالف مع الروس الى التحالف مع الاميركيين (سنة 1972).
بدأت الحلقات الماضية باول تقرير شامل عن نشاطات الشيوعيين (سنة 1953).  ثم تقارير اخرى من نفس السنة.  
وهذه تقارير من السنة التالية، سنة 1954، سنة اول انتخابات حرة، واول حكومة ديمقراطية (برئاسة اسماعيل الازهري، قبل سنتين من استقلال السودان، سنة 1956):
--------------------------------
منع النشاطات الشيوعية:
-----------------------------
التاريخ: 8-2-1954
من: مكتب الاتصال الاميركي، الخرطوم
الى: وزارة الخارجية، واشنطن
الموضوع: عهد جديد بدون شيوعية
"مع بداية مرحلة جديدة في السودان (اول انتخابات حرة، واول حكومة ديمقراطية) يجد الشيوعيون السودانيون انفسهم محظورين من العمل السياسي العام.  ويبدو ان الحاكم العام البريطاني تعمد اصدار قانون يمنع نشاطاتهم توقعا للمرحلة الجديدة.  (قانون منع النشاطات الهدامة).
لم يعارض قادة الاحزاب السياسية القانون الذي وقع عليه الحاكم العام.  لكن، قال بعضهم انهم يخافون من ان الحاكم العام، بنفس المنطق والسلطة، يقدر على ان يمنع نشاطات غير شيوعية، والتي يمكن ان تكون مجرد تعبير عن رأي حر في المرحلة الجديدة ...
لا نعرف اذا كان البرلمان الجديد سيؤيد قانون الحاكم العام.  لكننا نعرف، من مصادر معلوماتنا، ان الحزب الوطني الاتحادي ربما سيعارض القانون، او يريد تعديله. ولكن، يميل حزب الامة نحو استمرار القانون ...
يمنع قانون الحاكم العام الآتي:
اولا: الدعاية لحكومة غير ديمقراطية.
ثانيأ: امتلاك مطبوعات من "كومينفورم" (مكتب المعلومات الشيوعي العالمي في بلغراد)، او من مكاتب مماثلة.
ثالثا: الاتصال بهذه المكاتب مباشرة او غير مباشرة، او حضور اجتماعاتها، أو تلقى مطبوعات او رسائل منها ... "
(عرف القانون "الشيوعية" بأنها "نظرية تدعو الى انواع من حكومات غير ديمقراطية").
---------------------------------
الشيوعيون المصريون:
--------------------------------
التاريخ: 23-2-1954
من: السفير كافري، القاهرة
الى: وزير الخارجية، واشنطن
الموضوع: الشيوعية في السودان
"امس، تحدث مسئول في السفارة مع المستر بيل، مساعد مدير وكالة السودان في القاهرة (مكتب اتصال بين الحكومتين البريطانية والمصرية لشئون السودان، الذي كانت تستعمره الدولتان).
قال المسئول البريطاني ان هناك معلومات جديدة بأن روسيا تزيد اهتمامها بنشر الدعاية الشيوعية في السودان، وفي دول اخرى في شرق افريقيا.
قبل سنة، نقل الميجور جنرال دنكان كامينقز (مدير وكالة السودان في القاهرة، وكان مديرا لمديرية كسلا) قلقه من انتشار الشيوعية في السودان الى ايرلاند، سكرتير اول في السفارة هنا ...
وخلال الشهور القليلة الماضية، لاحظت السفارة هنا زيادة اخبار في الصحف السودانية التي تصل الى هنا عن سودانيين اعتقلوا وهم يوزعون منشورات شيوعية. وان هذه المنشورات بتوقيع "حركة التحرر الوطني".  وانها وجدت في منازل قادة نقابة عمال السودان.
ومؤخرا، القى السير روربرت هاو، حاكم عام السودان، خطابا حذر فيه من احتمال سيطرة الشيوعية على السودان.  
قال هاو: "يؤكد بعض المسئولين ان الشيوعية لا يمكن ان تنتشر في السودان.  وقالوا ان السودانيين يؤمنون بالدين المحمدي ("محمديزم"، يقصد الاسلام).  وان هذا الدين يصون قيمة الانسان كفرد.  وان النظام والحرية جزءان من القانون الاخلاقي الاسلامي.  لكن، اذا نظرنا الى الاتحاد السوفيتي، نلاحظ ان 23 مليون مسلم صاروا شيوعيين.  لهذا، اقول ان المسلمين السودانيين يمكن ان يصيروا شيوعيين.  وفي الواقع، هناك معلومات بان هذه الخطة بدأت فعلا.  وان خلايا سرية تعمل في نشاط.  لهذا، يجب ان نكون حذرين ... "
(تعليق: يبدو غريبا ان حاكم عام السودان لم يكن يعرف ربما اي شئ عن الاسلام.  ولا حتى اسمه الصحيح.  واستعمل كلمة "محمديزم" التي كان يستعلمها الغربيون.  ويبدو غريبا انه لم يلاحظ ان روسيا فرضت الشيوعية بالقوة على المسلمين هناك).
وعلق بيل على خطاب حاكم عام السودان، وقال: "في الوقت الحاضر، ليست الشيوعية في السودان مشكلة كبيرة.  لكنها، بالتأكيد، مشكلة."
وقال بيل ان اغلبية المنشورات الشيوعية في السودان يكتبها ويوزعها طلاب سودانيون درسوا في جامعات مصرية.  وان الشيوعيين المصريين يتعمدون الاتصال بهؤلاء الطلاب، وتجنيدهم.  وذلك لأنهم، الشيوعيين المصريين، يعرفون ان الحكومة المصرية، لاسباب سياسية، لا تريد مضايقة هؤلاء الطلاب.  
(يقصد ان الحكومة المصرية تريد كسب الطلاب السودانيين في حملتها لاقناع السودانيين برفض الاستعمار البريطاني، والاتحاد مع مصر).
وقال بيل ان هناك مصدرا آخرا لنشر الدعاية الشيوعية في السودان، وهو الطلاب السودانيون الذين يدرسون في جامعات بريطانية (عن طريق الحزب الشيوعي البريطاني).  لكن دور هؤلاء اقل.
وقال بيل ان بعثات تجارية من شيكوسلوفاكيا تعمل في القاهرة طلبت من مكتب وكالة السودان في القاهرة اذنا بالسفر الى الخرطوم.  وادعت انها تريد اقامة معارض تجارية هناك.  لكنه قال انه يعتقد ان الهدف الحقيقي لهؤلاء هو توزيع كتب ومنشورات شيوعية.  ولهذا، رفض الطلب.
وقال بيل ان السفارة الروسية في اديس ابابا زادت حجم الدبلوماسيين فيها.  ومعنى ذلك ان الروس يريدون زيادة نفوذهم في شرق افريقيا.  وسيشمل جزء من نشاطهم في اثيوبيا السودان."
-----------------------------------
داؤود عبد اللطيف:
--------------------------------
التاريخ: 17-11-1954
من: مكتب الاتصال الاميركي، الخرطوم
الى: وزارة الخارجية، واشنطن
الموضوع: شيوعي سوداني الى ستوكهولم
"مؤخرا، قابلت داؤود عبد اللطيف، حاكم مديرية بحر الغزال، عندما زار الخرطوم زيارة قصيرة.  وقال لى انه تلقى دعوة للسفر مجانا الى ستوكهولم (عاصمة السويد) لحضور مؤتمر سلام عالمي.  وقال ان عبد الرحمن عبد الرحيم الوسيلة، سكرتير الجبهة المعادية للاستعمار، قال له ان عنده 14 تذكرة للسفر مجانا الى ستوكهولم.  وان الوسيلة قال لعبد اللطيف انه تلقى اوامر الا يعطي هذه التذاكر المجانية الى اي شخص شيوعي، او يميل نحو الشيوعية.  ولكن الى اشخاص غير شيوعيين، ولا يميلون نحو الشيوعية.
وقال عبد اللطيف ان الوسيلة قال له انه تلقى اوامر بأن يعطي تذاكر مجانية الى ميرغني حمزة، وزير التربية والزراعة والري.  ومحمد احمد محجوب، زعيم المعارضة في البرلمان.
رأينا:
اولا: نعتقد ان مسئوليات حمزة، ومحجوب، ستمنعهما من السفر الى ستوكهولم.  وانهما، لهذا، سيرفضان التذاكر المجانية.  
ثانيا: نلاحظ ان الشيوعيين لابد ان تكون اهدافهم وطموحاتهم قد زادت الى درجة انهم يحاولون كسب شخصيات سودانية هامة، مثل حمزة ومحجوب."
-----------------------------
جمال عبد الناصر:
--------------------------
التاريخ: 18-11-1954
من: مكتب الاتصال الاميركي، الخرطوم
الى: وزارة الخارجية، واشنطن
الموضوع: جمال عبد الناصر
"ينشر الشيوعيون في السودان اتهامات بأن الولايات المتحدة تؤيد جمال عبد الناصر، وحكومته في مصر.  
وقالت منشورات الشيوعيين السودانيين ان حكومة عبد الناصر كانت ستسقط لولا تأييد الولايات المتحدة لها.  وان الولايات المتحدة تفعل ذلك حسب سياسة تؤيد  الفاشستيين، والرجعيين، والحكام الدكتاتوريين.
رأينا:
اولا، آسفا، نقول ان الشيوعيين السودانيين يحققون بعض النجاح بنشر هذه الاكاذيب المغرضة.  والسبب هو ان اغلبية السودانيين تؤيد نجيب، وتعارض عبد الناصر.  وانها مستعدة لان تصدق اي شئ ضد عبد الناصر.
ثانيا: مؤخرا، وافق حزب الامة على التحالف مع الشيوعيين.  وساعد على نشر بعض هذه الدعايات الشيوعية.  وقال قادة حزب الامة انهم "مستعدون للتحالف مع الشيطان لهزيمة المصريين."              
(في  تلك السنة، سنة 1954، بعد سنتين من ثورة 23 يوليو سنة 1952، اختلف البكباشي جمال عبد الناصر مع اللواء محمد نجيب، قائد الثورة.  واتهم نجيب بالتحالف مع الاخوان المسلمين ضده.  واستقال نجيب.  ووضعه عبد الناصر في حبس منزلي استمر أكثر من ثلاثين سنة.  وصار عبد الناصر قائدا لمصر لستة وعشرين سنة، حتى توفى سنة 1971.  
قبل شهر من كتابة هذا الخطاب، نجا عبد الناصر من محاولة اغتيال، عندما كان يلقى خطابا في ميدان المنشية في الاسكندرية.  واعتقل، واعدم، محمود عبد اللطيف، قائد المحاولة، و د. عبد القادر عودة واربعة آخرين من قادة الاخوان المسلمين.  
لهذا، يبدو غريبا ان يهاجم الشيوعيون السودانيون عبد الناصر، ويتهمونه بالتحالف مع اميركا، في الوقت الذي بدأ يتحول فيه نحو اليسار، ثم نحو روسيا، ويعلن الحرب على "الرجعية".
لكن، عارض الشيوعيون السودانيون نجيب، وعبد الناصر، وكل ثورة 23 يوليو، لسبب رئيسي، وهو انهم لم يكونوا شيوعيين.  ولهذا، وصفوهم باوصاف مثل: "فاشستيين" و "برجوازيين").
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. <mailto:عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.>
ممممممممممممممممممممممممممممممممم
(الحلقة القادمة: وثائق سنة 1955)
ممممممممممممممممممممممممممممممم