وثائق اميركية عن الحزب الشيوعي السوداني (3)
واشنطن: محمد علي صالح
تقارير من سنة 1953:
"خطر حقيقي: تغلغل الشيوعيون وسط الجنود"
"الشيوعيون يعتبرون دخول البرلمان تكتيكا مؤقتا"
"الهدف النهائي هو دولة شيوعية في السودان، بالقوة"
واشنطن: محمد علي صالح
منذ قبل استقلال السودان، بدات السفارة الاميركية في الخرطوم ترسل الى رئاسة الخارجية في واشنطن تقارير سرية عن التطورات الداخلية في السودان.  ومنها نشاطات الشيوعيين.  تابعت السفارة نشاطاتهم من قبل تأسيس الحزب الشيوعي السوداني، ومن قبل استقلال السودان.
كانت تلك سنوات الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي.  وخاف الاميركيون من انتشار الشيوعية في الشرق الاوسط.  ومن انتشارها من مصر الى السودان.  ومن السودان الى وسط وشرق افريقيا.
وكتبت السفارة تقاريرعن محاولات الشيوعيين السيطرة على ثورة اكتوبر (سنة 1964).  وعن حل الحزب الشيوعي (سنة 1965).  وعن ثورة مايو بالتحالف مع الشيوعيين (سنة 1969).  وعن اختلاف نميري معهم (سنة 1970).  وعن انقلابهم الفاشل ضده بقيادة هاشم العطا (سنة 1971).  وعن تحول نميرى من التحالف مع الروس الى التحالف مع الاميركيين (سنة 1972).
كانت الحلقتان الاولى والثانية مقتطفات من تقرير، كتب سنة 1953، عن بداية النشاطات الشيوعية في السودان.  وفيه اسماء شيوعيين، او شبه شيوعيين.  واسماء غير شيوعيين اعتمد عليهم التقرير في جمع المعلومات.
وفي هذه الحلقة، مقتطفات من تقارير من نفس سنة 1953.  (وفيها بعض الاسماء):
--------------------------------
منشورات شيوعية:
---------------------------------
التاريخ: 3-2-1953
الموضوع: الدعاية الشيوعية في السودان
"من وقت لآخر، تظهر منشورات شيوعية في السودان.  وخلال الايام القليلة الماضية، ظهر واحد من اطول المنشورات.  مطبوع باللغة العربية، وعنوانه: "لتسقط الحكومة الفاسدة".  لم يكتب الذين كتبوه اسماءهم، لكنهم قالوا انهم يمثلون "الحركة السودانية للتحرر الوطني".
ترجم لنا التقرير محمد خليل جبارة، مسئول تعليمي في الحزب الوطني الاتحادي.
هاجم المنشور ما سماها السياسة الاميركية.  وهاجم نظام نجيب في مصر (يقصد اللواء محمد نجيب، قائد ثورة 1952).  
ليس سهلا تقدير قوة الشيوعيين في السودان.  وقال لنا جبارة ان السفارة الروسية في القاهرة تدعمهم.  لكنه قال انه لا يملك معلومات تثبت ذلك قانونيا ... وقال ان الشيوعيين ليسوا اقوياء ليقدروا على نشر اضطرابات شاملة في البلاد.  لكنهم يقدرون على تنظيم احتجاجات، واضرابات ...
لا يوجد شخص يقول انه زعيم حركة "التحرر الوطني".  لكن، يعرف السودانيون ان الذين يوزعون مثل هذا المنشور شيوعيون، او يميلون نحو الشيوعية.  ويعرف السودانيون ان هؤلاء لا يملكون دخلا منتظما.  وليست عندهم وظائف معينة.  لكنهم، رغم ذلك، يرتدون ملابس محترمة، حسب العادات المحلية.  ويظهرون وكأن عندهم مصادر مال لا تتوقف ...
وقال لنا جبارة ان نشاطات الشيوعيين كثيرة وسط تلاميذ المدارس الثانوية (وادي سيدنا، وحنتوب، وخور طقت).  وربما نجحوا في تجنيد ثلثهم.  وقال ان حزبه، الحزب الوطني الاتحادي، يحاول مواجهة ذلك بتكوين "حركة شباب".  لكن، لم تنجح هذه المحاولة بسبب قلة المال.  غير ان الحكومة المصرية، او مصادر قريبة منها، قالت انها مستعدة لتوفير المال.  وانه، جبارة، سيسافر الى القاهرة قريبا لهذا الغرض ... "
------------------------------
شيوعيون في القوات المسلحة:
------------------------------
التاريخ: 27-4-1953
الموضوع: الشيوعية في قوة دفاع السودان
"ظهر خطر حقيقي متوقع لأمن السودان مع تغلغل الشيوعية وسط الجنود في قوة دفاع السودان، حسب معلومات بابكر الديب، مساعد مدير الشرطة.
قال ان نسبة خمسة في المائة من الجنود شيوعيون، او يعطفون على الشيوعية.  وان ستين في المائة من قوة دفاع السودان من الجنود.  وان البقية ضباط.  لكن، لا يوجد شيوعيون وسطهم، غير ان بعضهم يشتكي من ظروف العمل، ويميل نحو مصر.
وقال الديب انه تحدث مع الجنرال سكونز، قائد قوة دفاع السودان، عن الموضوع.   وعرض عليه مساعدة الشرطة لمواجهة الخطر.  لكن، قال له الجنرال ان الخطر ليس كما توقع.  وان استخبارات قوة دفاع السودان تراقب الوضع.  لكن، قال الديب ان هذه الاستخبارات غير فعالة، وذلك بسبب عدم الثقة بين الضباط البريطانيين والجنود السودانيين.
رأينا:
لا نقدر على ان نؤكد المعلومات السابقة.  لكننا نرى ان وجود عسكريين شيوعيين سودانيين امر خطير جدا، اذا كان صحيحا.  خاصة، لان الشيوعيين، في السنة الماضية، كانوا وراء اضراب الشرطة غير الشرعي.  مما يوضع انهم ربما يتغلغلون وسط اجهزة الامن، سواء جنود او شرطة.  
خلال ذلك الاضراب، اعتقلت الحكومة، وسجنت، كلا من محمد السيد سلام، الرئيس الشيوعي لاتحاد نقابة عمال السودان، والشفيع احمد الشيخ، السكرتير الشيوعي للاتحاد.
وقال الديب انه لولا وجود ضباط بريطانيين ومصريين في قوة دفاع  السودان، لوقع "اضراب" وسط جنود قوة دفاع السودان."  
------------------------------
"اللواء الاحمر":
---------------------------
التاريخ: 20-6-1953
الموضوع: "اللواء الاحمر" (ملحق):
"اللواء الاحمر" هي المجلة السرية للحركة السودانية للتحرر الوطني.  وهذا رأي نشر في العدد رقم 34، كتبه "راشد".  وقالت لنا مصادر الشرطة ان "راشد" هو عبد الخالق محجوب، الذي يعتقد انه سكرتير الحزب الشيوعي.
كتب:
"كرر الخائن العسكري صلاح سالم (عضو مجلس قيادة الثورة في مصر، بعد ثورة سنة 1952) تصريحا لمراسلي الصحف في القاهرة يقول: "اذا خرج الجيش الانجليزي من قناة السويس، ولم يستطع الجيش المصري ادارة قاعدة فايد، سنستعين بدول كبرى".  
الواضح ان هذا الخائن يعني بدول كبرى اميركا، التي تسيطر اليوم عمليا على اغلب مرافق الاقتصاد في مصر، بواسطة النقطة الرابعة، وبواسطة جواسيسها الوزراء، وضباط الجيش.
ان هذا التصريح يكشف، مرة اخرى، خيانة عهد محمد نجيب الذي باع نضال الطبقة العاملة المصرية ، وتضحياتها، للاستعمار الامريكي، محاولا ان يريط مصر بحلف الشرق الاستعماري، والذي يوجه ضد الاتحاد السوفيتي، وطن العمال والسلم.
وفي سبيل تحقيق هذه المؤامرة الكبرى، صادر الدكتاتور محمد نجيب، كلب الاستعمار الاميركي، جميع الحريات في مصر.  والقى في منافي الطور باكثر من 120 من العمال والوطنيين المصريين.  وفي سبيل تحقيق هذه المؤامرة، وضع الخائن نجيب، مع الاستعماريين، اتفاقية السودان حتى يفصل بين كفاح الطبقة العاملة في السودان، والشعب، وبين نضال عمال مصر وشعبها ... "
(في وقت لاحق، غير الشيوعيون معارضتهم للاتفاقية، بعد ان تأكد لهم ان كل السودانيين تقريبا يؤيدونها، ويؤيدون الانتخابات التي ستقرر مصير السودان).
"وهاهي لجنة الانتخابات تأتي، وهى لجنة استعمارية اميركية، يرأسها باكستاني من انصار حلف الشرق الاوسط.  ان الهيئات الدولية ما هي الا وسائل يتسرب منها الجواسيس الاميركان، اعداء  البشرية، انصار الحرب والاستعمار.
ان على الطبقة العاملة السودانية ان تحمل لواء النضال ببسالة ضد الحلف الاثيم، وان تضع واجب النضال المشترك مع الطبقة العاملة ... "
(يبدو واضحا ان الشيوعيين السودانيين كانوا يعارضون معارضة قوية كل ما هو اميركي، او له صلة بأميركا.  مع رفع شعارات  تقليدية ضد الاستعمار، وضد الامبريالية، وضد العملاء).
-------------------------------
الشيوعيون يغيرون رأيهم:
------------------------------
التاريخ: 20-6-1953
الموضوع: تغيير رأي الشيوعيين في الاتفاقية البريطانية المصرية
"حصلت الشرطة السودانية على معلومات تؤكد ان الشيوعيين السودانيين غيروا رأيهم في اتفاقية 12 فبراير (يقصد الاتفاقية البريطانية المصرية لتقرير المصير في السودان).  وفي الاشتراك في الانتخابات البرلمانية في الخريف القادم.  
الأن، يأمل الشيوعيون في الفوز بمقاعد في البرلمان السوداني الجديد.  لكن، يتوقع ان يستغلوا هذا الفوز لعرقلة العملية البرلمانية.  وذلك لأن الشيوعيون يرون ان الاشتراك في برلمانات، او في حكومات برلمانية، مجرد تكتيك.  ويرون ان الهدف النهائي هو تأسيس دولة شيوعية في السودان عن طريق ثورة عسكرية.
ونحن حصلنا على معلومات عن هذا التكتيك الشيوعي من المصادر الآتية:
اولا: ضباط الاستخبارات في الشرطة (منهم: بابكر الديب، نائب مدير الشرطة، وعبد النور خليل، مسئول الاستخبارات في الشرطة).  قالوا ان الشرطة، في شهر  ابريل،  حصلت على خطابات خاصة تبادلها شيوعيون معروفون، واكدت الخطابات التغيير في التكتيك.  لكننا لم نشاهد الخطابات، ولم نشاهد ترجمة لها.
ثانيا: نسخ من بيانات شيوعية.  ومجلة "اللواء الاحمر"، التي توزع داخل اجهزة الحزب، وهي غير قانونية ...  
في العدد المرفق، توجد معلومات عن الاشتراك في الانتخابات.  وعن دخول البرلمان لعرقلة العملية الديمقراطية.  وعن التأكيد بأن العنف هو الطريق الوحيد لتحقيق الاهداف الشيوعية.
نرسل لكم نسخة من "اللواء الاحمر" بدون ترجمتها، لأن الشرطة طلبت منا المحافظة على سريتها. ولأن الذين يترجمون في المكتب سودانيون ...
في الاسبوع الاول من مايو، صادر النسخة ضابط شرطة سوداني في قطار من الخرطوم الى حلفا.  كانت واحدة من مائة نسخة تقريبا، يحملها محمد الأمين عبد الله عباس، طالب في الكلية القبطية في الخرطوم.  ويعتقد انه كان يريد نقلها الى عطبرة.  اعتقلته الشرطة، وتخطط لتقديمه الى محكمة لأنه كان يحمل اوراقا غير قانونية ... "
----------------------------------
محمد سعيد معروف:
-----------------------------------
التاريخ: 8-8-1953
الموضوع: محاضرة محمد سعيد معروف (ملحق):
"يوم 19-6-1953، نشرت جريدة "الصراحة" تقريرا عنوانه "جبهة انتخابية ضد الامبريالية"، عن محاضرة القاها محمد سعيد معروف، في نادي التجار الاحرار في الابيض.  كان عنوان المحاضرة "الوضع العالمي".  وحضرها عدد كبير من الناس، منهم قادة من الحزب الوطني الاتحادي.
قالت الجريدة ان معروف قال ان دول المعسكر الامبريالي تواجه تشوشا، وارتباكا، وحيرة، وذلك بسبب التناقضات في داخلها، والتي تزيد عمقا، وذلك لثلاثة اسباب:
اولا: انهيار النظام الاقتصادي في الدول الرأسمالية.
ثانيا: المنافسة بين اميركا وحلفائها.
ثالثا: تمرد شعوب المستعمرات.
وتحدث معروف عن الوضع في الشرق الاوسط.  واشار الى خطر برنامج "النقطة الرابعة".  (يقصد المساعدات الاميركية الى دول العالم الثالث لمواجهة انتشار الشيوعية.  واخذت اسمها من خطاب القاه الرئيس ترومان سنة 1949.  ووضع المساعدات نقطة رابعة في اهداف السياسة الخارجية الاميركية).  
واشار معروف الى خطر خطة "الدفاع المشترك".  (كتبت مجلة "تايم" في سنة 1949 ان هذا اسم خطة اميركية بريطانية للتحالف العسكري مع دول العالم الثالث.  لارسال اسلحة غربية الى هذه الدول.  ولتسهيل التنسيق اذا نشبت حرب ضد المعسكر الشيوعي).
وتحدث معروف عن الاتفاقية البريطانية المصرية لتقرير مصير السودان، ودعا الذين يؤيدونها والذين يعارضونها للاشتراك في الانتخابات القادمة، لهزيمة الامبريالية.  ولعزل حلفاء الامبريالية الذين يريدون هزيمة النضال المسلح. (في البداية، عارض الشيوعيون السودانيون الاتفاقية، ثم غيروا موقفهم عندما تأكد لهم ان كل السودانيين تقريبا يؤيدونها).
وقال معروف: "ليس البرلمان هو الطريق نحو الحرية.  ويجب على القوى المعادية للامبريالية ان تهتم اكثر بتنظيم النضال الشعبي خارج البرلمان.  او تجعل البرلمان مجرد اداة جانبية ... "
----------------------------------
 شيوعيون وسط المزارعين:
-----------------------------
التاريخ: 12-9-1953
الموضوع: "جبهة" وسط المزارعين
"خلال السنة الماضية، نجح الاتحاد العام لنقابات عمال السودان، وهو الذي يسيطر عليه الشيوعيون، وحركة التحرير الوطني، وهي التي تمثل التنظيم المركزي الشيوعي، في تاسيس تنظيمات وسط المزارعين، ووسط العمال الزراعيين.  ويؤكد ذلك ان هدف حركة التحرير الوطني الحقيقي هو ان تكون "حزب المزارعين والطبقة العاملة".
في الوقت الحاضر، لا تزال منظمات المزارعين في مراحلها الاولى.  وتشمل اقل من نصف المزارعين في السودان.  وحسب معلومات الشرطة، يسيطر الشيوعيون على ثلثها.  وحسب معلومات رئاسة الشرطة ومكتب العمل، لا تعتبر هذه النشاطات هامة او خطيرة في الوقت الحاضر، لكنها ربما ستصير كذلك في المستقبل ...
يوم 17-8-1952، تأسست اول اتحاد مزراعين.  في عطبرة.  وبتشجيع من اتحاد نقابات عمال السودان.  وسمى نفسه اتحاد مزارعي المديرية الشمالية.  واصدر قرار طلب من الحكومة تحسين اوضاع المزارعين ...
نرفق لكم نسخة من القرار، وهو ليس سرا ...
وبعد هذا الاتحاد، تأسست اتحادات مماثلة في دنقلا، وشندي، وجبال النوبة، والقاش، وطوكر ...
رأينا:
نحن نتفق مع معلومات رئاسة الشرطة ومكتب العمل بأن هذه النشاطات الشيوعية وسط المزارعين في السودان ليست هامة.  واكثر اتحاد يميل نحو الشيوعيين هو اتحاد مزارعي شندي، حيث توجد مشاريع زراعية خاصة، وحيث يشتكي مزارعون من سوء احوالهم، ويحملون اصحاب هذه المشاريع الخاصة المسئولية ...
مصادرنا:
1. بابكر الديب، مساعد مدير الشرطة.
2. عبد النور خليل، مسئول الاستخبارات في الشرطة.
3. آر جي سانديسون، مدير مكتب العمل.
4. فضل بشير، صحافي عمالي.
----------------------------------
(يتبع)
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. <mailto:عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.>