وثائق اميركية عن الازهري (4):
الشيوعيون وراء اول مشكلة واجهت حكومة الازهري
رأي الاخوان المسلمين في الازهري
تصريحات متضاربة للازهري حول الاتحاد مع مصر
واشنطن: محمد علي صالح

منذ قبل استقلال السودان، ترسل السفارة الاميركية في الخرطوم (كان اسمها "مكتب الاتصال الاميركي") تقارير الى رئاسة وزارة الخارجية في واشنطن عن التطورات الداخلية في السودان.  
بداية بتقارير ارسلتها (سنة 1953) عن نشاط الشيوعيين.  كانت تلك سنوات الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي.  وخاف الاميركيون من انتشار الشيوعية في الشرق الاوسط.  وخاصة في مصر.  ثم انتقالها الى السودان.  ثم الى دول وسط وشرق افريقيا.
وخلال سنوات رئيس الوزراء اسماعيل الازهري (1954-1956)، اهتم الاميركيون بتحوله من الاتحاد مع مصر الى الاستقلال التام.  لكنهم شكوا في تأييده للغرب.  وفي قدرته على التخلص من التأثير المصري.
وخلال سنوات رئيس الوزراء عبد الله خليل (1956-1958) ارتاح الاميركيون له لأنه واجه الشيوعيين والناصريين.  واغدقوا عليه المساعدات (المعونة الاميركية).
وخلال سنوات الفريق ابراهيم عبود (1958-1964) فعلوا نفس الشئ.
وعندما قامت ثورة اكتوبر (سنة 1964)، خاف الاميركيون من سيطرة الشيوعيين عليها.
لكنهم خافوا اكثر عندما قامت ثورة مايو (1959)، وادخل جعفر نميري وزراء شيوعيين في حكومته، وتحالف مع روسيا.  وعندما اعطى الروس نميري دبابات وطائرات، واستعملها في ضرب المتمردين في الجنوب، قلقت الحكومة الاميركية (والكنائس الاميركية).   وخافوا من وصول الروس (والالحاد) الى جنوب السودان، ثم الى وسط وشرق افريقيا.
لكن، بعد انقلاب هاشم العطا الشيوعي الفاشل ضد نميري (سنة 1971)، تحول نميري من روسيا نحو اميركا.  ورحبت الاميركيون بذلك.  واغدقوا عليه المساعدات.  وظهر ذلك في تقارير السفارة الاميركية في  الخرطوم.  (بعد سنة 1975، لا تزال سرية).
بعد حلقات عن الشيوعيين سنة 1953، هذه هي الحلقة الرابعة عن سنوات الازهري، بداية من سنة 1954، مع اول انتخابات في تاريخ السودان، واول حكومة سودانية وطنية.  

الشيوعيون:

من: السفارة الاميركية، الخرطوم
الى: وزارة الخارجية، واشنطن
الموضوع: مزارعو مشروع الجزيرة
التاريخ: 11-1-1954
"بعد مساومات مع حكومة اسماعيل الازهري، حقق مزارعو مشروع الجزيرة بعض مطالبهم.  ستصرف الحكومة لهم اربعة جنيهات لكل فدان قطن، من ميزانية احتياطي المشروع.  وسيعاد انتخاب مجلس اتحاد المزارعين.  في الجانب الآخر، تنازل المزارعون عن طلب اعتراف الحكومة باتحادهم الجديد قبل اجراء انتخابات.  ومن المشاكل التي لا تزال معلقة: طريقة اجراء الانتخابات، وسلطات اتحاد المزارعين في المستقبل ...
وكان المزارعون اسسوا اتحادا جديدا برئاسة الامين محمد الامين.  ووافق جون كارمايكل، السكرتير المالي بالانابة ومدير مشروع الجزيرة، على زيادة اجورهم مبدئيا.
وقبل ذلك، استعد خمسة وعشرون الف مزارع تقريبا للتظاهر في الخرطوم، والسير نحو قصر الحاكم العام.  لكن، رفض مدير مديرية الخرطوم منحهم اذن التظاهر، وهدد باستعمال القوة اذا تظاهروا.  وتدخل شخصيا السيد الصديق المهدي، رئيس حزب الامة.   والغى المتظاهرون موكبهم، ووافقوا على الاجتماع مع وزراء في حكومة الازهري ...
رأينا:
اولا: قالت حكومة الازهري، واكدت المعلومات التي جمعناها، ان الشيوعيين وراء تحركات المزارعين هذه.  ومن دلائل ذلك اتهامات "الامبريالية" لمصانع النسيج في بريطانيا، وبأنها تستغل مزارعي الجزيرة الذين يمدونها بالقطن.  هذا بالاضافة الى تكتيك شيوعي آخر، وهو اشتراك النساء في المظاهرة، حتى تتردد الشرطة في استعمال القوة.
ثانيا: تحاشت الاحزاب والصحف تحديد مواقف معينة نحو احتجاجات المزارعين.  وكلها طلبت من الطرفين الاتفاق على حلول سلمية.  غير ان السيد الصديق المهدي، رئيس حزب الامة، قال مؤخرا انه يؤيد المزارعين.
ثالثا: نتوقع الا يتدهور الموقف اكثر، وذلك لأن هذه مرحلة انتقال الحكم من الاداريين البريطانيين الى حكومة وطنية.  ولا نعتقد ان المزارعين يريدون استخدام اتهامات مثل "الامبريالية" ضد اول حكومة وطنية تولت الحكم قبل ايام قليلة ... "

الاخوان المسلمون:

من: السفارة الاميركية، القاهرة
الى : وزارة الخارجية، واشنطن (صورة الى الخرطوم)
الموضوع: راي الاخوان المسلمين في الازهري
التاريخ: 7-1-1954
"في الاسبوع الماضي، قابل دبلوماسي في السفارة مسئولا في جماعة الاخوان المسلمين له صلة قوية بالهضيبي، زعيمهم.
اعرب المسئول عن سعادته لأن الحزب الوطني الاتحادي، بقيادة اسماعيل الازهري، فاز في انتخابات السودان، وكون اول وزارة وطنية.   
وقال المسئول انه قابل الازهري مرة واحدة، في منزل شيخ سوداني في الازهر، واعجب بتواضعه، وذكائه.  لكنه يعتقد ان قوة الازهري ليست سياسية بقدرما هي طائفية، لانه يعتمد على طائفة الختمية ...
وقال المسئول ان نتائج انتخابات السودان، وفوز حزب الازهري، جعلت الاخوان المسلمين يؤيدون سياسة مجلس قيادة الثورة المصري.  وذلك لأنهم كانوا اعترضوا، على اتفاق مجلس قيادة الثورة مع البريطانيين لمنح السودان حق تقرير المصير، خوفا من ان ينفصل السودان.
واعلن الاخوان المسلمون ان اصرار بريطانيا على اجراء انتخابات في السودان يهدف الى فصل السودان عن مصر.  لكن فوز الحزب الوطني الاتحادي، الذي يتحالف مع مصر، قلل من قلقهم على مصير السودان ... "

حسين ذو الفقار:

من: السفارة الاميركية، الخرطوم
الى: وزارة الخارجية، واشنطن
الموضوع: حديث مع ذو الفقار
التاريخ: 13-1-1954
"في مقابلة معه امس، وبصراحة، تحدث حسين ذو الفقار، العضو المصري في لجنة الحاكم العام، عن ما قال انها نوايا البريطانيين في السودان.
هذا هو ملخص ما قال لي:
اولا: لا ينوى البريطانيون مغادرة السودان.
ثانيا: اعتبروا ان فوز الحزب الوطني الاتحادي الموالي لمصر، بقيادة اسماعيل الازهري، هزيمة لهم.  لهذا سوف يخلقون ازمة اقتصادية كبيرة في السودان، ويستغلونها لاعلان ان السودانيين ليسوا قادرين على حكم انفسهم.
ثالثا: لن يقدر السودانيون، وخاصة حماد توفيق، وزير المالية الجديد، على منع البريطانيين في السودان من خلق كارثة اقتصادية، بالتعاون مع بنوك ومؤسسات مالية في لندن.
رابعا: طلب منى ان انقل الى الخارجية الاميركية اقتراحا بان نتدخل، ونطلب من البريطانيين ان يخرجوا من السودان، ومن قواعدهم العسكرية في قناة السويس.
راينا:
اولا: عندما سالته: ماذا ستفعل مصر اذا قرر البريطانيون عدم الخروج من السودان، هز كتفيه، وقال انه لا يعرف.
ثانيا: عندما سألته: لماذا سيرفض البريطانيون الخروج من السودان بعد ان اعلنوا انهم سيخرجون، وبعد ان اجروا انتخابات حرة جاءت بأول حكومة وطنية، هز كتفيه، وقال انه لا يعرف.
ثالثا: صار واضحا ان ذو الفقار لا يثق في البريطايين فقط، ولكن، ايضا، زادت عدم ثقته فيهم بعد ان صار ممثلا لمصر في لجنة الحاكم العام.  ويبدو انه يعكس مواقف رؤسائه في القاهرة، وعلى رأسهم الصاغ صلاح سالم، عضو مجلس الثورة، والمسئول عن شئون السودان ... "

صلاح سالم:

من: السفارة الاميركية، الخرطوم
الى: وزارة الخارجية، واشنطن
الموضوع: زيارة صلاح سالم
التاريخ: 20-1-1954
"وصل الى هنا الصاغ صلاح سالم، وزير الارشاد القومي وشئون السودان.  وعندما اعلن انه سيزور جنوب السودان، حسب اتفاق مسبق مع حكومة الازهري، اعترض البريطانيون وحزب الامة وحزب الاحرار الجنوبي.
وفي مقابلة معه، قال لي سالم ان جنوبيين قالوا له انه زار الخرطوم كثيرا، ولم يزر الجنوب.  وان الجنوبيين يريدون معرفة رأي المصريين في مستقبل السودان ومستقبل الجنوب.  ووعد بانه سيزور الجنوب كمراقب، ولن يعقد اجتماعات، ولن يلقي خطبا، ولن يثير مشاكل، ولن يسبب في اعمال عنف.
وعندما سألته لماذا لا يقول ذلك للبريطانيين، اجاب بأنه كان يريد مقابلة الحاكم العام، لكن الحاكم  العام يزور كردفان.  وانه لا يعرف مسئولين بريطانيين يقابلهم.  وطلب مني ان انقل ذلك للبريطانيين.  وانا قلت له ان هذا واجبه هو.  
على اي حال، في اليوم التالي، قابلت دبليو لوس، مستشار الحاكم العام للشئون الدستورية والخارجية.  ونقلت له ما قال سالم، ورد بانه لا يصدق سالم، وان سالم يريد خلق مشاكل في الجنوب.  وقال لوس انه قابل الازهري، ونقل له قلقه على زيارة سالم للجنوب.   لكن، دافع الازهري عن الزيارة، وقال انها خاصة وليست رسمية.  وخرج لوس من مكتب الازهري غير مقتنع ...
وفي مقابلة مع عبد الله خليل، سكرتير حزب الامة، قال لى ان سالم يريد الدعاية في الجنوب للوحدة مع مصر، وان هذا ضد الاتفاقية البريطانية المصرية للحكم الذاتي في الجنوب.  واطلعني خليل على نص الاتفاقية، والذي نحتفظ نحن به، والذي يقول: "يجب السماح للشعب السوداني ان يمارس تقرير المصير في جو حر ومحايد ... "

الأزهري ومصر:

من: السفارة الاميركية، الخرطوم
الى: وزارة الخارجية، واشنطن
الموضوع: تصريح الازهري عن الاتحاد مع مصر
التاريخ: 20-1-1954
"ثارت عاصفة سياسية بسبب التصريحات التي ادلى بها اسماعيل الازهري، رئيس الوزراء، لصحيفة "اخبار اليوم" المصرية.  والتي نشرتها صحيفة "الراي العام" السودانية.  والتي قال فيها ان "حكومته ستعمل للاتحاد مع مصر."
قال حزب الامة ان حكومة الازهري لا تملك السلطة الدستورية لتقرر مصير السودان، لأنها حكومة انتقالية، حتى انتخابات الجمعية التأسيسية التي ستقرر ذلك.  ووصلنا، عن طريق اصدقاء للازهري، انه قال لهم الاتي:
اولا: لم تنقل الصحيفة المصرية كلامه نقلا صحيحا.  
ثانيا: لا يزال "يؤيد الاتحاد مع مصر، لكنه يريده اتحادا بين بلدين مستقلين."
ثالثا: نعم، الجمعية التاسيسية، وليس البرلمان الحالي، هو الذي سيقرر مصير السودان ...
رأينا:
وضع الازهري نفسه في وضع حرج: اذا نفى خبر الصحيفة المصرية، سيؤثر على علاقته مع مصر.  واذا لم يفعل ذلك، سيزيد عليه غضب حزب الامة، وحزب الاحرار الجنوبي.
وجمعني نقاش مع حسين ذو الفقار، العضو المصري في لجنة الحاكم العام، الذي دافع عن الصحافي المصري، وقال انه لابد ان يكون نشر ما قال الازهري.  وان الازهري، على اي حال، يقدر على اصدار نفي رسمي.  
اشترك في النقاش مبارك زروق، وزير المواصلات، وزعيم المعارضة في مجلس النواب.  ووافق على ما قال ذو الفقار.
في اليوم التالي، نشرت وكالة الانباء السودانية ان الازهري نفى "ان حكومته ستعمل لتحقيق اتحاد بين السودان ومصر."  

ملحق (1):

تصريح الازهري لصحيفة "اخبار اليوم" المصرية، كما نقلته صحيفة "الرأي العام" السودانية (11-1-1954):
"لابد من الاتحاد  بين مصر والسودان.  دائما، انا دعوت للاتحاد مع مصر، ودائما، وقف حزبي مع هذا الموقف.  لا انا، ولا زملائي، تنازلنا شبرا واحدا عن طلب الاتحاد مع مصر، رغم السجون.  ولهذا، لا يبدو اننا سنتنكر الآن لهذا العهد ... ستعمل حكومتي لتحقيق الهدف الذي ظللنا نعمل لتحقيقه منذ فترة طويلة، وهو الاتحاد مع مصر ... الاتحاد الذي طلبه شعبا البلدين، بحقوق والتزامات متساوية ... "

ملحق (2):

تصريح الازهري لوكالة الانباء السودانية (17-1-1954):
"في مقابلة في منزلي، سألني مراسل صحيفة "اخبار اليوم" المصرية الاسبوعية اذا كان صحيحا ان انني لم اعد اؤيد سياسة الاتحاد مع مصر.  قلت له ان هذا ليس صحيحا، لان الحزب الوطني الاتحادي لا يزال يدعو للاتحاد مع مصر بصورة ما.  ولأنه فاز في الانتخابات على هذا الاساس ... لم اقل اي شئ غير ذلك في هذا الموضوع ...  انا اعرف ان واجب حكومتي هو السودنة، واجلاء القوات البريطانية، وخلق جو حر للسودانيين ليقرروا، في حرية، مستقبلهم.  في الحقيقة، سياسة حكومتي سياسة قومية: سياسة تحرير، وليست سياسة تقرير مصير ..."
رأينا:
اولا: هذه التطورات المتأرجحة هي طبيعة السياسة السودانية هذه الايام.
ثانيا: على الحزب الوطني الاتحادي ان يحدد اي اتحاد مع مصر يريد.
ثالثا: يبدو ان المرجح هو اتحاد بين بلدين مستقلين."
ممممممممممممممممممممممممممممم
في الحلقة الخامسة: ازمة داخل حزب الامة.  هل عائلة المهدي عبء على الحزب؟
ممممممممممممممممممممممممممم