بسم الله الرحمن الرحيم

 

المؤتمر الشعبي

 

رؤية لتجاوز أزمة السودان السياسية

 

مقدمة:

 إن أساس الحياة العامة مما اجتمعت عليه قيم الدين والتجربة الإنسانية هو بسط الحريات للناس وصون كرامتهم وإقامة العدل والمساواة بينهم، وإنّ بسط السلطة لا قبضها من سنّة الحكم الإسلامي منذ دولة المدينة، وهو أيضاً من عبرة تجارب الأقطار الواسعة في شرق الأرض وغربها، الأمر الذي يجعل الحكم اللامركزي في بلد كالسودان هو الأجدى. 

بوادر الأزمة وتجلياتها:

 برزت ظاهرة المقاومين في الأطراف تظلماً من واقع احتكار السلطة والموارد بَرِمين بافتقاد العدالة في توزيع الثروة ونمائها وعدم المساواة في فرص الكسب . ورغم إخفاق نهج القوة  في الجنوب إلا أن النظام اتبع ذات السَّنن المعيب لقمع مطالبات أهل دارفور. بل أضاف إلى قواته هناك عناصر محلية من مليشيات (الجنجويد) ، وتجاوز قهر المقاومة المسلحة إلى قصف المدنيين الأبرياء وحرق العديد من القرى المستقرّة ، وتشريد الملايين نزوحاً ولجوءاً، واستباحة كرامتهم الإنسانية، وإشاعة الاغتصاب الجماعي ، وغير ذلك من الأفعال المنكرة مما أثبتته لجنة التحقيق القانونية الوطنية، ولجنة الأمم المتحدة، وأخيراً إدارة  المدعي العام للمحكمة الجنائية الذين زاروا السودان مراراً واستقبلهم كبار المسئولين، ثم انقلبوا عليه حين رتب على تحقيقاته دعاوي جنائية.ونتيجة سوء إدارة الأزمة، استعدى نظام المؤتمر الوطني المجتمع الدولي، وفتح الثغرة التي نفذت من خلالها محكمة الجنايات الدولية، التي أربكت الأمور الآن أيّما إرباك، رغم أن الفرصة كانت مواتية أمام عدالة محلية ترعى حرمات الناس ، وتوقع العقاب على مرتكبي الجرم عيناً وتحمّل من وراءهم مسئولياته السياسية.

إن مظاهر الأزمة تتجلى بغير ما وجه في الأوضاع السياسية والأمنية ، فاتفاقية نيفاشا كان يرجى لها لا أن تحقق العدالة فحسب، بل أن تعزّز الثقة في جدوى الوحدة، لكن الطرف المعنى ببناء الثقة – المؤتمر الوطني – عزّز نقيضها . وما انفك النظام يتعامل مع الواقع بغير تعقل ولا رشد، يدل على ذلك طرده لبضع عشرة منظمة أجنبية عاملة في مجالات حيوية في دارفور، وتهديده بطرد سائر المنظمات خلال عام، الأمر الذي من شأنه أن يعرض حياة مئات الآلاف بل الملايين، المقيمين في معسكرات النزوح، للخطر.

   

آفاق تجاوز الأزمة:

 إنّ الخروج من المحنة يستدعى اصطفاف سائر أطراف المجتمع ومواجهة الأزمات بإطار قومي جامع، وفي ما يلي رؤى لمقترحات في سياق مساعي الحادبين على الوطن، الداعين إلى التكاتف والإجماع حول تجاوز معضلاته التي تزداد تأزماً يوماً بعد يوم، وبسط مسيره وتأمين مصيره العام.  إن من مقتضيات هذه المرحلة إجراء إصلاحات شاملة في قضايا جوهرية لعل أهمها على الإطلاق هي قضية إطلاق الحريات، وتحقيق السلام والعدالة، وإجراء الإصلاحات السياسية والقانونية التي تعزّزها، واتخاذ تدابير المساءلة ومحاصرة الفساد، وتهيئة الأجواء لإجراء انتخابات حرة ونزيهة من شأنها التعبير عن إرادة حقيقية للشعب يتولى من بعدها ممثلوه مسئولياتهم كاملة، على أن يأتي ذلك على هذا النحو: 

أولاً: الحريات العامة :

              الحرية حق أصيل لكل أحد يمارسها اعتقاداً واجتهاداً وتشاوراً وسعياً للكسب، والمشيئة الطلق هي الأصل الذي تؤسس عليه عقود التواطن تراضياً في قطر واحد. أما على صعيد الواقع فما تزال قيود حريات التعبير والتنظيم ورقابة الصحف والاعتقال السياسي الممتد بغير بينة جنائية، ما تزال تمارس في مخالفة للدستور الانتقالي، ومن مقتضيات هذه المرحلة أن ينهض حكم انتقالي بمسؤولية إصلاح الدستور والقانون الجنائي الموضوعي والإجرائي من القيود على نقد السلطة وما فيها من ولاة وسياسات وإصلاح القانون الصحافي، وإطلاق حرية الانتداء والتظاهر لكل أحد دون استعمال القوة منه على مخالِفِه، أو عليه من السلطة، وتعديل قانون الأمن الوطني وإلغاء أي سلطة لفرض الاعتقال التحفظي. 

 ثانياً: الإصلاح القانوني واستقلال القضاء:

 نظراً لاستشراء الفساد وفشو الظلم والاحتماء وراء الحصانات وتكبيل القضاء عن أن يحقق العدالة فإن من لوازم عهد الانتقال :

·        وضع قانون لمكافحة الفساد ومعاقبته لجزاء سوابقه وسد ذرائعه وتجنّب شبهاته التي قد يفرط مداها.

 

·   بسط المساواة في المسئولية الجنائية ورفع كل الحصانات التي يتمتع بها أكابر السلطة وأصاغرها شفاءً لمشاعر الظلم واليأس من تسويته محلياً، واجتناباً لامتداد العدالة الجنائية الدولية على السودان بأكثر مما حدث.

 

·   حماية استقلال القضاء ، وذلك بقانون يمنع أي إجراء كالنقل أو العزل أو الحرمان من الفرص والمخصصات المعهودة لأي قاضٍ، ويُمنع تصويب القضايا نحو ولاية قضاة بعينهم أو محاكم استثنائية.

  

ثالثاً:دارفور وسائر الأزمات الإقليمية

 

·   إن الأوفق اليوم بعد أن بلغت التداعيات بمشكلة دارفور لتكون أزمة تهدد ذات كيان السودان، أن ينشأ إقليم لدارفور بحدود عام 1956م ، تقوم عليه حكومة بصلاحيات وسلطات أصيلة تنسيقية بالدستور.

 

·   أما على مستوى المركز فالأوفق في الأوضاع الانتقالية بعد اتفاقية السلام والتسوية السياسية الشاملة أن يعين نائب لرئيس الجمهورية من دارفور يختار بإجماع أهل دارفور، المقاتلين اليوم مقاومة والآخرين ، أو ينتخب إذا تعذر الإجماع.

 

·   ويلزم – كذلك – تخصيص مال من المركز يمده أيّما عون إنساني عالمي أو مدد دولي متاح لتعمير القرى التي دمرتها الحرب والمرافق الأساسية التي تعطلت، وإنشاء مفوضية للتنمية لتمويل مشاريع جديدة تراعي حظ الإقليم النسبي في إعمار البنية  الأساسية للإقليم، ومسالك نقل ومشروعات ماء وطاقة، وأن تشمل التعويضات الفردية كل المتأثرين بالحرب في دارفور، وأن يكون نصيب إقليم دار فور من الثروة القومية بنسبة كثافته السكانية لجملة سكان السودان زائداً إضافة للتمييز واللحاق بباقي الأقاليم على أن يراعى للشرق وتمام تسوية أزماته، وجنوب كردفان وحدودها، وجنوب النيل الأزرق والشمال وغيرها من المناطق المتخلفة بذات المعيار.

 ·   كذلك لا بد من إعمال إجراءات التحقيق والمحاسبة عن كل الجرائم التي ارتكبت متصلة بالحرب في دارفور أو تلك التي ارتكبت في الشرق أو الشمال،  ورفع الحصانات من أي مطلوب للعدالة أياً كان مقامه، وأن يطلق سراح كل المحكومين في قضايا سياسية تتعلق بالنزاع في الإقليم وكذلك المعتقلين السياسيين، ويرجى لإرساء روح السلام المطمئنة أن تعقب تلك التسويات روح التعافي والتصافي والوئام والتعاون في مجتمع دارفور وفي الوطن كله مفعماً بروح الإخاء والموالاة والمساواة دون عصبية متجافية. 

رابعاً: ضمانات الاستقرار بعد التأزم:

 إن العبرة التي تستلهم من منهج التفاوض والوفاق الثنائي في أزمة الجنوب، والذي لم يفعل غير أن أمد النظام الشمولي بدواع جديدة للبقاء والاستمرار في القبض على سلطة مركزة بدلاً عن الإصلاح بضوابط الحرية ، تشكل قناعة راسخة بأن الحل القطعي لقضية دارفور إنما يندرج في علاج أزمة السودان، ولا يكتمل إلا باستدراك أزمة الحكم وقصوره في أنحاء السودان وأقاليمه كافة، ولا بأس أن تصدت قطر فطرحت نفسها مأوى للتفاوض لما لها من سابقة تعزز الثقة فيها وهو أمر يوجب شكرها، ولكن وحتى يكون الحل وطنياً جامعاً لابد من إشراك كل القوى السياسية ذات الهموم القومية والقواعد في دارفور وغيرها وبعض منظمات المجتمع  الأهلية والمدنية ذات المدى القومي . وذلك كله من خلال وعاء ينتظم القوى الوطنية أجمع، وبحضور ممثلي دول الجوار والدول والمنظمات الدولية والعالمية التي تساعد بالنصح والضغط والعون الصالح.

خامساً: القوى المسلحة والأمر السياسي:

 القوات المسلحة ينبغي ألا تكون في قيادتها أو صفّها من له ولاء حزبي أو انتماء سياسي معلن. وكذلك جهاز الشرطة و الأمن ينبغي أن يتولاها مستقلون مهنيون متجردون من الانحياز السياسي . وينبغي أن تضبط سائر القوى الإقليمية المسلحة المأذون ببقائها لمرحلة الانتقال والمليشيات المحلية التي لم تنتظم بعد، كلها تلزم ألا تتدخل في السياسة بأي ضغوط منها وأن تترك نظم الحكم الانتقالي تسير حرّة عنها حتى تتوحد كل نظم القوة المسلحة بعد الانتخابات وقيام نظام الحكم القومي  والولائي المستقر.

سادساً: العلاقات العالمية:

 الحق والعدل أن ينفتح السودان للعالم كما هو طبع حاله مجتمعاً لأنواع من البشر ومجاوراً بكثاقة لذوي قربى أهلية من الأقطار . والحق عليه أن يعرف مقتضى عضويته في المنظمات الدولية والإفريقية والعربية والإسلامية والأممية يأخذ منها ويعطي ويفي بعهود علاقاته ، ويحترم ميثاق شركته مع أمم العالم.وما دمنا مدرجين في الشرعية الدولية، حتى إذا اتهمنا بعض النافذين فيها بأن لهم أغراضاً من وراء المواقف، فإن الأجدى والأكثر تعقلاً هو التعامل مع المجتمع الدولي في الجوانب القانونية، وهي أرجى أن تحقق العدالة، ما دمنا نتعامل معه في مؤسسات العلاقات السياسية، وليس من الحكمة أن نعرِّض البلاد بأسرها لأزمة كهذه ما دامت هناك سبل لتجنبها.

سابعاً: الانتخابات:

 من مقتضيات المرحلة الانتقالية، واستكمالاً لما سبقت الإشارة إليه من تدابير، يلزم إجراء انتخابات حرة ونزيهة توفر لها كل الضمانات اللازمة حتى تأتي نتائجها معبرة عن إرادة الشعب حقيقة . ولا يغني في ذلك أن تعين المفوضية فحسب، وإنما لابد من استكمال الإحصاء الذي عطِّل، وإدراج دارفور التي لا يمكن تجاوزها أو عزلها، فضلاً عن توقيت مناسب ليس هو موسم الخريف بأية حال.

ثامناً: الحكم الانتقالي:

 ليس الحكم الانتقالي بدعاً بأي حال إذ جرّبه أهل السودان غير مرّة، كان ذلك في أعقاب ثورة أكتوبر 1964م ، ومن بعد ثورة رجب / أبريل 1985م . ولما كانت الثقة قد اعتلّت في أن تجري هذه الإصلاحات المنشودة في عهد النظام الحالي فإنّ الأوفق أن تشكّل حكومة انتقالية من عناصر مؤهلة جميعها مستقلة بتراضي منظومة القوى الوطنية، لتسيير جاري الأمور والمعالجة المتناصرة للأزمات الماثلة، والتحضير العدل للانتخابات العامة عودة بالحكم إلى الشعب حقاً وعدلاً لا جوراً وظلماً من بعض ، وأن يكون من مهامها التأمين على اتفاقية سلام نيفاشا وضمان ما حققته من مكاسب لأهل الجنوب.

تاسعاً : المصير الدستوري:

 إن رصيد الإجماع في عهد الانتقال المنعقد بين القوى السياسية على ميزان اللامركزية تجاه الجنوب خاصة ودارفور والشرق وغيرها من مناطق السودان سيرسخ زاداً يعتمده الشعب بوساطة نوابه لإقامة النظام الفدرالي الدستوري الدائم، وأما سائر القضايا الدستورية فأصل الحرية سيبقى محفوظاً بعبرة التجربة، ومعتمداً بإرادة الشعب المنطلقة، على أن تفصل كل المسائل وتحسم بوضع دستور ثابت للسودان الذي ظل يتقلب مضطرباً عهوداً متوالية منذ الاستقلال، وينبغي هذه المرة، أن يجاز الدستور بأغلبية عالية راجحة تؤمن تأسيسه المتين .

عاشراً :منظومة القوى الوطنية:

 ينبغي أن تقوم منظومة لكل الأحزاب والقوى السياسية والمنظمات الأهلية تجرى فيها تشاورات راتبة خارج نظم الحكم المؤسسة رسمياً ، لكن تعمل لسندها ومدّها بمادة في الإجماع السياسي لإصلاح الأزمات الإقليمية القائمة، أو الأزمات القومية الطارئة، وللتشاور في الإصلاح القانوني العاجل والتوافق في منهج الانتخابات العادل القادم، ونحو ذلك مما يقتضي أن تسوده روح الإجماع الوطني لتجاوز كل عسير في عهد الانتقال حتى يوكل الأمر للشعب ونوابه بعد الانتخابات العامة. ويمكن لمهام المنظومة أن تستدام.

خاتمة:

 إن النصح الذي يقتضينا الظرف أن نبذله للحادبين على الإجماع الوطني لنا ولسوانا من أبناء الوطن ومنظوماته السياسية ألاّ يقصر الهم على الوفاق في مسألة محدودة كالقرار الأممي، أو في تسوية إقليمية أو سياسية أمنية أو اقتصادية أو اجتماعية أو خارجية بعينها ، فإنما جرّنا التأزّم الإقليمي والاضطراب والتوتر في وقع السياسات إلى أزمة في جملة أوضاع السودان، وعموم حكمه، وفي ضعف مكانه قطراً ووطناً وأمة بين الأمم، مما عاد بالضر على مفصلات أحوالنا.إن الأحداث الطارئة التي أيقظت الهم العام، ونبهت القوى السياسية والرأي العام والسلطان، ينبغي أن تردّ بتداعياتها ودواعيها إلى مجمل أزمة السودان ، وإنّ تسارع إيقاع مظاهر الأزمة يلزم أن يتحرك المواطنون كافة لاجتماع كل العزائم لاستدراك الخطر المنذر، ولبناء وطن ذي شأن،  صالح في الحكم والاقتصاد والمجتمع ، سالم في عمومه فروع أقاليمه وهمومه ، واعدٍ في نهضته الشاملة وحركة قواه وأهاليه ، عزيز فاعل بين العالمين في الأرض ـ إن شاء الله .                                                                                                                 الأمانة العامةالخرطوم:   أول/أبريل /2009م